إن نجاح الأمم ورفعتها لا يُقاسان فقط بعظمة القادة أو عبقرية الزعماء، بل يرتكزان بالأساس على مدى حيوية الشعوب والأمم واستعدادها الذاتي للبذل والعطاء، فمهما امتلكت القيادة من حنكة سياسية ونبوغ فكري وقوة تنفيذية، ستظل عاجزة عن تحقيق النهضة الكبرى أو صيانة مكتسبات الأمة إذا عملت في معزل عن الجماهير...

(لابد أن يأخذ المجتمع دوره في العمل ويسجل حضوراً دائماً في كافة الميادين)

الإمام الشيرازي

إن نجاح الأمم ورفعتها لا يُقاسان فقط بعظمة القادة أو عبقرية الزعماء، بل يرتكزان بالأساس على مدى حيوية الشعوب والأمم واستعدادها الذاتي للبذل والعطاء، فمهما امتلكت القيادة من حنكة سياسية ونبوغ فكري وقوة تنفيذية، ستظل عاجزة عن تحقيق النهضة الكبرى أو صيانة مكتسبات الأمة إذا عملت في معزل عن الجماهير، إذ أن القادة يضعون الرؤى ويوجهون الدفة، لكن الشعوب هي المحرك الحقيقي للنمو والركيزة الصلبة للتقدم. 

بهذه الطريقة تبرز أهمية تحويل روح المبادرة والتعاون من حالات فردية معزولة إلى ظاهرة عامة وثقافة مجتمعية شاملة يؤمن ويتمسك بها الجميع، لأن بناء مجتمع قوي يتطلب من كل فرد أن يشعر بالمسؤولية التاريخية والواجب الأخلاقي تجاه أمته، فيبادر إلى تقديم الأفكار المبتكرة والحلول الناجحة للمشكلات، ويتكاتف مع نظرائه في مختلف الميادين حتى تتسع الفرص وتتضافر الجهود لبناء التضامن والتكامل. 

وعندما تتجذر المبادرة في نفوس الأفراد وتتحول إلى سلوك يومي، تتلاشى الاتكالية وتستنهض الطاقات المعطلة، لتتحول الأمة بأسرها إلى خلية عمل واحدة لا تهدأ. 

فالتعاون الصادق والمبادرة الذاتية هما الوقود الذي يغذي مسيرة التنمية، والجدار الواقي ضد التراجع والجمود، فالنهوض الحضاري ليس قراراً فوقياً يُملى، بل هو بناء صلب تشيده أيدي الأفراد وتماسُك المجموع، ولن تتمكن الأمة من بلوغ أهدافها السامية أو تحقيق تطلعاتها المشروعة إلا حين تتلاحم جميع الفئات، وتصبح المبادرة الفردية والعمل الجماعي عنواناً وشعاراً للأمة بأكملها، فيتكامل جهد الراعي مع عطاء الرعية نحو المستقبل.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (التعاون والعمل):

(إن روح المبادرة والتعاون يلزم أن تبادر لها الأمة وتصبح ظاهرة عامة؛ إذ لا يمكن للزعماء والقادة مهما أوتوا من قوة ونبوغ تحقيق أهداف الأمة بمعزل عنها). 

إن قدرة الأمم على إثبات وجودها وصناعة مكانتها بين الحضارات لا تأتي من فراغ، بل تتحقق من خلال العمل الدؤوب والمشاركة الفاعلة في كافة ميادين الحياة. فالأمة الحيّة هي التي تأخذ زمام المبادرة وتسجل حضوراً دائماً ومؤثراً في الميادين العلمية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، متجاوزة حالة السلبية والانتظار السلبي.  

التقدم ثمرة جهود متواصلة

فالنصر والتقدم ليسا مجرد أمنيات تُستجدى، بل هما ثمرة جهود متواصلة وعرق يتصبب وتكاتف بين جميع أفراد المجتمع لبناء المستقبل، وفي المقابل، فإن الأمة التي تغرق في الكسل وتتخلى عن واجب العمل، محكوم عليها بالضعف والجهل وتراجع مكانتها، لتصبح في نهاية المطاف في طريقها المحتوم نحو السقوط والانهيار؛ إذ إن سنن التاريخ لا ترحم العاجزين ولا تمنح البقاء إلا لمن يمتلك الإرادة والقدرة على الإنتاج والعطاء. 

إن النهوض الحضاري يتطلب استنهاض الهمم وتضافر الطاقات لتتحول الأمة بأسرها إلى خلية عمل لا تتوقف، فتصنع قوتها بيدها وتحمي مقدراتها بعقول وأيدي أبنائها. وحين تعي الأمة مسؤوليتها التاريخية وتسعى جاهدة للتطوير والابتكار، فإنها تؤمن لنفسها السيادة والرفعة، وتضمن لشعبها حياة كريمة قائمة على العزة والكرامة والازدهار.

يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:

(لابد أن تأخذ الأمة دورها في العمل وتسجل حضوراً دائماً في كافة الميادين، لتحقق النصر والتقدم، أما الأمة التي لا تعمل فهي في طريقها للسقوط والانهيار).

