يجمع البحث المرويات التفسيرية الواردة عن الإمام الحسن المجتبى في سورة الفاتحة وآيات من سورة البقرة، مؤكدًا مكانة أهل البيت بوصفهم عِدل القرآن ومرجعًا لفهم مراد الله. ويعرض الفرق بين التفسير والتأويل، ويبين قلة الروايات الحسنية، وأثر الابتعاد عن العترة في انحراف بوصلة الفهم القرآني، مع إبراز منهج الإمام...
مستخلص البحث
إن مكانة أهل البيت (عليهم السلام) من الدين بمثابة عِدْل القرآن الكريم؛ كتاب الله المنزل على سيدنا وحبيب قلوبنا محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، وقد أرشد الناس، بنص حديث الثقلين المبارك، إلى التمسك بكتاب الله والعترة الطاهرة معًا، وأشار إلى أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة. ومن تمسك بأحدهما وترك الآخر خسر وضل وهوى، فيجب التمسك بهما معًا. فأراد البحث أن يسلط الضوء على المرويات التي وردت من طريق أصل الثقل الأصغر، الإمام الحسن الزكي المجتبى (عليه السلام)، عبر الإحصاء والدراسة، فوجدنا المرويات عنه قليلة جدًا إذا ما قارناها بمرويات الصحابة الذين عاصروا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا ندري السبب: هل هو جفاء الناس عنه؟ أم أن الناس وقتئذٍ تركوا الثقل الثاني في الرواية القرآنية؟! فقمنا بجمع الروايات الواردة عن الإمام المجتبى (عليه السلام)، فاخترنا مما جاء عنه في تفسير سورة الفاتحة المباركة وجزء من سورة البقرة المباركة، لنقدمها للمؤتمر الخاص الذي تقيمه دار القرآن الكريم في العتبة الحسينية المقدسة، نسأل الله تعالى لهم التوفيق والسداد، كما نسأله تعالى القبول والتوفيق، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وجعله سراجًا يرشد به من أضل سبيلًا، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ النبي الأمين وصادق اليقين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الذين حفظوا عهده، وتبعوا رُشده، وعبّدوا منهجه بألسنتهم وأيديهم.
وبعد..
إن مكانة أهل البيت (عليهم السلام) من الدين بمثابة عِدْل القرآن الكريم؛ كتاب الله المنزل على سيدنا وحبيب قلوبنا محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، وقد أرشد الناس، بنص حديث الثقلين المبارك، إلى التمسك بكتاب الله والعترة الطاهرة معًا، وأشار إلى أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة. ومن تمسك بأحدهما وترك الآخر خسر وضل وهوى، فيجب التمسك بهما معًا. فأراد البحث أن يسلط الضوء على المرويات التي وردت من طريق نور الثقل الأصغر، الإمام الحسن الزكي المجتبى (عليه السلام)، عبر الإحصاء والدراسة، فوجدنا المرويات عنه قليلة جدًا إذا ما قارناها بمرويات الصحابة الذين عاصروا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا ندري السبب: هل هو جفاء الناس عنه؟ أم أن الناس وقتئذٍ تركوا الثقل الثاني في الرواية القرآنية؟! فقمنا بجمع الروايات الواردة عن الإمام المجتبى (عليه السلام)، فاخترنا مما جاء عنه في تفسير سورة الفاتحة المباركة وآيات من سورة البقرة المباركة.
وقد واجه البحث من المشكلات الكبيرة، أهمها: تناثر الروايات في كتب التفاسير، مما أتعبنا في البحث والتنقيب عنها واستخراجها، وكذلك اختصار الكلام في الروايات من قبل المفسرين، واقتطاع بعض الكلام الوارد عن الإمام المجتبى، وبالخصوص في تفاسير مدرسة الصحابة. هذا، وقد جمعنا ما استطعنا جمعه بقدر استطاعتنا، وما وقع بأيدينا من التفاسير المعتبرة عند المدرستين، فكان العنوان: البيان الجلي في تفسير الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام): سورة الفاتحة وآيات من سورة البقرة اختيارًا. وكانت أبرز روافد البحث من التفاسير:
1- من مدرسة أهل البيت: تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، مجمع البيان للشيخ الطبرسي، الميزان للسيد الطباطبائي، ونور الثقلين للحويزي، وغيرها.
