يقدم فكر الإمام الشيرازي السلام بوصفه مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع والدولة، يجمع التأصيل الشرعي والتربية الأخلاقية وصيانة الحقوق. ويؤكد أن معالجة العنف تبدأ بضبط الغضب وتجاوز التعصب، وتمتد إلى الحوار وحماية الضعفاء والعدالة في ممارسة السلطة، فيما يتطلب ترسيخ السلم مؤسسات تضمن الإنصاف والمساءلة وتحول قيم الرحمة واللاعنف...

تتجدد الحاجة إلى التفكير في السلام كلما اتسعت آثار العنف في حياة المجتمعات، وتجاوزت ساحات القتال إلى الأسرة والخطاب العام وإدارة الخلاف السياسي. وفي هذا السياق، يقدم فكر المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي رؤية تربط السلم بتربية الإنسان وصيانة الحقوق وإصلاح الحكم، ويمكن تتبع عناصرها في المواد التي تعرض كتبه «فقه السلم والسلام»، و«اللاعنف في الإسلام»، و«اللاعنف.. منهج وسلوك»، حيث تتكامل الأحكام الشرعية مع القيم الأخلاقية والتطبيقات الاجتماعية في بناء مشروع للحياة الكريمة.

السلام إطار للحياة الكريمة

تنطلق الرؤية التي تعرضها هذه الكتب من مفهوم واسع للسلام، يتصل بالأمن والعافية والاستقرار والازدهار، ويشمل مختلف جوانب الحياة. فحاجة الإنسان إلى السلام تتجسد في قدرته على العيش دون خوف، وحفظ كرامته، وتأمين معيشته، والتعبير عن رأيه، وإقامة علاقات مستقرة مع الآخرين. ومن هذا المنظور، تصبح معالجة الظلم والاستغلال والإهانة جزءًا من بناء السلم، لأن المجتمع الذي تتراكم داخله أسباب الإيذاء يبقى معرضًا للتوتر حتى عندما تتوقف المواجهات المسلحة.

وهناك مستويات تبدأ بعلاقة الإنسان بنفسه، وتمتد إلى علاقاته الأسرية والاجتماعية، ثم إلى العلاقة بين الجماعات والدول. ويتيح هذا الامتداد فهم الصلة بين السلوك الفردي والاستقرار العام؛ فالغضب الذي يعجز الإنسان عن ضبطه قد يفسد علاقة أسرية، والتعصب الذي يوجه أحكام الجماعة قد يحول الخلاف إلى خصومة، والسياسة التي تستخدم القمع قد توسع أسباب الاحتقان. وتتصل هذه المستويات بعضها ببعض، بحيث يحتاج السلام إلى معالجة مصادر التوتر في كل مستوى.

وتظهر العدالة في هذا التصور شرطًا لاستمرار السلام، لأن العلاقات تستقر عندما يشعر أطرافها بأن حقوقهم مصونة وأن هناك طريقًا لمعالجة المظالم. أما التسويات التي تتجاهل الضرر أو تترك الضعفاء دون حماية فتواجه صعوبة في اكتساب الثقة. ويمكن استخلاص أن الدعوة إلى السلم تقتضي إصلاح الظروف التي تنتج النزاع، إلى جانب تهدئة سلوك المتنازعين، وهو ما يمنح المشروع بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا يتجاوز حدود الوعظ الفردي.

التأصيل الشرعي للسلم واللاعنف

يستند مفهوم السلام إلى حضور السلم والعفو والصفح والرفق في القرآن الكريم والسنة وسيرة أهل البيت عليهم السلام. وتبرز آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، باعتبارهما من النصوص التي يستحضرها الإمام الشيرازي في تأصيل الاتجاه إلى السلام. ويدعم هذا الاتجاه حضور النصوص التي تحث على حسن الخلق وضبط الغضب وحماية الآخرين من الأذى.

