لم يكن رحيل الأب غياباً بإرادته، بل تضحيةً في مسيرته نحو الطبيب؛ سيد كربلاء. ورغم بطش الظالمين وهدم البيت وتناثر رماد الرسالة، ظلت القباب الذهبية المأوى الأخير والرمز الأبدي لأملٍ لا يموت، وحريةٍ يحلق بها الشهداء كطيورٍ تحرس الغرباء والمظلومين...
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية إلى أجسادٍ نحيلة أنهكها الجوع والمرض والخوف. في تلك الليلة لم يستطع عبد الله ابن الأعوام العشرة أن ينام كان مستلقياً على فراشه يغطي جسده باللحاف ولا يظهر منه سوى عينين صغيرتين تائهتين تبحثان عن روح فقدها منذ أكثر من ثلاثة أعوام روح لم يعرف كيف اختفت ولا إلى أين مضت ولماذا تركته وحيداً في هذا العالم أزاح جزءاً من الغطاء عن جسده ورفع رأسه قليلاً فنظر إلى أمه النائمة تلك المرأة التي أخذ المرض من جسدها الكثير ثم التفت إلى الجهة الأخرى حيث كانت أخته الصغيرة زهراء، ابنة الأعوام السبعة، تغط في نومها البريء لا تعرف شيئاً عن الروح التي يبحث عنها أخوها كل ليلة ولا عن الغياب الذي ترك في البيت فراغاً.
نهض عبد الله من فراشه ومشى حافي القدمين بين برودة الأرض وبرك الماء المتسربة إلى البيت من سقفه الصفيح حتى بلغ حقيبة أخته المدرسية فأخرج منها قلماً واقتطع ورقة من أحد دفاترها ثم جلس بالقرب من شمعة كانت ترتجف كأنها هي الأخرى ترتعد من برد الليل، وضع الورقة على ركبتيه وأمسك القلم لكنه قبل أن يخط الحرف الأول انحدرت دموعه ساخنة على خديه ورفع عينيه نحو جدران بيتهم المتشققة ثم إلى سقفه الصفيح الذي كان المطر يقرعه بعنف وإلى صندوق الطعام الفارغ الذي لم يعد فيه شيء موجوداً، كانت ثيابهم المرقعة بمختلفة الألوان والأقمشة شاهدة على ثلاثة أعوام من الفقر.
زفر عبد الله زفيرًا متقطعاً ومسح دموعه بطرف كمه ثم بدأ يكتب: "إلى روحي التي فارقتني دون وداع وما زلت حتى الآن أنتظرها ولا أحد يخبرني أين أنتِ فتشت عنكِ بين ألم أمي وجوعنا وحرماننا وأحلامنا وذكرياتنا وبين دموعنا التي لم تتوقف منذ رحيلك... يا أبي، أكتب إليك هذه الرسالة وأرجوك أن تشفق علينا وأن تفعل معروفاً لوجه الله وأن تعود إلينا؛ فقد أصبحت حياتنا بلا طعم، أنا وأختي وأمي جائعون جداً، أتوسل إليك يا أبي أن تعود، وأختي يعايرها أطفال القرية والمدرسة بك وأمي قاطعتها نساء القرية وأهلها وأهلك وأولاد القرية لا يسمحون لي باللعب معهم...
أبي أقسم عليك بذلك الرجل الذي كنت تنزف دموعك من أجله وتلطم صدرك في الخلاء عليه وتسلك البساتين في الليالي حتى تصل إليه وثم تعود إلينا بعد أيام في آخر الليل منه، كنت تدخل وثيابك ملطخة بالطين وقدماك ملفوفتان بقطع قماش تتخللها بقع الدم وكانت تفوح منك رائحة غريبة لا تشبه أي رائحة، كنت حين تصل للبيت فوراً تجلس على ركبتيك إلى جوار أمي المريضة وهي مستلقية على ظهرها تمرر كفها على جبينك وتحرك شفتيها وتسقط ذرات التراب عن ثيابك، وأنت تقول: يا طبيبنا، اشفها، فليس لنا سواك، وكانت أختي تمتطي ظهرك وتضحك وتصرخ من الفرح وكأن الدنيا كلها لم تكن يومها سوى ذلك الظهر الذي تجد فيه أمانها...
أبي العزيز منذ ثلاثة أعوام وأنا أنتظرك أن تعود من الطبيب تمنيت كثيراً أن أذهب إلى الطبيب وأعيدك منه لكنني لا أعرف عنوانه سامحني يا أبي لكن الأغلب يعرفون عنوانه ولا أحد يريد أن يساعدني في الوصول إليه حتى أمي تعرف لكنهم لا يذكرونه إلا ليعايروني بك فيقولون: ابن الكذاب؛ بناءً على أنهم كانوا يسألونك: إلى أين تذهب؟ أين كنت؟ فكنت تكذب عليهم بلطف، وتقول إنني كنت نائماً في معمل الطابوق الذي تعمل فيه لأن العمل كان كثيراً فيه...