2- مدرسة الصحابة: تفسير الكشاف للزمخشري، المحرر الوجيز لابن عطية، والكشف والبيان للثعلبي، وغيرها.
الدراسات السابقة
جمع السيد محمد علي الحلو (رحمه الله) تفسير الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بعنوان: المجتبى في تفسير الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، إلا أنه اقتصر على تفاسير الإمامية في الجمع، أما ما أوردناه من مرويات الإمام المجتبى (عليه السلام) فمن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ومدرسة الصحابة، بالإضافة إلى بيان الباحث لهذه المرويات.
خطة البحث
سار البحث خلف المناهج التفسيرية التي عُهدت في تفسير القرآن الكريم التجزيئي، فبدأنا بجمع المرويات الحسنية المباركة في آيات سورة الفاتحة المباركة بالترتيب، وبعدها انتقلنا إلى سورة البقرة.
والحمد لله رب العالمين.
التمهيد: مهاد توضيحي
التفسير والتأويل
قبل الولوج إلى بيان ما جاء في الآيات القرآنية المباركة الواردة عن الإمام أبي محمد الحسن المجتبى (عليه السلام)، لا بدّ أن نُبيِّن المفاهيم الخاصّة بالتفسير والتأويل، وهذا ما درجت عليه البحوث العلمية الأكاديمية التي اتخذت البحث العلمي لبيان المفردات في السياقات القرآنية خارطة طريق يجب كشفها قبل البحث.
التفسير في اللغة: هو مصطلح مشتق من الفِسْر أو السَفْر، فالسفر هو "الانكشاف والجلاء، من ذلك: السَّفر، سُمِّي بذلك لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم... وسفرت المرأة عن وجهها؛ إذا كشفته، وأسفر الصبح؛ وذلك انكشاف الظلام..."(1)، فهو الكشف والبيان والإيضاح.
التفسير في الاصطلاح: فهو الكشف عن مراد الله تعالى في كلماته بقدر الطاقة البشرية، فتفسير الكلام معناه: الكشف عن دلالات المعنى المراد منه(2).
فهنا لا بد من طرح سؤال مفاده: "هل يُعد بيان المعنى الظاهر من اللفظ الذي يتبادر منه تفسيرًا، بحيث يصدق عليه التفسير اللغوي أو لا؟"(3).
للإجابة عن هذا السؤال هناك اتجاهان:
الاتجاه الأول يقول: إن الكشف والبيان المرادين من معنى التفسير يستبطنان افتراض شيء من الغموض، أي بمعنى آخر: يجب أن يكون التفسير لشيء فيه غموض ليُكشف ويُزال الغموض عنه بالتفسير. أما الكلام الذي يحصل منه معنى خارجي مفهوم لا يحتاج إلى تفسير، فلا يصح تفسيره، وهذا من باب: توضيح الواضحات من أشكل المشكلات، وهذا الرأي السائد عند الأصوليين.
الاتجاه الثاني يقول: إن ذكر المعنى الظاهر قد يكون في بعض الحالات تفسيرًا أيضًا، وتوضيح الخفي قد لا يكون تفسيرًا(4).
فهذا الرأي يرى أن التفسير يشمل الكل، ولا يختص بتوضيح الغامض والخفي، فالتفسير عنده يتبع السياق، ويبدو أن هذا الرأي أقرب.
التأويل في اللغة: هو من آلَ، يَؤولُ. يقول ابن فارس: "الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر وانتهاؤه... أما الأول، وهو مبتدأ الشيء... يُقال: أوِّل الحكمَ إلى أهله؛ أي أرجعه ورُدَّه إليهم... وآل يؤول؛ أي رجع"(5).
التأويل في الاصطلاح: انقسم المفسرون على قسمين في اصطلاح التأويل:
1- القسم الأول: رادف بين التفسير والتأويل، ولعل هذا الاتجاه كان هو السائد عند المفسرين القُدامى، فعندهم كل تفسير تأويل، وكل تأويل تفسير، وعلى هذه النسبة بينهما تساوٍ.
