السقوط السياسي أو الإداري لا يبدأ دائماً عند ارتكاب المخالفة الكبيرة؛ بل في لحظة صغيرة يتنازل فيها المسؤول عن محاسبة نفسه. يتحول بقاؤه في السلطة إلى غاية أهم من السبب الذي مُنحت له من أجله، وأعظم انتصار لصاحب السلطة أن يخرج منها محتفظاً بنفسه ويقول: امتلكتُ السلطة، لكنها لم تمتلكني...

في اللحظة التي يجلس فيها الإنسان على كرسي السلطة، لا يتغير موقعه فقط، وإنما تتغير الطريقة التي ينظر بها الآخرون إليه، والطريقة التي قد يبدأ بها هو نفسه في النظر إلى ذاته. الأبواب التي كانت مغلقة تفتح، والطلبات التي كانت تحتاج إلى انتظار تصبح أسرع، والكلمة التي كانت تحتاج إلى إقناع قد تتحول إلى أمر. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: هل يظل الإنسان هو نفسه بعد أن يصبح قادراً على التأثير في الآخرين؟

السلطة في أصلها ليست امتيازاً شخصياً، وإنما قدرة مُنحت للإنسان كي يدير شأناً عاماً أو مؤسسياً أو تربوياً أو إدارياً. غير أن هذه القدرة تحمل داخلها إغراءً خفياً؛ إذ يستطيع صاحبها أن يستخدم الصلاحية لخدمة الغاية التي مُنحت من أجلها، كما يستطيع أن يجعل الغاية نفسها وسيلة لحماية موقعه وتوسيع نفوذه. وفي المسافة بين الاستخدامين يبدأ الفرق بين المسؤول الذي تحميه السلطة، والمسؤول الذي يحتمي بالسلطة.

أخطر ما يحدث لصاحب السلطة أنه قد يتوقف تدريجياً عن سماع ما لا يريد سماعه. في البداية يحيط به المقربون، ثم يزداد عدد الذين يوافقونه، ثم يصبح الاعتراض مزعجاً، وبعد ذلك قد يتحول الناقد في نظره إلى خصم. ومع مرور الوقت تتشكل حوله دائرة مغلقة تعيد إليه صورته التي يريدها عن نفسه. وهنا لا تعود المشكلة في نقص المعلومات، وإنما في فقدان القدرة على رؤية الحقيقة عندما تكون مؤلمة.

لهذا فإن السقوط السياسي أو الإداري لا يبدأ دائماً عند ارتكاب المخالفة الكبيرة؛ قد يبدأ في لحظة صغيرة يتنازل فيها المسؤول عن محاسبة نفسه. قرار يخدم المقربين، استثناء يمنح لشخص معين، حق يُؤجل لأن صاحبه ضعيف، فرصة تُمنح لمن يملك النفوذ، أو صمت أمام تجاوز لأن مرتكبه قريب من مركز القرار. كل واحدة من هذه التفاصيل قد تبدو محدودة، لكنها تكشف شيئاً أعمق: هل أصبحت السلطة أداة لتحقيق العدالة، أم أصبحت العدالة نفسها خاضعة لمصلحة السلطة؟

وهنا تظهر قيمة الأخلاق. فالقانون يحدد لصاحب المنصب ما يستطيع فعله، غير أن الأخلاق تسأله عن الشيء الذي ينبغي أن يفعله. قد يكون القرار ممكناً من الناحية القانونية، ومع ذلك يظل سؤال العدالة قائماً: هل كان منصفاً؟ هل حافظ على تكافؤ الفرص؟ هل صان كرامة الإنسان؟ هل تعامل مع الضعيف بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع القوي؟ وهل يستطيع المسؤول أن يدافع عن قراره أمام نفسه عندما يغادر مكتبه وتنتهي صفة المنصب؟

هذه الأسئلة مهمة لأن السلطة تميل إلى تضخيم الأشياء. الخطأ الصغير من الموظف قد يضر شخصاً واحداً، أما الخطأ الصغير من صاحب القرار فقد يفتح سلسلة من الأضرار تطال عشرات الأشخاص أو مؤسسة كاملة. ولهذا لا تقاس أخلاق المسؤول بما يفعله عندما تكون الرقابة قوية، وإنما بما يفعله عندما يستطيع أن يفعل ما يشاء تقريباً ولا يجد من يوقفه.