وتمنح آية ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ هذا المنهج دلالة عملية تتعلق بتغيير العلاقات. فالاستجابة للإساءة بالحكمة والرفق تتيح إيقاف التصعيد، وتفتح احتمال انتقال العلاقة من العداوة إلى التفاهم. وتقوم أهمية هذا المعنى على إدراك أثر طريقة التعامل في سلوك الطرف الآخر، إذ قد تعمق الإهانة رغبته في الانتقام، بينما يسمح حفظ كرامته بمراجعة موقفه والتراجع عن الخصومة.

وتعرض هذه الرؤية الدفاع المشروع ضمن معالجة الاعتداء، مع التأكيد على صيانة الحقوق وضبط استخدام القوة. ويقتضي تناول هذا الجانب التمييز بين دفع العدوان وبين توسيع الخصومة أو اتخاذ المخالفة ذريعة للإيذاء، كما يقتضي فهم أن تقدير الأحكام وتفاصيل تطبيقها يحتاج إلى بحث فقهي في مصادرها الأصلية. أما الدلالة العامة فهي إعطاء الأولوية للسلم، وتقليل الضرر، وإبقاء أبواب الصلح مفتوحة، وربط الممارسة بالمسؤولية الأخلاقية.

ومن هنا، يتصل اللاعنف بطريقة إدارة القوة والقدرة على استخدامها. فالإنسان الذي يملك سلطة أو نفوذًا أو قدرة على العقاب يواجه اختبارًا في ضبط تصرفه، ويتأكد هذا الاختبار عندما يكون خصمه ضعيفًا. ويبرز العفو عند المقدرة بوصفه اختيارًا أخلاقيًا يحتاج إلى إرادة وحكمة، مع بقاء واجب حماية المتضررين ومنع تكرار الاعتداء. وعلى هذا الأساس، تتكامل الرحمة مع إنصاف المظلوم في توجيه السلوك.

وتحتاج المصالحة في هذا الإطار إلى مراعاة موقف المتضرر وحقه في الإنصاف، لأن تجاوز الخصومة يصبح أكثر استقرارًا عندما يستند إلى اعتراف بالضرر وتصحيح آثاره. ويمكن استخلاص أن الإكراه على التسامح قد يبقي الشعور بالظلم قائمًا، بينما يساعد احترام إرادة الإنسان وتوفير ضمانات تمنع تكرار الإساءة على بناء ثقة جديدة. وتمنح هذه المعالجة العفو معناه الإصلاحي، وتربطه بتهيئة الظروف التي تسمح باستئناف العلاقة على أساس أكثر عدلًا ووضوحًا.

بناء الإنسان ومعالجة جذور العنف

ان الغضب والجهل والحقد، عوامل تسهم في إنتاج العدوانية. وتكشف المعالجة أن الفعل العنيف غالبًا ما تسبقه طريقة في التفكير تجعل الآخر مستحقًا للإهانة أو العقاب، ثم تأتي لحظة الغضب لتدفع هذا التصور إلى الفعل. ويصبح تهذيب النفس عملًا وقائيًا يعالج قابلية الإنسان للإيذاء قبل أن تتخذ صورة اعتداء ظاهر.

ويحتل كظم الغيظ والحلم والعفو موقعًا أساسيًا في هذه التربية، لأن الغضب يضيق قدرة الإنسان على تقدير العواقب ويجعله أكثر استعدادًا لاتخاذ قرار متسرع. وهناك وسائل سلوكية للتعامل معه، من بينها تغيير الوضعية والتوقف عن الاندفاع واستحضار المعاني الدينية التي تدعو إلى الرحمة. وتكمن قيمة هذه الوسائل في إتاحة مهلة بين الانفعال والاستجابة، يستطيع الإنسان خلالها أن يستعيد حكمه على الموقف ويتجنب قرارًا يصعب إصلاح نتائجه.

