إن كربلاء ليست مأساةً تاريخية تنتهي بانتهاء أيامها، بل هي موقف أخلاقي ومشروع إنساني يعيد تشكيل الوعي والضمير؛ حيث لا يتجلى الولاء للحسين في الدموع والشعائر فحسب، بل في تحويل قيم العدل، والرحمة، والنزاهة، والرفض المطلق للظلم إلى سلوك يومي يبني الإنسان والمجتمع...
ليس الحسينُ عليه السلام صفحةً أُغلقت في كتاب التاريخ، ولا مأساةً تُستعاد في موسمٍ ثم تنتهي بانتهاء أيامه؛ إنما هو مشروعٌ إنسانيٌّ مفتوح، بقيت كربلاء من خلاله تنتقل من جغرافيا المكان إلى جغرافيا الضمير، ومن حدود الواقعة التاريخية إلى فضاءٍ أوسع تسكنه الأسئلة الكبرى عن الإنسان والحرية والكرامة والعدل. فالحسين عليه السلام لم يخرج طلبًا لسلطةٍ دنيوية، ولا بحثًا عن مجدٍ شخصي، وإنما خرج دفاعًا عن معنى الإنسان حين تُهدد كرامته، وعن الحق حين يُراد له أن يصمت، وعن القيم حين تتعرض للتزييف. ولذلك بقيت كربلاء قادرةً على مخاطبة الأجيال؛ لأنها لم تقدم مأساةً فقط، وإنما قدّمت موقفًا أخلاقيًا لا يفقد صلاحيته بتغيّر الأزمنة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾
[النحل: 90] وكأن كربلاء تختصر هذه الآية في موقفٍ إنسانيٍّ حيّ: عدلٌ لا يساوم، وإحسانٌ لا ينقطع، وإنكارٌ للمنكر، ورفضٌ للبغي مهما كان الثمن.
حين تصبح الكرامة موقفًا
في كربلاء لم يكن السؤال الحقيقي: من انتصر عسكريًا؟ ومن امتلك العدد والسلاح؟ فهذه الأسئلة، على أهميتها في قراءة التاريخ، لا تكشف جوهر الواقعة.
السؤال الأعمق كان وما يزال: أيُّ إنسانٍ نريد أن نكون؟ فالحسين عليه السلام أعاد للإنسان معنى الكرامة حين رفض أن تتحول الحياة إلى خضوعٍ أعمى، وأثبت أن الإنسان قد يُهزم جسده ولا تُهزم قيمته، وقد يُقتل صوته ولا تموت رسالته، وقد يخسر المعركة بمقاييس القوة المادية، لكنه ينتصر في ميزان المعنى والتاريخ والضمير.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
[الإسراء: 70]
ومن هنا تصبح كربلاء مدرسةً في الدفاع عن كرامة الإنسان، أيًّا كان لونه أو قومه أو لغته أو موطنه. فالحسين عليه السلام، مع خصوصية مقامه العقائدي عند أتباع أهل البيت عليهم السلام، يحمل في موقفه الإنساني رسالةً تتجاوز الحدود الضيقة؛ لأن الدفاع عن الكرامة والعدل ورفض الظلم قيمٌ تستطيع أن تخاطب كل ضميرٍ حر.
إن عظمة الحسين لا تكمن في أن واقعة كربلاء انتهت، وإنما في أن السؤال الذي طرحته لم ينتهِ. كلما وُضع الإنسان أمام خيارٍ بين الكرامة والذل، وبين الحق والمصلحة، وبين الصمت والموقف، تعود كربلاء إلى الواجهة من جديد.