وقد يكون أخطر وهم يعيشه صاحب السلطة أنه يخلط بين احترام الناس له وخوف الناس منه. فالخوف ينتج الصمت، والصمت قد يبدو في لحظة ما تأييداً، والتزلف قد يبدو ولاءً، وكثرة المادحين قد توحي للمسؤول بأنه محبوب. لكن السلطة التي تجعل الناس يقولون ما يريد صاحبها سماعه لا تمنحه بالضرورة احترامهم؛ أحياناً تمنحه فقط حاجتهم إلى تجنب غضبه.

وعندما يصبح الخوف مصدراً للولاء، يبدأ المسؤول بخسارة شيء أساسي من سلطته من دون أن يشعر: الحقيقة. فالناس الذين يخافون منه لن يخبرونه دائماً بما يحدث فعلاً، والموظف الذي يخشى العقوبة قد يخفي المشكلة بدلاً من معالجتها، والمقرب الذي يخشى فقدان موقعه قد يبرر الخطأ بدلاً من تنبيه صاحبه إليه. وهكذا تصنع السلطة عزلة من نوع خاص: كلما ازدادت قوة المسؤول، قد تقل قدرته على معرفة ما يجري حوله.

لهذا يحتاج صاحب السلطة إلى شيء أصعب من إدارة الآخرين: إدارة نفسه. أن يعرف متى يغضب، ومتى يشك في حكمه، ومتى يستمع إلى من يخالفه، ومتى يراجع قراراً اتخذه، ومتى يقول لمن حوله إن هذا القرار كان خاطئاً. ضبط النفس هنا ليس فضيلة شخصية فقط، وإنما ضرورة إدارية؛ لأن المسؤول الذي لا يستطيع مقاومة أهوائه سيستخدم الصلاحيات العامة لتحقيق حاجاته الخاصة.

والسلطة لا تختبر الإنسان في قراراته الكبرى وحدها، وإنما في التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد. كيف يوزع فرص العمل؟ كيف يتعامل مع الموظف الذي لا يستطيع تقديم منفعة له؟ كيف يختار المقربين؟ هل يكافئ الكفاءة أم الولاء الشخصي؟ هل يسمح بالاختلاف؟ هل يعتذر عندما يخطئ؟ هل يملك القدرة على أن يترك موقعه من دون أن يشعر أن حياته فقدت معناها؟

السؤال الأخير ربما يكون من أصعب الأسئلة؛ لأن بعض الناس لا يستخدمون السلطة فقط، وإنما يعيدون بناء هويتهم كلها حولها. يصبح المنصب جزءاً من قيمتهم الذاتية، والامتيازات جزءاً من صورتهم عن النجاح، والمقربون مرآة لوجودهم. عندها يصبح فقدان السلطة أشبه بفقدان الذات، فيتحول الحفاظ على الكرسي إلى غاية تستحق تبرير كل شيء.

وهنا يقع الإنسان في الفخ الحقيقي: عندما يصبح بقاؤه في السلطة أهم من السبب الذي مُنحت له السلطة من أجله. في هذه اللحظة قد يبدأ المسؤول بتفسير كل اعتراض باعتباره مؤامرة، وكل نقد باعتباره حقداً، وكل مطالبة بالحقوق باعتبارها تمرداً، وكل تغيير باعتباره تهديداً. وحين تصبح السلطة مشغولة بحماية نفسها، تتراجع مهمتها الأساسية في حماية الناس والمؤسسة والقانون.