أبي إن صاحب المعمل يضربني كل يوم بقسوة كما تضرب الكلاب بكل ما يقع تحت يده ويشدني من شعري ويعلقني ويقول: إذا سلكت طريق أبيك فسأقتلك... ولا يتركني إلا بعد أن يغمى علي والعمال جميعاً يخافون أن يساعدوني، ويهددني كل يوم بأن يخرجنا من القرية ويقول إننا لا نستحق أن نعيش فيها، لا أستطيع أن أصف لك وحشيته ولا أعرف كيف صبرت عليه حين كنت تعمل معه، يرى نفسه فوق الجميع، يجلس أمامنا واضعاً رجلاً على رجل ينفث دخان سجائره علينا ويتحدث كأننا شيء لا قيمة له، وحين أمر من أمامه يضرب الأرض بحذائه ويقذفني بعقب سيجارته ثم يقول وهو يضحك: أنت وأبوك الفاسق عبيد عندي، تخيل يا أبي حتى أجرتي لا يعطيني إياها... أنا عنده كقذارة، واليوم أخبرني أن هذا آخر يوم لنا في القرية وأنه سيخرجنا بالقوة ويرمينا في الطرقات لنكون طعاماً للمخلوقات".
توقف عبد الله لحظة وضاقت شفتاه من شدة البكاء ثم مسح عينيه وأغمضهما عندما سمع نباح الكلاب في الخارج، أسند رأسه إلى جدار رطب وضم الرسالة إلى صدره ولم يلبث أن غلبه النوم حتى استيقظ مذعوراً مع أول ضوء للصباح على طرقات عنيفة على باب بيتهم امتزجت بصوت خبيث كان عبد الله يعرفه جيداً صوت الرجل الذي ظل يطارده في واقعه وأحلامه كما تطارد الوحوش فرائسها، حاول عبد الله أن يخفي الرسالة لكنه لم يجد مكاناً لها كانت الطرقات تزداد والأصوات تعلو، اقترب من الشمعة التي كانت قد أوشكت على الانطفاء ووضع الرسالة فوق آخر أنفاسها فالتهمتها النار ببطء وحولت كلماتها إلى رماد، استيقظت أم عبد الله مذعورة وحاولت النهوض متوكئة على نفسها تخطو خطوة وتسقط أخرى وكانت زهراء متشبثة بطرف عباءة أمها تسقط كلما سقطت أمها ثم تنهض معها.
فتح الباب فإذا يقف أمامهم كوحشٍ بريٍّ مسعور طويل القامة ممتلئ الجسم أصلع وأسود وعابس الوجه يرتدي قميصاً وبنطالاً زيتونيين في حوالي الأربعين من عمره ألا وهو صاحب المعمل خلفه يقفون رجال يرتدون الزي نفسه، مد يده إلى عبد الله وقبض على رقبته ثم قذفه خارج البيت فسقط على الأرض وارتطم مؤخر رأسه بصخرة للحظة رأى الدنيا كلها بلون أصفر ثم نهض ولم يفكر في شيء سوى الرسالة ركض نحو الشمعة فرأى الرسالة قد تحولت إلى رماد جمع ما استطاع من رمادها ودسه في جيبه وحاول أن يخفي آثار الحريق بينما كان صاحب المعمل يصرخ بأتباعه ويشير بأصابعه الغليظة: "هيا يا بعثيون... يا رفاق... أخرجواهم إلى الخارج فوراً... واهدموا البيت"... بدأ الوحش الأصفر يهدم بيتهم حجراً فوق حجر حتى سواه بالأرض.
جلسوا في طريق المارة يحدقون يمينا ويسارًا، بدموع غزيرة وفم مفتوح، فيما كان أهل القرية يهربون من أمامهم كأن الجوع والخوف أوبئة يخشى الناس أن تصيبهم بمجرد الاقتراب.
نظر عبد الله إلى أمه وسألها بصوت مكسور: "أين سنذهب يا أمي؟" فنظرت إليه وكأنها لم تكن تملك من الدنيا كلها سوى جواب واحد، وقالت: «سنذهب إلى طبيبنا سيد كربلاء، الذي من أجله قدّم والدك نفسه".
ومضوا.... عندما وصلوا إلى كربلاء كان الهواء شديداً يحمل معه غبار الطرقات ورائحة المطر والمدينة التي احتضنت غرباء كثيرين ممن لم يجدوا في الأرض مأوى إلا عندها، أخرج عبد الله رماد الرسالة من جيبه ورفعه بيدين صغيرتين وفتحها ليتركه للهواء يتناثر أمام القباب الذهبية، وقال بصوت خافت: "هذه الرسالة لك يا أبي".... كانت أمه قد أخبرته قبل أن يغادرا قريتهما بدقائق أن أباه لم يغب كما كان الناس يقولون لهم وأنه لم يتركهم بإرادته بل أصبح واحداً من الطيور التي تحلق حول القباب الذهبية في كربلاء. رفع عبد الله عينيه نحو السماء وظل يبحث بين الطيور عن أبيه.




اضف تعليق