السؤال الذي تتركه سورة الكافرون وتمنحه كربلاء صورته التاريخية ليس فقط: لمن نعبد؟ وإنما: لمن نخضع عندما تتعارض الحقيقة مع مصالحنا؟ هناك يتحدد معنى التوحيد، وهناك تُختبر الحرية، وتصبح كرامة الإنسان موقفاً لا مجرد شعار، حين يمتلك المرء القدرة على قول لا عندما تكون نعم أكثر أماناً...

ما الذي تعنيه سورة الكافرون للإنسان عندما لا تكون المشكلة في معرفة الله، وإنما في القدرة على البقاء وفياً له حين تصبح المساومة أكثر راحة من الموقف؟ وما الذي تكشفه كربلاء عندما يتحول الإيمان من فكرة في القلب إلى امتحان حقيقي للضمير؟ هنا تلتقي السورة مع نهضة الإمام الحسين عليه السلام عند نقطة واحدة: ماذا يبقى من حرية الإنسان عندما يُطلب منه أن يبيع ما يؤمن به مقابل الأمان أو المصلحة؟

تبدو سورة الكافرون في ظاهرها إعلاناً فاصلاً بين عبادتين، غير أن عمقها يتجاوز حدود الفصل العقدي إلى بناء إنسان يعرف ما الذي يمكن أن يتحاور حوله، وما الذي لا يستطيع أن يبيعه. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» ليست دعوة إلى العداء، وإنما إعلان عن حدود الهوية والضمير؛ فأنت تستطيع أن تعيش مع اختلاف الآخرين، من دون أن تجعل اختلافهم سبباً للتنازل عن حقيقتك.

ومن هنا يصبح التوحيد أكثر من الاعتقاد بأن الله واحد. إنه أن لا تسمح لشيء آخر بأن يحتل المكان الأعلى في داخلك: لا الخوف، ولا المال، ولا السلطة، ولا رضا الجماعة. فقد يرفض الإنسان صنماً من حجر، ثم يصنع لنفسه أصناماً أكثر خفاءً؛ يخضع لمنصبه، أو يبيع رأيه من أجل مصلحة، أو يصمت أمام الظلم لأنه يخشى خسارة ما يملك. عندها تصبح المشكلة في الحرية الداخلية، لا في المعرفة الدينية.

وهنا تبدأ كربلاء في كشف المعنى العملي للتوحيد. فالإمام الحسين عليه السلام لم يكن أمام خلاف شخصي، وإنما أمام اختبار للضمير: هل يستطيع الإنسان أن يمنح الشرعية لما يراه انحرافاً، ثم يستمر في تسمية ذلك إيماناً؟ لقد كان السؤال أعمق من البقاء أو الموت؛ كان سؤالاً عن الإنسان حين تصبح كرامته نفسها موضع مساومة.

لهذا يمكن قراءة عاشوراء بوصفها لحظة انتقل فيها التوحيد من لغة العقيدة إلى مسؤولية الموقف. فالحسين عليه السلام لم يجعل الدين وسيلة للحصول على سلطة، ولم يقبل أن تتحول طاعة الله إلى غطاء لطاعة الظلم. ومن هنا جاءت الحرية بمعناها الأعمق: أن يمتلك الإنسان القدرة على قول «لا» عندما تكون «نعم» أكثر أماناً.

لكن هذه الحرية لا تعني التمرد على كل شيء، كما لا تعني احتقار المختلف. إنها تحرير الإنسان من الخضوع الذي يسلبه حكمه الأخلاقي. ولذلك فإن قوله تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» يفتح في الوقت نفسه بابين متلازمين: الثبات على المبدأ، واحترام إنسانية المختلف. فالإيمان الذي يحتاج إلى إهانة الآخر كي يثبت نفسه لم يفهم معنى الحرية التي يصنعها التوحيد.

ومن هنا أيضاً تصبح كرامة الإنسان جزءاً من القراءة الحسينية. فإذا كان الحسين عليه السلام قد رفض أن يكون الدين أداة لتثبيت الظلم، فكيف يمكن أن نحمل اسمه ثم نمارس الظلم في حياتنا اليومية؟ ماذا يعني الولاء إذا كان الإنسان يكذب في عمله، أو يهين من هو أضعف منه، أو يستغل موقعه، أو يسخر من الفقير، أو يجعل الاختلاف سبباً للعداوة؟

المشكلة التي تضعها كربلاء أمامنا ليست: هل نحب الحسين؟ وإنما: ماذا فعل هذا الحب بنا؟ هل جعلنا أكثر صدقاً وأمانة ورحمة وعدلاً؟ أم تحول إلى هوية عاطفية منفصلة عن السلوك؟ فالمحبة التي لا تغيّر علاقة الإنسان بالناس تبقى محبة معلنة، بينما الولاء الحقيقي يبدأ عندما يصبح ما نحبه معياراً لما نفعله.

وهنا تتجدد أهمية سورة الكافرون في حياتنا المعاصرة. فالمساومة على الضمير لا تأتي دائماً في صورة صفقة واضحة؛ قد تبدأ بكذبة صغيرة، أو صمت عن ظلم، أو مجاملة على حساب الحقيقة، أو تنازل نبرره بأنه مؤقت. ومع تكرار التنازلات يفقد الإنسان شيئاً من قدرته على قول «لا»، حتى يصبح الخضوع عادة لا يشعر بثقلها.

لذلك فإن السؤال الذي تتركه السورة، وتمنحه كربلاء صورته التاريخية، ليس فقط: لمن نعبد؟ وإنما: لمن نخضع عندما تتعارض الحقيقة مع مصالحنا؟ هناك يتحدد معنى التوحيد. وهناك تختبر الحرية. وهناك تصبح كرامة الإنسان موقفاً لا شعاراً. ربما لهذا لا تحتاج كربلاء إلى أن تبقى مجرد ذكرى حزينة في وعينا؛ إنها تحتاج أن تتحول إلى سؤال يومي: عندما يصبح السكوت أكثر راحة من الحقيقة، ماذا سأختار؟ وعندما تصبح المصلحة في جهة والضمير في جهة أخرى، لمن سأمنح قراري؟ في تلك اللحظة فقط يصبح قول «لا أعبد ما تعبدون» أكثر من تلاوة، ويصبح الحسين عليه السلام أكثر من ذكرى؛ يصبح التوحيد قدرة على التحرر، والكرامة شجاعة على الثبات، والحرية مسؤولية أمام الله والإنسان.

اضف تعليق