ويرتبط علاج العنف كذلك بالتعلم وتصحيح التصورات، لأن الجهل قد يدفع الفرد إلى تفسير الاختلاف باعتباره تهديدًا، أو إلى اعتماد القوة عند عجزه عن الحوار. وتساعد المعرفة على توسيع الخيارات المتاحة لمعالجة المشكلات، وتتيح إدراك مصالح الأطراف ونتائج القرارات. ويكتسب اقتران العلم بالعمل أهمية خاصة هنا، فالمعرفة الأخلاقية تظهر قيمتها عندما تنعكس في طريقة الاعتراض والتربية وإدارة السلطة والتعامل مع المسيء.

وتسمح هذه القراءة باستخلاص مسؤولية البيئة التربوية عن تنمية القدرة على ضبط الانفعال. فالطفل الذي يتعلم التعبير عن اعتراضه، ويجد من يستمع إليه ويشرح له الخطأ، يكتسب أدوات تختلف عن الأدوات التي يكتسبها من يعيش تحت الإهانة والتهديد. ويمكن للأسرة والمدرسة أن تدربا الإنسان على الصبر وتحمل الاختلاف والاعتذار، فتتحول القيم إلى خبرة متكررة تسند سلوكه في المواقف الصعبة.

إدارة الاختلاف وحماية الحوار

كما تتناول النصوص الاختلاف باعتباره واقعًا في الحياة الإنسانية، وتلفت إلى أثر التعصب في تحويله إلى صراع. وتبرز أهمية الحكم على الأفكار من خلال مضمونها وحجتها، بدل إخضاعها لهوية صاحبها أو انتمائه. فحين يرفض الإنسان رأيًا قبل فهمه، بسبب موقفه من قائله، يفقد فرصة التعلم ويجعل علاقته بالحقيقة تابعة لعلاقته بالجماعة، وهو مسار يغذي الخصومة ويضعف التفكير المتزن.

ويتيح التمييز بين الفكرة وصاحبها بناء حوار يحفظ حق النقد وكرامة المختلف في الوقت نفسه. فمناقشة الرأي تتطلب تحديد موضع الاعتراض وشرح أسبابه والاستماع إلى الجواب، بينما تدفع الإهانة الطرف الآخر إلى الدفاع عن نفسه وانتمائه. ومع انتقال النقاش إلى هذا المستوى تتراجع فرصة الوصول إلى فهم مشترك، وتصبح الغلبة الاجتماعية أو اللفظية أهم من معرفة الصواب ومعالجة المشكلة التي بدأ الحوار بسببها.

ويستحضر عرض مفهوم اللاعنف في الإسلام النهي القرآني عن سب ما يعبده الآخرون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. وتظهر في هذا النص عناية بعواقب الخطاب، وبما قد تنتجه الإساءة من إساءة مقابلة واتساع للعداوة. ويمكن فهم هذا المعنى بوصفه أساسًا لضبط التعبير عن الخلاف، مع المحافظة على إمكان عرض الاعتقاد ومناقشة الأفكار بالحجة والبيان.

وفي التطبيق المعاصر، تقدم هذه المبادئ معيارًا مفيدًا لقراءة الخطاب الإعلامي والسياسي والتواصل الرقمي. فالتخوين والتحقير والتشهير قد يمنح أصحابها انتشارًا سريعًا، لكنه يرفع كلفة التفاهم ويجعل التراجع عن الخصومة أكثر صعوبة. وتقتضي ثقافة السلم التحقق من المعلومات، وتحديد المسؤولية بدقة، وتجنب تعميم الخطأ على جماعة بأكملها، حتى يبقى النقد وسيلة للمساءلة والإصلاح ويحافظ المجتمع على قدرته على الحوار.

القدوة العملية في احتواء العداوة

ومن ذلك نماذج من سيرة النبي وأهل البيت عليهم السلام لتوضيح حضور الرحمة في التعامل مع الإساءة. ويأتي العفو يوم فتح مكة ضمن أبرز النماذج التي تعرضها، حيث تستحضر الانتقال من مواجهة طويلة إلى موقف يتيح للخصوم السابقين الأمان والاندماج في واقع جديد. وتظهر دلالة هذا النموذج في طريقة التصرف عند امتلاك القدرة، وفي أثر العفو في تقليل دوافع الثأر وتهيئة مجال لإعادة بناء العلاقات.