من العاطفة إلى المسؤولية
كربلاء لم تكن حكاية فردٍ يقف في مواجهة مجتمعٍ فحسب؛ كانت درسًا في المسؤولية الاجتماعية، وفي معنى أن يشعر الإنسان بأن وجوده لا يكتمل بعيدًا عن الآخرين. فالإنسان الحسيني لا يعيش لنفسه وحدها، ولا يحصر الدين في دائرة علاقته الخاصة بالله، وإنما يحمل في وجدانه مسؤولية الضعيف، وينتصر للمظلوم، ويصلح ذات البين، ويحفظ حق الجار، ويصون كرامة الفقير، ويجعل من الرحمة سلوكًا يوميًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«مَن لا يَرحم لا يُرحم»
[صحيح البخاري، كتاب الأدب؛ صحيح مسلم، كتاب الفضائل]
وهنا يتجلى أحد أعمق أبعاد المدرسة الحسينية: أن الرحمة لا ينبغي أن تبقى كلمةً تُقال في المجالس، وإنما قيمةً تتحول إلى فعل. فماذا يعني أن نبكي الحسين إذا لم تجعلنا دموعه أكثر رحمة؟ وماذا يعني أن نرفع رايته إذا لم تجعلنا أكثر إنصافًا؟ وماذا يعني أن نحيي مجالسه إذا لم تخرج منها يدٌ أكرم، ولسانٌ أصدق، وقلبٌ أصفى، ومجتمعٌ أكثر تكافلًا؟ إن هذه الأسئلة لا تنتقص من الشعائر، وإنما تمنحها معناها الاجتماعي والأخلاقي، وتمنع تحولها إلى ممارسةٍ منفصلة عن الحياة.
حين تتحول الذاكرة إلى وعي
الثقافة الحسينية ليست تراكمًا للمعلومات، ولا حفظًا للنصوص والأحداث فحسب؛ إنها عملية إعادة تشكيل للوعي، وإعادة ترتيبٍ لعلاقة الإنسان بالحقيقة والتاريخ والسلطة والقيم. كربلاء تعلمنا أن الثقافة التي تبرر الظلم يمكن أن تتحول إلى أداةٍ بيد الظالم، وأن المعرفة التي لا تقود صاحبها إلى الحق قد تتحول إلى حجابٍ بين الإنسان وضميره.
قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الزمر: 9]
ومن هنا فإن إحياء الحسين عليه السلام لا يعني المحافظة على الكلمات وحدها، وإنما المحافظة على المعنى، وعلى الوعي، وعلى الذاكرة الأخلاقية التي تمنع المجتمع من نسيان دروس التاريخ. فالخطر ليس أن ننسى تفاصيل واقعة كربلاء فحسب، وإنما أن ننسى لماذا وقعت، وما الذي جعل الظلم ممكنًا، وكيف يمكن للإنسان أن يتحول من متفرجٍ على الظلم إلى شريكٍ فيه بالصمت أو التبرير أو اللامبالاة.
إن ذاكرة كربلاء، حين تتحول إلى وعي، تصبح حصانةً أخلاقية ضد إعادة إنتاج المأساة بأسماء جديدة وأشكال مختلفة.
ان تبقى إنسانًا في أقسى الظروف
ربما كانت إحدى أعظم رسائل كربلاء أن الأخلاق لا تسقط عندما تشتد المحن. فالحسين عليه السلام لم يسمح للظلم الذي واجهه أن يحوله إلى ظالم، ولم يجعل المأساة ذريعةً لفقدان المروءة، ولم يسمح لقسوة المواجهة أن تقتلع من سلوكه المعنى الإنساني.
وهنا تظهر الأخلاق في صورتها الأسمى: أن تبقى إنسانًا حين يحاول الآخرون أن يسلبوا منك إنسانيتك.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق".
[الموطأ للإمام مالك، كتاب حسن الخلق، بلاغًا؛ والأدب المفرد للبخاري، رقم 273]
فالحسين ابن مدرسة جده المصطفى صلى الله عليه وآله، ومدرسة كربلاء ليست قطيعةً مع الرسالة المحمدية، وإنما امتدادٌ أخلاقي لها حين تصبح القيم مهددةً بالانحراف. إن قيمة الموقف الحسيني تكمن أيضًا في أن الأخلاق لم تكن عنده ترفًا يُمارس في ظروف الراحة، وإنما كانت موقفًا يُختبر في أصعب اللحظات.