ومن المعروف أن قوة الأمم لا تُقاس بكثرة أعدادها ولا باتساع رقعتها الجغرافية، فالأمة بحد ذاتها كوجود مجرد ليست مصدراً للقوة الفاعلة، بل إن جوهر قوتها وحقيقتها يتجلى حين تكون متحدة الهدف، متعاونة الأركان، ومتلاحمة البنيان، فإن الأمة التي تمتلك مقومات النجاح هي تلك التي تحول التعدد إلى مصدر غناء والتكاتف إلى طاقة محركة، فتغدو مجتمعاً حياً يفيض بالنشاط والانتاج. 

العمل الدؤوب والإنتاج المثمر هما الركيزتان الأساسيتان اللتان تمنحان الأمة القدرة على فرض مكانتها وصيانة مقدراتها ومواجهة التحديات الحضارية بثبات، وحين يغيب التعاون ويتفكك اللحمة وتتسلل روح الكسل والخمول، تفقد الأمة هيبتها وتصبح عرضة للضعف والارتهان، مهما بلغت إمكانياتها الذاتية، كذلك فإن أساس القوة الحقيقية والقدرة التأثيرية يكمن في تحويل أفراد الأمة إلى طاقات عاملة ومنتجة تتكامل أدوارها في جميع الميادين، ليشكل هذا التلاحم سداً منيعاً يدفع نحو التقدم والازدهار، ويصنع للأمة حاضراً عزيزاً ومستقبلاً مشرقاً يقوم على الكفاءة والعطاء والمصير المشترك الذي يجمع أبناءها نحو غاية واحدة.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(لا يخفى أن الأمة بحد ذاتها كأمة هي ليست مصدر القوة، بل الأمة وهي متحدة ومتعاونة ومتلاحمة وعاملة ونشطة ومنتجة، هذا هو أساس القوة والقدرة في الأمة).

الشعوب تصنع نفسها بنفسها

إن العلاج الرئيس والناجع لكافة الأزمات والمشاكل التي تعاني منها أمتنا الإسلامية يكمن في أيدينا نحن المسلمين قبل أي طرف آخر، كذلك فإن انتظار العون خارجيًا أو تعليق الآمال على الآخرين ليقوموا بانتشال الأمة من واقعها وصناعة حلول لمشكلاتها هو أمر ينافي العقل والمنطق؛ فالأمم لا تنهض إلا بجهود أبنائها، وسنن الحياة تؤكد أن من لا يملك إرادة التغيير والعمل لن يغير الله ما به. 

لذا فالمطلوب منا أن نعود إلى ذواتنا، ونعمل بجد وتخطيط ومثابرة على استنهاض طاقاتنا المخلصة، والاعتماد على عقولنا وسواعدنا لبناء حاضرنا ومستقبلنا، والتشجيع على ثقافة تحمل المسؤولية الفردية والجماعية، واستغلال المقومات الهائلة التي نمتلكها، هذا هو الطريق الوحيد والسديد للتعافي والنهوض من جديد، وبناء مجتمع قوي متماسك منتج جيوي يقود نفسه نحو العزة والتقدم والازدهار.

الإمام الشيرازي يؤكد هذه النقطة فيقول:

(العلاج الرئيس للمشاكل التي تعاني منها أمتنا هو بأيدينا نحن المسلمين، فلا يمكننا أن ننتظر أحداً غيرنا يأتي ليحل لنا مشاكلنا؛ فذلك مخالف العقل والمنطق).

وعندما انتشر الإسلام في زمن الرسول صلى الله عليه وآله، لم يكن هذا الانتشار العظيم مجرد مصادفة، بل كان ثمرة جهود المسلمين الأولين الذين تحملوا العبء الأكبر وشعروا بالمسؤولية الفردية والجماعية، حيث واجه المسلمون التحديات والمشكلات بشجاعة وحكمة، واعتمدوا على أنفسهم في إيجاد الحلول المناسبة وفق تعاليم دينهم السمحة، دون انتظار عون خارجي أو التكاسل عن أداء الواجب.

فهذا الاعتماد الذاتي والتضحية الصادقة هما اللذان مكّنا المسلمين من أخذ زمام المبادرة على عاتقهم لنشر رسالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبناء أسس الحضارة الإسلامية المشرقة التي أضاءت العالم بالعلوم والقيم، لتثبت هذه التجربة التاريخية أن العزيمة والعمل الذاتي هما المحرك الأساسي لنهضة الأمم وازدهارها.

(حينما انتشر الإسلام في زمن الرسول صلى الله عليه وآله، كان المسلمون هم الذين يتحملون العبء الأكبر ويجدون الحل لمشكلاتهم بأنفسهم، وبالتالي هم الذين أخذوا على عاتقهم نشر الاسلام وازدهار الحضارة الإسلامية).

وأخيرا يرتكز بناء المجتمعات وتقدمها بالأساس على وعي أبنائها وشعورهم بالمسؤولية الفردية والجماعية، فالمجتمعات الحيّة هي التي تبادر إلى العمل، وتستغل طاقاتها الداخلية، وتعتمد على عقولها وسواعد أبنائها للنهوض والابتكار والتقدم الحضاري الذي هو ليس منحة تُستورد، بل ثمرة التضامن، والتعليم، والعمل الخلاق الدؤوب الذي يحول التحديات إلى فرص حقيقية للازدهار والرفعة بين الأمم.

اضف تعليق