كما تمثل قصة تعامل الإمام الحسن عليه السلام بالحلم مع الرجل الشامي الذي أساء إليه، حيث قابل الإساءة بحسن الاستقبال وعرض المساعدة. وتتيح القصة فهم دور التصورات السابقة في صناعة العداوة، وأثر المعاملة المباشرة في مراجعتها. فالرفق هنا يفتح بابًا لتغيير موقف الإنسان من خلال تجربة يلمسها بنفسه، ويكشف أن بعض الخصومات تحتاج إلى إزالة الجهل الذي يغذيها بقدر حاجتها إلى الرد على كلام أصحابها.

ويتسع المعنى في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر، حيث ترتبط الرحمة بالرعية بمسؤولية الحكم والتعامل مع الناس على أساس يجمع الأخوة الدينية والاشتراك في الإنسانية. ويستفاد من هذا التوجيه أن العلاقة بين الحاكم والمجتمع ينبغي أن تقوم على الرعاية والإنصاف، وأن اختلاف الانتماء لا يسقط حق الإنسان في الحماية والعدل. وتكتسب الرحمة هنا طابعًا عامًا يشمل الناس الذين تقع مصالحهم تحت سلطة الحاكم.

وتتأكد قيمة هذه النماذج عندما تُقرأ من جهة السلوك الذي تعلمه: ضبط القدرة، وتجنب الإذلال، وفهم دوافع الخصم، وإتاحة فرصة لتصحيح العلاقة. ويمكن استحضارها في الأسرة والمؤسسة والمجال العام، مع مراعاة اختلاف الظروف والمسؤوليات. فالمقصد التربوي هو بناء قدرة على معالجة الإساءة بطريقة تحمي المجتمع من توسعها، وتساعد على الإصلاح، وتبقي كرامة الإنسان حاضرة في القرار.

من الأسرة إلى البيئة

يوسع مفهوم «اللاعنف في الإسلام» نطاق الممارسة ليشمل الأطفال واليتامى والمرأة والجيران، ويبين أن الرحمة تظهر في تفاصيل العلاقة اليومية. وتستحق الفئات الأضعف عناية خاصة، لأن قدرتها على الدفاع عن نفسها أو الاعتراض قد تكون محدودة، وهو ما يجعل الإيذاء أكثر أثرًا في حياتها. ومن ثم، ترتبط المسؤولية الأخلاقية بمقدار القدرة على الرعاية والحماية، ويصبح الوفاء بالوعد وحسن المعاملة واحترام المشاعر عناصر أساسية في التربية.

وفي الأسرة، يوفر الرفق مناخًا يساعد على التعلم والثقة والتعبير عن الحاجة، بينما يترك العنف والإهانة آثارًا في العلاقة بين أفرادها. ويمكن استخلاص أن التربية تحتاج إلى وضوح في القواعد وصبر في الشرح وتناسب في معالجة الخطأ، مع حفظ كرامة الطفل وتجنب تحويله إلى موضع سخرية أو تهديد. وتكتسب هذه المبادئ قيمتها عندما يلتزم بها الكبار في سلوكهم، فتتوافق التعليمات مع القدوة التي يراها الأبناء.

وتحظى علاقات الجوار بحضور في المواد، من خلال كف الأذى والإحسان والصبر على الجفاء. وهذه العلاقات تمثل مجالًا مهمًا لتكوين الثقة الاجتماعية، لأن التعايش اليومي يكشف قدرة الناس على احترام مصالح بعضهم بعضًا. وفي التطبيق، يتصل ذلك بمعالجة الإزعاج والخلاف على المرافق والممتلكات بوسائل واضحة وعادلة، وبمنع انتقال النزاع المحدود إلى خصومة عائلية أو جماعية تتجاوز أصل المشكلة.