أسئلة لا تموت
تفتح كربلاء أمام الإنسان أبوابًا واسعة من الأسئلة التي لا تنتهي: ما معنى الحرية؟ ما قيمة الحياة؟ متى يكون الموت حياةً؟ ومتى تتحول الحياة إلى موت؟ ما الذي يجعل الإنسان يرفض الذل ولو كان الثمن دمه؟ وما الذي يجعل موقفًا واحدًا قادرًا على أن يعيش قرونًا طويلة بعد رحيل أصحابه؟ ومن أبلغ ما نُقل عن الإمام الحسين عليه السلام:
«ألا وإنَّ الدعيَّ ابنَ الدعيِّ قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة»
وقد ورد هذا المعنى في اللهوف على قتلى الطفوف لابن طاووس، وبحار الأنوار للمجلسي. وهنا تتحول كربلاء إلى فلسفةٍ للكرامة. فالإنسان قد لا يملك أن يختار الظروف التي يولد فيها، ولا الأحداث التي تحيط به، لكنه يملك في لحظة الاختبار أن يحدد موقعه منها. والحرية الحسينية ليست انفلاتًا من القيم، وليست تمردًا بلا بوصلة؛ إنها حرية الإنسان في اختيار الحق، والقدرة على رفض الباطل حتى عندما يكون الطريق إلى ذلك مكلفًا. وهذا هو سر استمرار كربلاء: أنها لا تقدم جوابًا تاريخيًا فقط، وإنما تضع الإنسان أمام مرآةٍ أخلاقية يسأل فيها نفسه: ماذا كنت سأفعل لو كنت هناك؟
حين يصبح المال مسؤولية
ولكربلاء رسالةٌ اقتصادية لا تقل أهمية عن رسائلها السياسية والأخلاقية؛ لأن الظلم لا يظهر في السياسة وحدها، وإنما قد يتسلل إلى المال والتجارة والعمل والمعاملات.
يظهر الظلم حين تُحتكر الثروة، وحين يُغش المستهلك، وحين يُبخس العامل أجره، وحين تُستغل حاجة الفقير، وحين يتحول المال من وسيلةٍ للعمران إلى أداةٍ للهيمنة.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
[الشعراء: 183]
وقال سبحانه:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾
[الحشر: 7]
ومن هنا فإن المجتمع الذي يستلهم الحسين لا ينظر إلى الثروة باعتبارها قيمةً مطلقة، وإنما يجعل المال وسيلةً للكرامة والعمران والتكافل. فالغني الحسيني ليس من يملك الكثير فقط، وإنما من يدرك أن في ماله مسؤولية، وفي نعمته أمانة، وفي قدرته حقًا للآخرين. إن الاقتصاد الأخلاقي لا يعني رفض المال، وإنما تحرير المال من أن يتحول إلى سيدٍ على الإنسان.
حين تلتقي العبادة بالضمير
الحسين عليه السلام لم يكن منفصلًا عن الدين، وإنما كان موقفه في جوهره دفاعًا عن حقيقة الدين عندما تتعرض القيم للتشويه.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾
[العنكبوت: 45]
وهنا تبرز واحدة من أهم القضايا التي تضعها كربلاء أمام المؤمن: ماذا تصنع العبادة في الإنسان؟ فإذا كانت الصلاة لا تمنع الظلم، وإذا كان الصوم لا يردع العدوان، وإذا كان التدين لا يصنع صدقًا ورحمةً وأمانة، فإن الإنسان مطالبٌ بأن يعود إلى جوهر العبادة وغايتها. الدين ليس طقوسًا بلا روح، ولا شعاراتٍ بلا أخلاق؛ إنه عبادةٌ تعيد تشكيل الإنسان، وتجعله أكثر قدرةً على مقاومة الظلم، وأكثر التزامًا بالعدل، وأكثر رحمةً بالخلق. ومن هنا كانت كربلاء دفاعًا عن المعنى قبل أن تكون مواجهةً مع السلطة.
خصوصية لا تلغي الإنسانية
ولأتباع أهل البيت عليهم السلام، للحسين عليه السلام مقامٌ خاص لا يمكن اختزاله في البعد التاريخي أو الإنساني وحده؛ فهو إمامٌ من أئمة الهدى، وسبط رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيدٌ من سادة أهل الجنة، ومحبته وولايته جزءٌ أصيل من وجدان المؤمنين به.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسينًا»
ورد الحديث في سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين، كما رُوي في مصادر حديثية أخرى بألفاظ متقاربة. ومن هنا فإن محبة الحسين عند أتباع أهل البيت عليهم السلام ليست عاطفةً عابرة، وإنما هي هويةٌ وولاءٌ ومسؤولية. غير أن قوة الهوية لا تقاس بقدرتها على إلغاء الآخر، وإنما بقدرتها على الثبات على المبادئ مع احترام الإنسان المختلف.