2- القسم الثاني: التفسير شيء والتأويل شيء آخر، وهذا الاتجاه تميز به المتأخرون والمحدثون، فالفرق بينهما إما في طبيعة المجال المُفسَّر والمؤوَّل، أو في نوع الحكم الذي يصدره المفسِّر أو المؤوِّل، أو يكون في الدليل الذي يستدل به كل منهما(6).
وهذا الاتجاه أوفق من سابقه؛ لأن القرآن الكريم ميّز بين المصطلحين. ففي التفسير لم تأتِ إلا آية واحدة فقط، في قوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} {الفرقان:33}، وكلمة (جئناك) تدل دلالة واضحة على أن التفسير محصور بالله تعالى وتعليمه لرسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) تباعًا، ولا يحق لأحد أن يُفسر من عنده. وهذا ما أكده الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لقتادة في قوله: "... ويحك يا قتادة، إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت..."(7).
أما التأويل، فقد ورد في القرآن الكريم في سبع عشرة آية مباركة، منها في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} {آل عمران:7}.
وكذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} {النساء:59}. والمتتبع للآيات المباركة التي وردت فيها كلمة التأويل يجد أن التأويل ممكن للناس الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، أما التفسير فهو خاص. وهذا لا يعني أن التأويل مبسوط لكل الناس، بل للراسخين في العلم فقط، وهذا ما دفعنا للبحث عن مراد الله في كلماته من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وحثّنا على الأخذ منهم؛ لأن الأخذ من غيرهم مساوق لإنكارهم.
آيات من سورة الفاتحة المباركة
تُعد فاتحة الكتاب من أعظم السور القرآنية المباركة، إذ خصّها الله بخصوصية لم يجعلها لسورة من كتابه المجيد، حيث لا صلاة من دون فاتحة الكتاب، وخزن فيها علوم الأولين والآخرين، وجعلها الله حرزًا من كل خوف، فأصبحت أم الكتاب والمحور الرئيس الذي تدور حوله موضوعاته. وبحثنا هذا سيسلط الضوء على ما جاء عن الإمام الزكي والطاهر الولي، الإمام الحسن المجتبى (عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام)، في كل مورد ابتداءً من سورة الفاتحة المباركة وحتى سورة البقرة الشريفة. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لخدمة سيد شباب أهل الجنة، ويظلنا تحت ظلهم يوم الورود، إنه سميع مجيب.
تسميتها
"سميت السورة باسم (الفاتحة) لافتتاح المصاحف بكتابتها ولقراءتها في الصلاة، فهي فاتحة لما يتلوها من السور، وتسمى بـ(الحمد)، ومن أسمائها (سبع المثاني) و(الوافية) و(الكافية)، وذكروا لها أسماء أخرى، وهي مكية، وقيل: إنها مدنية، ولعلها نزلت مرة في مكة ومرة في المدينة"(8).
فضلها
جاء فضل الفاتحة المباركة عن الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام) في قوله: "جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسأله أعلمهم عن أشياء، فكان فيما سأله: أخبرنا عن سبع خصال أعطاك الله من بين النبيين، وأعطى أمتك من بين الأمم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أعطاني الله فاتحة الكتاب.... إلى قوله: صدقت يا محمد، فما جزاء من قرأ فاتحة الكتاب؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قرأ فاتحة الكتاب أعطاه الله بعدد كل آية نزلت من السماء ثواب تلاوتها"(9)، فجاء ذكر فضلها عن كريم أهل البيت (عليه السلام) بالخبر الذي ذكرناه.
وكذلك أخرج أبو عبيدة عن الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مَن قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان"(10)، وهذا الفضل لم تحصل عليه السور القرآنية الأخرى.
