يطرح هذا المقال قراءة فكرية وأخلاقية عميقة لمفهوم الانتماء لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ورمزية نهضة الإمام الحسين (عليه السلام). ويسلط الضوء على القيمة الحسينية سلوكاً وأخلاقاً وعدلاً في الحياة اليومية، مؤكداً أن نهضة الحسين هي سؤال ضمير مفتوح ومستمر يختبر إنسانية الفرد وكرامته عند كل موقف...
اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد، وعجِّل فرجهم الشريف.
ليست الصلاة على محمدٍ وآل محمدٍ تكرارًا لفظيًا يطمئن إليه اللسان، وإنما هي انتقالٌ من المحبة إلى المسؤولية، ومن الانتماء إلى السلوك، ومن تقديس القيم إلى امتحانها في الحياة. فالقرآن حين يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، لا يمنح الإنسان كرامةً نظرية، وإنما يضع أمامه معيارًا أخلاقيًا: كيف يحفظ كرامته وكرامة غيره؟ وحين يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، فإنه ينقل الدين من مساحة الشعائر إلى مساحة الحياة؛ حيث يصبح العدل طريقةً في الحكم، والأمانة طريقةً في العمل، والرحمة طريقةً في التعامل، والإنسان غايةً لا وسيلة.
ومن هنا يمكن فهم أهل البيت عليهم السلام بوصفهم امتدادًا حيًا لمعنى الرسالة، لا مجرد رموزٍ تستعاد في المناسبات. فالمحبة التي لا تغيّر أخلاق صاحبها تتحول إلى عاطفة مغلقة، والانتماء الذي لا ينتج عدلًا ورحمةً وصدقًا يصبح عنوانًا بلا مضمون. ولهذا فإن السؤال الحقيقي أمام محبي محمد وآل محمد ليس مقدار ما يقولونه عنهم، وإنما مقدار ما بقي منهم في سلوكهم. ماذا أخذنا من علي عليه السلام عندما نختلف؟ ماذا أخذنا من الحسن عليه السلام عندما نملك القدرة على الرد؟ وماذا أخذنا من الحسين عليه السلام عندما يصبح الحق مكلفًا؟
هنا تبدأ كربلاء. ليست كربلاء مجرد واقعةٍ انتهت في التاريخ، وإنما لحظةٌ إنسانية مفتوحة على كل زمان؛ لأنها تضع الإنسان أمام أكثر أسئلته قسوة: ماذا يفعل حين تتعارض سلامته مع كرامته، ومصلحته مع ضميره، وصمته مع الحق؟ إن قيمة الحسين عليه السلام لا تكمن في أنه واجه الموت فقط، وإنما في أنه رفض أن تتحول الحياة إلى ثمنٍ للتنازل عن المعنى. ولذلك فإن كربلاء لا تسألنا عن عدد الذين وقفوا مع الحسين فقط، وإنما تسأل كل واحد منا: متى تعرف الحق، ثم تبحث عن عذرٍ كي لا تنصره؟
وهذه هي المسافة بين الحسين بوصفه ذكرى والحسين بوصفه وعيًا. فالإنسان قد يبكي المظلوم ثم يمارس الظلم، وقد يلعن الاستبداد ثم يستبد بمن هو أضعف منه، وقد يتحدث عن الكرامة ثم يهين إنسانًا لأنه يختلف معه. عندها تصبح كربلاء خارج الإنسان، مجرد صورةٍ مؤثرة لا قوة لها في إعادة تشكيله. أما حين تجعله أكثر عدلًا في الخصومة، وأكثر رحمةً مع الضعيف، وأكثر أمانةً عندما يغيب الرقيب، وأكثر شجاعةً في مواجهة الخطأ، فإن كربلاء تكون قد انتقلت من التاريخ إلى الضمير.
ولهذا فإن دمعة الحسين ليست نهاية الموقف، وإنما بدايته. قيمتها الحقيقية فيما تتركه بعد أن تجف. فإذا لم تستطع أن تغيّر علاقتنا بالإنسان، وأن تجعلنا أكثر حساسية تجاه الألم والظلم والإقصاء، فما الذي تغيّر فينا؟ إن الحسين عليه السلام لا يحتاج إلى أن نضيف إلى مجده شيئًا، وإنما نحن الذين نحتاج إلى أن نكتشف ما الذي ينبغي أن يتغير فينا ونحن نستعيد سيرته.
وفي نهج البلاغة تتجلى فكرة أن السلطة والمال والقوة ليست ملكًا مطلقًا لصاحبها، وإنما مسؤولية تجاه الناس. وفي التراث المنسوب إلى الإمام الحسين عليه السلام، تتكرر معاني الكرامة وخدمة الإنسان وإغاثة المحتاج. وهنا تلتقي كربلاء مع سؤال المجتمع المعاصر: ما قيمة الثروة إذا اتسعت الحسابات وضاقت الرحمة؟ وما قيمة العلم إذا تحول إلى غرور؟ وما قيمة الدين إذا أصبح وسيلةً للحكم على الناس بدل إصلاح النفس؟
إن مدرسة محمد وآل محمد عليهم السلام لا تحتاج إلى كثرة الشعارات بقدر حاجتها إلى إنسانٍ يجسدها. فالمحبة ليست أن نشعر بأننا أفضل لأننا نحب الحسين، وإنما أن نصبح أفضل لأننا نحبه. والولاء ليس أن نمتلك لغةً دينيةً أكثر، وإنما أن نمتلك ضميرًا أكثر يقظة. وكربلاء لا تمنحنا حق إدانة الآخرين قبل أن تمنحنا شجاعة محاسبة أنفسنا.
لهذا يبقى الحسين عليه السلام سؤالًا لا ذكرى، وضميرًا لا مناسبة، ومعيارًا لا حكاية. ففي كل مرة نختار فيها الصمت أمام ظلمٍ نستطيع رفضه، وفي كل مرة نبيع فيها مبدأً مقابل منفعة، وفي كل مرة نمتلك القدرة على نصرة إنسان ونختار تجاهله، تعود كربلاء لتسألنا من جديد: أين أنتم من الحق حين يصبح ثمنه موقفًا؟
وعندما تتحول الصلاة على محمد وآل محمد إلى عدلٍ وأمانةٍ ورحمةٍ وكرامةٍ وشجاعة، عندها فقط تصبح المحبة حياة، وتصبح كربلاء فعلًا مستمرًا في الإنسان، لا مأساةً محفوظة في الذاكرة. فالحسين عليه السلام لم يترك لنا سؤالًا عن الماضي فقط؛ ترك لكل إنسان سؤالًا عن نفسه.



اضف تعليق