قال أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام:
«الناسُ صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق»
وقد ورد في نهج البلاغة، الكتاب 53، في عهده عليه السلام إلى مالك الأشتر. إنها عبارة تختصر فلسفةً كاملة في التعايش، وتضع العلاقة مع الآخر في إطارٍ إنساني يتجاوز الاختلاف. فالإنسان الحسيني لا يحتاج إلى كراهية المختلف كي يثبت هويته، وإنما يثبتها بأخلاقه وعدله وصدقه.
ان تصبح المحبة فعلًا
من أجمل ما تكشفه كربلاء أن القوة لا تعني القسوة، وأن الإنسان يستطيع أن يكون ثابتًا وشجاعًا من دون أن يفقد رحمته. فالرحمة بالحسين ليست دمعةً على الخد فقط، وإنما هي: أن تطعم جائعًا. أن تستر محتاجًا. أن تحفظ يتيمًا. أن تصل رحمًا. أن تعفو عند المقدرة. أن تنصف من ظلمك. أن تقول كلمة الحق. وأن تجعل من محبتك للحسين أثرًا يراه الناس في أخلاقك قبل أن يسمعوه من لسانك. وهنا تتجاوز الشعائر حدود المناسبة لتصبح طاقةً اجتماعية؛ فالطعام الذي يُقدم للزائر، واليد التي تمتد إلى المحتاج، والخدمة التي تُقدم دون انتظار مقابل، كلها صورٌ عملية لمعنى المواساة عندما تتحول المحبة إلى فعل.
إن أعظم ما يمكن أن تتركه مجالس الحسين هو إنسانٌ خرج منها أكثر رحمةً مما دخل، وأكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه الآخرين.
الحسين ذاكرةً للضمير الإنساني
كل أمة تحتاج إلى ذاكرةٍ أخلاقية تمنعها من نسيان معنى الظلم. وكربلاء واحدةٌ من أبرز الذاكرات الأخلاقية في التاريخ الإسلامي؛ لأنها تضع أمام الأجيال مجموعةً من الحقائق التي لا ينبغي أن تفقد صلاحيتها: لا تتعايشوا مع الظلم حتى يصبح عاديًا.
لا تسمحوا للباطل أن يكتسب شرعيته من طول الزمن. لا تجعلوا كثرة الأتباع دليلًا على الحق، ولا تجعلوا قوة السلطان معيارًا للحقيقة.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
[هود: 113]
ومن هنا يصبح الحسين عليه السلام ضميرًا حيًا يوقظ الإنسان كلما حاول أن يعتاد الظلم، أو يبرره، أو يصمت أمامه.
فالذاكرة الحسينية ليست مجرد استحضار للماضي؛ إنها مقاومة للنسيان الأخلاقي.
وحين تنجح المجتمعات في حفظ ذاكرتها الأخلاقية، فإنها تصبح أكثر قدرةً على اكتشاف الظلم عندما يتغير شكله، لأن الظلم لا يأتي دائمًا بالسيف؛ قد يأتي أحيانًا في صورة قانونٍ جائر، أو فسادٍ مستتر، أو تمييزٍ اجتماعي، أو استغلالٍ اقتصادي، أو كلمةٍ تجرح كرامة إنسان.
«اللهم أظلنا تحت ظل عرشك»... أيُّ عملٍ نحمله معنا؟
حين نقول:
«اللهم أظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك»
فإننا لا نستحضر صورةً مادية للظل فقط، وإنما نرفع دعاءً يحمل معنى الرحمة والأمان يوم تنكشف الحقائق، ويبحث الإنسان عن عملٍ صالح يحتمي به.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديث المشهور:
«سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...»
ومنهم:
«إمامٌ عادل»، و«شابٌّ نشأ في عبادة الله»، و«رجلٌ قلبه معلّق بالمساجد»، و«رجلان تحابّا في الله...»
رواه صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة.