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {1}
{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {2} {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} {3} {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} {4} {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} {5} {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} {6} {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} {7}
جاء تفسير كلمة (الله) من طريق الإمام المجتبى (عليه السلام) في كتب الحديث والتفسير، عبر قول الشيخ المفيد في توحيده، قال: "حدثنا محمد بن القاسم الجرجاني المفسر (رحمه الله)، قال: حدثنا أبو يعقوب يوسف بن محمد بن زياد وأبو الحسن علي بن محمد بن سيار، وكانا من الشيعة الإمامية، عن أبويهما، عن الحسن بن علي، عن علي أمير المؤمنين (عليهم السلام)، أنه قال له رجل: فما تفسير قوله الله؟ فقال: هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من دونه، وانقطاع الأسباب من كل من سواه، وذلك أن كل مترئس في هذه الدنيا ومتعظم فيها، وإن عظم غناه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه إليه، فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم، وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته، حتى إذا كفى همه عاد إلى شركه. أما تسمع الله عز وجل يقول: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} {الأنعام/40}، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء، وتنسون ما تشركون..."(11).
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {1}، قال الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام): "وقال الحسن [بن علي] (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): وإن "بسم الله الرحمن الرحيم" آية من فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات، تمامها بسم الله الرحمن الرحيم.
[قال]: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إن الله عز وجل قال لي: يا محمد، {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} {الحجر/87}، فأفرد الامتنان عليَّ بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم، وأن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش.
وأن الله تعالى خص بها محمدًا (صلى الله عليه وآله) وشرّفه بها، ولم يشرك معه فيها أحدًا من أنبيائه، ما خلا سليمان (عليه السلام)، فإنه أعطاه منها "بسم الله الرحمن الرحيم". ألا ترى أنه يحكي عن بلقيس حين قالت: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} {النمل/29} {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {النمل/30}. ألا فمن قرأها معتقدًا لموالاة محمد وآله الطيبين، منقادًا لأمرهم، مؤمنًا بظاهرهم وباطنهم، أعطاه الله عز وجل بكل حرف منها حسنة، كل حسنة منها أفضل له من الدنيا وما فيها من أصناف أموالها وخيراتها، ومن استمع قارئًا يقرأها كان له قدر ثلث ما للقارئ، فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض لكم، فإنه غنيمة، لا يذهبن أوانه، فتبقى في قلوبكم الحسرة"(12). فقد أثبت الإمام كريم أهل البيت (عليهم السلام) أن البسملة جزء من فاتحة الكتاب، ولا يجوز إسقاطها لا في الصلاة ولا في غيرها.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} {5}، قال الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) في تفسيرها: "قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله عز وجل: قولوا: "إياك نستعين"، على طاعتك وعبادتك، وعلى دفع شرور أعدائك، ورد مكائدهم، والمقام على ما أمرت به"(13). وهذا النقل الصادر عن السلسلة الذهبية يفيد الإرشاد إلى الاستعانة بالله تعالى في رد مكائد العدو ودفع شروره.
تفسير آيات من سورة البقرة المباركة
ورد تفسير بعض آيات من سورة البقرة عن الإمام الحسن السبط (عليه السلام)، منها ما جاء في تفسير:
قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} {البقرة/2}. ذكر الزمخشري في تفسيره لمعنى الريب رواية عن الإمام الحسن (عليه السلام)، فقال: "ومنه ما رُوي عن الحسن بن علي قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشك ريبة، وإن الصدق طمأنينة»"(14)، ومنه استُنبط أن الريب هو أدنى درجات الشك.
وقد أورد الإمام العسكري (عليه السلام) رواية عن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) في معنى التقية في ذيل تفسيره لهذه الآية المباركة، إذ قال: "وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): إن التقية يصلح الله بها أمة، لصاحبها مثل ثواب أعمالهم، وإن تركها ربما أهلك أمة، وتاركها شريك من أهلكهم.