الأمر لا يتعلق بالحاكم السياسي وحده. المدير، ورئيس القسم، ومدير المدرسة، والمسؤول الإداري، ورب الأسرة، وكل شخص يمتلك سلطة على الآخرين، يواجه الاختبار نفسه بدرجات مختلفة. فالسلطة ليست بحجم المنصب فقط؛ قد تكون كلمة مدير على موظف، أو قرار أستاذ على طالب، أو قدرة مسؤول صغير على تعطيل معاملة إنسان. وكلما امتلك الإنسان قدرة على التأثير في حياة غيره، أصبح مطالباً بقدر أكبر من ضبط هذه القدرة.

لهذا فإن النجاح الحقيقي لصاحب السلطة لا يقاس بعدد الذين يخافونه، ولا بعدد الذين يحيطون به، ولا بحجم الامتيازات التي حصل عليها، وإنما بعدد الحقوق التي استطاع حمايتها من دون تمييز، وبقدرته على جعل المؤسسة تستمر من بعده من دون أن تحتاج إلى شخصه كي تعمل.

المسؤول الذي يبني مؤسسة قوية لا يحتاج إلى أن يجعل الناس متعلقين به. والمؤسسة التي تقوم على القانون لا تنهار بخروج فرد منها. أما حين تصبح المؤسسة مرتبطة بشخص واحد، وتصبح القرارات مرتبطة برضاه، ويصبح القرب منه طريقاً إلى الحقوق، فإن السلطة تكون قد تجاوزت وظيفتها وتحولت إلى نظام شخصي مغلق.

ومن هنا فإن حماية المسؤول من السقوط لا تبدأ من الآخرين، وإنما منه هو. يحتاج إلى قانون يحد صلاحياته، ومؤسسات تراقب قراراته، وبيئة تسمح بالنقد، ومعايير واضحة تمنع تضارب المصالح، والأهم من ذلك كله ضمير يستطيع أن يقول له: تستطيع أن تفعل هذا، لكن هل ينبغي لك أن تفعله؟

فالقانون يمنع بعض التجاوزات، والمؤسسات تكبح بعضها، غير أن هناك مساحة لا يستطيع أن يدخلها القانون دائماً: مساحة الرغبة الشخصية. هناك تحديداً تظهر قيمة الأخلاق؛ لأنها تعمل عندما لا تكون الرقابة حاضرة، وعندما يستطيع الإنسان أن يستفيد من موقعه من دون أن يكتشفه أحد.

وقد يكون أعظم انتصار لصاحب السلطة أن يخرج منها محتفظاً بنفسه. أن ينظر إلى السنوات التي قضاها في موقع المسؤولية فلا يخجل من الضعفاء الذين أهانهم، ولا من الحقوق التي ضيعها، ولا من الناس الذين اضطروا إلى مجاملته خوفاً منه. أن يستطيع أن يقول: امتلكت السلطة، لكنها لم تمتلكني.

فالمنصب ينتهي، والامتيازات تزول، والوجوه تتغير، والذاكرة العامة تعيد ترتيب صور الأشخاص مع مرور الزمن. ما يبقى في النهاية هو الأثر: هل جعل المسؤول الناس أكثر أمناً وكرامة؟ هل وسّع مساحة العدالة؟ هل ترك مؤسسة أقوى؟ هل استخدم القوة لحماية من لا يملكها؟ عندها فقط تتحول السلطة من امتحان للإنسان إلى فرصة لخدمة الإنسان.

أما حين يصبح الكرسي غاية، والناس أدوات، والقانون وسيلة، والنقد عداءً، والولاء خوفاً، فإن السقوط يكون قد بدأ قبل أن يغادر المسؤول منصبه. فالسلطة لا تكشف قوة الإنسان فقط؛ إنها تكشف قدرته على ألا يستخدم قوته ضد من هم أضعف منه.

اضف تعليق