وكأن الدعاء يضع الإنسان أمام سؤالٍ لا يمكن تأجيله:
ماذا أعددنا لذلك اليوم؟
هل أعددنا مالًا يُنفق في الخير؟
وقلبًا لا يحمل الحقد؟
ولسانًا لا يظلم؟
ويدًا تمسح دمعة اليتيم؟
وموقفًا لا يخون الحق؟
وولاءً للحسين يتحول إلى أخلاقٍ وسلوك؟
فالمسألة في النهاية ليست كم مرة ذكرنا الحسين، وإنما ماذا فعل الحسين فينا.
كربلاء ليست موسمًا... بل منهج حياة
الحسين عليه السلام لا يريد من محبيه أن يبكوا عليه فقط، وإن كانت الدمعة على مصابه جزءًا عظيمًا من وجدان محبيه، وإنما يريد أن تتحول هذه العاطفة إلى سؤالٍ أخلاقي دائم:
هل في صدقنا شيءٌ من صدقه؟
هل في شجاعتنا شيءٌ من شجاعته؟
هل في رحمتنا شيءٌ من رحمته؟
هل في مواقفنا شيءٌ من إبائه؟
هل في بيوتنا شيءٌ من أخلاق أهل البيت عليهم السلام؟
وهل يستطيع فقيرٌ أن يرى فينا يدًا حسينية؟
وهل يستطيع مظلومٌ أن يجد عندنا موقفًا حسينيًا؟
وهل يستطيع المختلف معنا أن يجد فينا أخلاق محمد وآل محمد؟
هنا تحديدًا تنتقل كربلاء من كونها حدثًا تاريخيًا إلى كونها مشروعًا لإعادة بناء الإنسان.
فليس المطلوب أن تبقى كربلاء في الذاكرة فقط، وإنما أن تنتقل من الذاكرة إلى السلوك، ومن الشعور إلى المسؤولية، ومن المنبر إلى الحياة اليومية.
حين يصبح الحسين حياة
الحسين عليه السلام ليس مرقدًا نزوره ثم نغادره، وإنما عهدٌ نحمله معنا.
وليس الحسين دمعةً على الخد فحسب، وإنما عدالةٌ في الموقف.
وليس الحسين رايةً تُرفع فقط، وإنما أخلاقٌ ترتفع بها قيمة الإنسان.
وليس الحسين ذكرى عاشوراء وحدها، وإنما يقظةٌ دائمة في وجه الظلم والفساد والذل.
فطوبى لمن أحب الحسين بقلبه، وصدقه بعمله، ونصر مبادئه بأخلاقه، وجعل من ولائه لأهل البيت عليهم السلام رحمةً للناس، وعدلًا في معاملته، وصدقًا في كلمته، وأمانةً في ماله، وعفةً في سلوكه، ووعيًا في ثقافته.
إن الحسين الذي يسكن القلب ينبغي أن يظهر في اليد، واللسان، والموقف، والمعاملة.
فإذا دخلت محبة الحسين إلى القلب، ينبغي أن يخرج منها أثرٌ في المجتمع.
وإذا رفعت رايته في الطريق، ينبغي أن ترتفع معها راية الصدق في البيت، والأمانة في العمل، والعدل في الحكم، والرحمة في التعامل.
وإذا أقمنا مجلسه، ينبغي أن نقيم معه مجلسًا داخل أنفسنا، نحاسب فيه ما بيننا وبين الله، وما بيننا وبين الناس، وما بيننا وبين ضمائرنا.
وهنا يصبح الحسين مشروعًا لبناء الإنسان قبل أن يكون عنوانًا لمناسبة، وبناء المجتمع قبل أن يكون مظهرًا شعائريًا، وبناء الضمير قبل أن يكون ذاكرةً تاريخية.
سلامٌ على الحسين يوم وُلد،
وسلامٌ على الحسين يوم استُشهد،
وسلامٌ على الحسين يوم يُبعث حيًّا.
اللهم اجعلنا من السائرين على نهجه، الثابتين على ولايته، العاملين بأخلاقه، وارزقنا شفاعته يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد،
وأظلنا برحمتك تحت ظل عرشك،
واحشرنا مع محمد وآل محمد،
واجعل آخر عهدنا بالدنيا ولايةَ الحسين،
وآخر كلامنا: يا حسين.



اضف تعليق