وإن معرفة حقوق الإخوان تحبب إلى الرحمن، وتعظم الزلفى لدى الملك الديان، وإن ترك قضاءها يمقت إلى الرحمن، ويصغر الرتبة عند الكريم المنان"(15). فما ندري ما للتقية من فضل في الحفاظ على الدين والإنسان والحرث والنسل؛ لذا نجد كثيرًا من التأكيدات الواردة عن الأئمة الهداة على الالتزام بها والتمسك بها حفاظًا على أرواحنا، لأننا خُلقنا لهم، فعلينا التمسك بتوصياتهم وتوجيهاتهم وإرشاداتهم وأوامرهم، وعلينا أن ننتهي عن زواجرهم ونواهيهم.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} {البقرة/3}. ذكر الثعلبي رواية عن الإمام الحسن (عليه السلام) ينقل معنى الإيمان من سيد الموحدين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيقول: "الحسن بن علي قال: حدثني علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان»"(16). وهذا ما درج عليه أهل الاصطلاح في تعريف الإيمان واتخذوه سبيلًا، فلم يخرج أحد عن هذا التعريف في كتب العقائد وكذلك في كتب علوم القرآن وكتب الأخلاق، بالإضافة إلى المفسرين الذين أوردوا التعريف أثناء تفسيراتهم لآيات الإيمان.
وفي تفسير هذه الآية المباركة أورد الإمام العسكري (عليه السلام) رواية للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في التواضع وخدمة الضيف، حيث قال: "وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): أعرف الناس بحقوق إخوانه، وأشدهم قضاء لها، أعظمهم عند الله شأنًا، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين، ومن شيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) حقًا"(17). وهنا الإمام المجتبى (عليه السلام) يُعطي شرطًا مهمًا لنيل درجة التشيع، وهو قضاء حاجة الناس؛ لأنها تشد أواصر المجتمع وتزيد من اللُّحمة الأخوية، وهذا يكشف حرص أئمتنا (عليهم السلام) على تكاتفنا وتآزرنا وتحاببنا فيما بيننا، وهو رأفة الوالد بأولاده، نعم فهم يرأفون بنا أكثر من رأفة آبائنا بنا، صلوات الله عليهم أجمعين.
قال تعالى: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {البقرة/5}. يذكر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) رواية عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في بيان عاقبة دفع حق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيقول في تفسيره لهذه الآية: "قال الإمام (عليه السلام): [وقال الحسن بن علي (عليهما السلام)]: من دفع فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) على جميع من بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد كذّب بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة، فإنه ما نزل شيء منها إلا وأهم ما فيه بعد الأمر بتوحيد الله"(18). فالذي يدفع فضل الإمام أمير المؤمنين عاقبته الكفر في جميع الكتب السماوية، وليس من حظه شيء إلا النار، وهذه هي سوء العاقبة.
وفي ذيل هذه الرواية يذكر الإمام العسكري (عليه السلام) رواية أخرى عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في قوله: "وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): إن دفع الزاهد العابد لفضل علي (عليه السلام) على الخلق كلهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ليصير كشعلة نار في يوم ريح عاصف، وتصير سائر أعمال الدافع لفضل علي (عليه السلام) كالحلفاء، وإن امتلأت منه الصحاري، واشتعلت فيها تلك النار وتخشاها تلك الريح حتى تأتي عليها كلها فلا تبقى لها باقية"(19). وهنا إشارة إلى قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} {الفرقان/23}. نعم، سيكون عمل الدافع لحق الإمام أمير المؤمنين هباءً منثورًا، ومأواه جهنم وبئس المصير.
قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} {البقرة/22}. قال الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في تفسيرها: "جعلها ملائمة لطبائعكم، موافقة لأجسادكم، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدّع هاماتكم، ولا شديدة النتن فتعطبكم، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم وأبنيتكم ودفن موتاكم، ولكنه عز وجل جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون، وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم، وجعل فيها من اللين ما تنقاد به لحرثكم وقبوركم وكثير من منافعكم"(20). هكذا بيّن الإمام المجتبى (عليه السلام) سبب خلق الأرض على هذه الكيفية، فطبائع الإنسان لم تكن ثابتة، والله أعلم بهذه الطبيعة ليخلق لها ما يناسبها لتتكيف معها في عيشها.
ثم يعني أسباب عدم خلقها بالطرق المغايرة: فإذا خلقها الله تعالى شديدة الحرارة سيؤدي ذلك إلى حرق جسد الإنسان؛ لأنه متكيّف مع درجة حرارة معينة، وإذا ارتفعت أكثر من طاقته فسوف تضر به. وإذا خلقها بطبيعة باردة ستؤدي إلى تصلب الأجسام ومنها إلى الفناء؛ لأن الجسم الإنساني له طاقة محددة لتحمل البرودة، وإذا ارتفعت ستضر به.
وكذلك وازن الله تعالى الريح فيها، والإمام الحسن (عليه السلام) يشير إلى مفهوم يبدو أنه غائب عن أذهان الناس، وهو الريح الطيب، فإذا كثر أدى إلى تصدّع في الرأس وألم شديد، وهذا لا يتحمله الإنسان، بالإضافة إلى ذلك لم يجعلها منتنة الريح؛ لأن النتن يؤدي إلى عطب في خلايا الدماغ، وقد توصل العلم الحديث إلى أن الريح الكريهة عند استنشاقها بكثرة تؤدي إلى النسيان ومنها إلى فقدان الذاكرة، وما يُسمى بـ(الزهايمر)، فكيف توصل الإمام الحسن (عليه السلام) إلى هذه العلوم إن لم يكن وريث العلم النبوي وخازن الفهم العلوي؟!
بالإضافة إلى أن الله تعالى لم يخلق الأرض ليّنة طرية، فهذه تؤدي إلى إغراق الإنسان والموجودات فيها، ولا يستطيع العيش عليها، ولم يخلقها (عز وجل) صلبة صلدة، فإذا كانت كذلك فكيف سينبت فيها الزرع؟ وكيف يُدفن فيها الأموات؟ فالله تعالى خلقها بهذه الكيفية لتتناسب وطبيعة الإنسان، منها ما يكون صلبًا كالصخور والأحجار والجبال ليستفيد منها في حاجاته المحتاجة إلى الصلابة، وكذلك جعل فيها من الرخاوة ما يفيد الإنسان منها في الزراعة والدفن وغير ذلك، فقد وضع الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) يده على هذه المفاهيم قبل أن يتوصل إليها العلم الحديث(21).
قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} {البقرة/35}. ذكر الحويزي رواية في ذيل تفسيره لهذه الآية المباركة، يقول فيها: "وبإسناده إلى الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله) حديث طويل يقول فيه (صلى الله عليه وآله) ... وقد سأله بعض اليهود عن مسائل. [عن الصلوات فقال]: وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم فيها من الشجرة، فأخرجه الله من الجنة. فأمر الله عز وجل ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، واختارها لأمتي، فهي من أحب الصلوات إلى الله عز وجل، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات. وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله عز وجل فيها على آدم، وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا، وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة، ما بين العصر والعشاء، فصلى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حواء، وركعة لتوبته، فافترض الله عز وجل هذه الثلاث ركعات على أمتي، وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، فوعدني ربي عز وجل أن يستجيب لمن دعاه فيها"(22). فقد بيّن الإمام الحسن (عليه السلام) في هذه الرواية فضل الصلوات التي فرضها الله تعالى على العباد، وسبب فرضها، وأن فيها من الثواب الجزيل ما لا يُحصيه إلا الله تعالى.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {البقرة/39}. يذكر الإمام العسكري (عليه السلام) في تفسيره رواية عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، في ذيل هذه الآية المباركة، في بيان معنى الشيعي وحقيقة التشيع، في قوله: "وقال رجل للحسن بن علي (عليهما السلام): يا ابن رسول الله، أنا من شيعتكم. فقال الحسن بن علي (عليهما السلام): يا عبد الله، إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعًا فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها. لا تقل: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم ومحبيكم، ومعادي أعدائكم، وأنت في خير، وإلى خير"(23). فمرتبة الشيعي مرتبة كبيرة لا ينالها إلا ذو حظ عظيم، فهي مرتبة سلمان المحمدي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر ومالك الأشتر وأضرابهم. أما نحن فإننا ندعي التشيع، وإلا فنحن لا نبلغ تلك المرتبة، فنحن موالون ومحبون؛ لأن التشيع مقام عالٍ، قال تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} {الصافات/83}، فهي درجة الأنبياء والأوصياء والأولياء.
قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} {البقرة/47}. ذكر السيد مصطفى الخميني في ذيل تفسيره لهذه الآية المباركة رواية للإمام الحسن (عليه السلام) في معنى (العالمين)، ينقلها عن كتاب بصائر الدرجات، في قوله: "وفي البصائر عن الحسن بن علي: أن لله عز وجل مدينتين: إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب، عليهما سوران من حديد، وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب، وفيها ألف لغة، تتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبها، وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما، وما عليهما حجة غيري وغير الحسين أخي"(24). يبدو أن هذا القول قاله الإمام المجتبى (عليه السلام) بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأنه حصر الحجة فيه وفي الإمام أبي عبد الله الحسين (عليهما السلام)، وأكد أنهما الحجة البالغة على جميع الخلق في العوالم المختلفة، ولا حجة غيرهما، مما يستدعي التسليم لهما والانقياد والسير إثرهما، والخارج عليهما خارج على الله وعلى رسوله وعلى إمام زمانه، مما يؤدي إلى هلاكه بهلاك الجاهلية.
قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} {البقرة/48}. يروي الإمام المجتبى (عليه السلام) عن جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) في الشفاعة، فيقول: "وأما شفاعتي ففي أهل الكبائر ما خلا أهل الشرك والظلم"(25). فشفاعة رسول الله تشمل جميع الخلق ما خلا الذين أشركوا بعبادة ربهم والذين ظلموا الناس؛ لأن ذلك يستوجب براءة الذمة من صاحب الحق، ولدينا روايات تذكر أنهم (عليهم السلام) يمشون يوم القيامة في حوائج شيعتهم، ويستوهبون حاجاتهم من الناس ويدفعون عنهم.
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} {البقرة/61}. ذكر الشيخ عبد الله جوادي آملي مراسلات الحسن البصري مع الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، مما استدعى الإمام المجتبى إلى إلقاء الحجة على الحسن البصري ليفسر جزءًا من آية البقرة المذكورة، وذلك في قوله: "كتب الحسن البصري إلى الإمام الحسن بن علي (عليه السلام): أما بعد، فأنتم أهل بيت النبوة ومعدن الحكمة، وإن الله جعلكم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يلجأ إليكم اللاجئ، ويعتصم بحبلكم من اقتدى بكم اهتدى ونجا، ومن تخلف عنكم هلك وغوى، وإني كتبت إليك عند الحيرة واختلاف الأمة في القدر، فتفضي لنا ما أفضاه الله إليكم أهل البيت فنأخذ به.
فكتب إليه الإمام الحسن بن علي (عليه السلام): أما بعد، فأنا أهل بيت كما ذكرت، عند الله وعند أوليائه.
وأما عندك وعند أصحابك، فلو كنا كما ذكرت ما تقدمتمونا ولا استبدلتم بنا غيرنا، ولعمري لقد ضرب الله مثلكم في كتابه حيث يقول: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}.
هذا لأوليائك فيما سألوا، ولكم فيما استبدلتم، ولولا ما أريد من الاحتجاج عليك وعلى أصحابك ما كتبت إليك بشيء مما نحن عليه، ولئن وصل كتابي إليك لتجدن الحجة عليك وعلى أصحابك مؤكدة، حيث يقول الله عز وجل: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} {يونس/35}.
فاتبع ما كتبت إليك في القدر، فإنه من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر، ومن حمل المعاصي على الله فقد فجر.
إن الله عز وجل لا يطاع بإكراه، ولا يعصى بغلبة، ولا يهمل العباد من الملكة، ولكنه المالك لما ملكهم والقادر على ما أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صادًا، وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل.
وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبرًا، ولا ألزموها كرهًا، بل منّ عليهم بأن بصّرهم وعرّفهم وحذّرهم، وأمرهم ونهاهم، لا جَبَلَ لهم على ما أمرهم فيكونوا كالملائكة، ولا جبرًا لهم على ما نهاهم، ولله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين، والسلام على من اتبع الهدى"(26). هنا لا أريد تفسير ما ورد في جواب الإمام الحسن (عليه السلام) في القدر، وأعتقد أنه واضح، لكن أود الإشارة إلى أمر مهم.
فقد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام): "لا جبر ولا تفويض، وإنما أمر بين أمرين"، وهو ما نؤمن به في أصل العدل الإلهي. أما القدر المرتبط بالعدل الإلهي، فهناك قدر محتوم وقدر مخروم خاضع للبداء، لذلك كل الأمور خاضعة لمشيئة الله، وحتى دفع القدر المحتوم بيد الله إن شاء، وهذه المشيئة مرتبطة بالعبد نفسه، لذلك المسألة فيها محاور كثيرة، ولكن الارتكاز فيها أنه لا جبر ولا تفويض، وإنما أمر بين أمرين.
محل الشاهد أن بعضهم عندما يقرأ رد الإمام يرى بوضوح أن الإمام (عليه السلام) يخاطبه بلهجة قوية صادرة من جهة عليا إلى جهة أقل، وهذا الكلام يخصه ويخص من اتبعه، وهو حجة عليه وعليهم، وهذا يأتي من الألم مما أفسدوا، وهو من الحرص على الدين. فلك أن تتصور أن أمة فيها الحسن والحسين، سبطا رسول الله وسيدا شباب أهل الجنة، والمنصبان من الله ورسوله: "الحسن والحسين إمامان إن قاما أو قعدا"، والمطهران من الرجس بنص القرآن، واللذان أوصى النبي بهما وبأبيهما وذريتهما من آل محمد الأئمة الهداة بقول النبي (صلى الله عليه وآله): "تركت فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما، لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي"(27).
ولكن الأمة تتركهم وتتبع معاوية ابن آكلة الأكباد، ومن ثم يأتون إلى دين الله ليفسروا ويقيسوا على هواهم؟!
والغريب أن كلام البصري واضح فيه معرفة أهل البيت (عليهم السلام)، ولكنه جاحد لهم، وقد عُرف عن البصري نصبه العداء لأمير المؤمنين (عليه السلام)، لذلك كان رد الإمام الحسن حازمًا واضحًا مع إقامة الحجة عليه وعلى أصحابه إلى يومنا هذا(28).
الخاتمة
بعد هذه الرحلة الممتعة في خزائن علم الله، وأصل الكرم، وقادة الأمم، وأولياء النعم، وعناصر الأبرار، ودعائم الأخيار، تمخض البحث عن النتائج الآتية:
1- اتضح بوساطة التمهيد أن التفسير خاص في الكشف عن مراد الله في كلماته للمفاهيم، والتأويل لتشخيص المصاديق عبر الثقل الثاني الذين وصفهم الله (عز وجل) بالراسخين في العلم.
2- قلة المرويات التفسيرية الواردة عن الإمام المجتبى (عليه السلام) تكشف مدى جفاء الناس للعترة الطاهرة، والأخذ من غيرهم، ما أدى إلى ضياع مرادات الله الحقة.
3- المرويات الواردة عن الإمام الزكي (عليه السلام) هي مرويات تكشف عن إجاباته (عليه السلام) لأسئلة موجّهة من قبل الناس إليه.
4- استنطاق الإمام المجتبى للسائل قبل الإجابة في بعض الآيات ما هو إلا طريقة اتخذها (عليه السلام) لتصحيح المفاهيم السائدة في المجتمع.
5- كشفت المرويات التفسيرية للإمام المجتبى (عليه السلام) مدى انحراف المجتمع، على الرغم من قربه لعصر النبوة، بسبب السياسات ذات الطابع القبلي التي أدت بالمجتمع إلى الانحلال واللهث وراء المال والسلطة.
6- شخّص الإمام الحسن (عليه السلام) مصاديق بعض الآيات، وغيّر اتجاه بوصلة التفسير التي حرّفت الأمة عن أهل البيت، واتخذ من الأسلوب الحكيم أداة لجذب الآخر، وهذا يكشف التربية النبوية والحصافة العلوية.
والحمد لله رب العالمين.



اضف تعليق