ويمتد اللاعنف في العرض إلى الرفق بالحيوان وحفظ الأشجار والمياه، بما يكشف اتساع المسؤولية تجاه ما يتأثر بفعل الإنسان. ويمكن وصل هذه الدلالة بمسؤولية المجتمع عن الموارد المشتركة والبيئة التي يعيش فيها الجميع، إذ ينعكس إتلافها على الصحة والمعيشة والاستقرار. وتصبح حماية البيئة جزءًا من رعاية الحياة ومنع الضرر، سواء في الظروف العادية أو أثناء النزاعات التي قد تعرض الموارد للتدمير.

وتبرز أهمية هذه المسؤولية عند وقوع النزاعات، حيث تتسع دائرة المتضررين لتشمل من لم يشاركوا في صنعها. وتستدعي مبادئ حفظ الحياة والموارد النظر إلى آثار القرار على السكان والمرافق والخدمات، وإعطاء حماية الضعفاء أولوية في تقدير النتائج. ويمكن لهذه القراءة أن توجه الاهتمام إلى ما يخلفه النزاع من فقدان للأمان وصعوبة في استعادة المعيشة والتعليم، بما يجعل منع الضرر وتسريع الإصلاح مسؤولية اجتماعية ممتدة.

السلام في الحكم والتغيير

ينتقل مشروع السلام إلى المجال السياسي من خلال صيانة الدماء والحقوق، وضبط علاقة السلطة بالمعارضة، وتشجيع الحوار والمصالحة. وتجربة الإمام علي عليه السلام مع الخوارج لها حضور في ذلك، من جهة تحمله مخالفتهم وحفظ حقوقهم قبل انتقالهم إلى العدوان المسلح. ويتيح هذا العرض إبراز التمييز بين التعبير عن موقف سياسي وبين الاعتداء، وربط التعامل مع الناس بأفعالهم ومسؤولياتهم المحددة.

ومن هذه الدلالة يمكن استخلاص أهمية وجود مؤسسات تسمح بالاعتراض والمساءلة وتسوية النزاعات. فحين يجد المواطن طريقًا واضحًا لعرض مظلمته والطعن في القرار ومحاسبة المسؤول، تتعزز الثقة بإمكان الإصلاح عبر الوسائل السلمية. أما إغلاق هذه الطرق فيزيد الشعور بالعجز، ويجعل الخلاف أكثر قابلية للتصعيد، خصوصًا إذا ترافق مع تفاوت في تطبيق القانون أو تمييز في توزيع الفرص والخدمات.

وتتصل العدالة الاقتصادية بهذا المسار، فالاستغلال والاحتكار هي ضمن صور العنف التي تحتاج إلى المعالجة. وتفتح هذه الإشارة مجالًا لفهم أثر السياسات الاقتصادية في السلم الاجتماعي، من خلال حماية الناس من التعسف وصيانة فرص العيش الكريم. فالاستقرار يستفيد من توزيع عادل للمسؤوليات والأعباء، ومن قواعد تمنع أصحاب النفوذ من تحويل حاجة الآخرين إلى وسيلة للسيطرة عليهم.

وفي العراق، يمكن الاستفادة من هذه المبادئ بوصفها إطارًا لتقييم الممارسات العامة: حماية حق الاعتراض، ورفض التحريض، وصيانة الكرامة في تطبيق القانون، ومعالجة المظالم، واعتماد الحوار في تسوية الخلافات. ويظل الانتقال إلى نتائج عملية مرتبطًا بتحديد المسؤوليات ووجود مؤسسات تستطيع حماية الحقوق وتنفيذ القرارات. فثقافة السلام تكتسب الثقة عندما يلمس المواطن أثرها في معاملته اليومية وفي قدرة الدولة على إنصافه وحمايته.

تحويل القيم إلى ممارسة مستمرة

يحتاج نشر السلام إلى عمل متصل تتكامل فيه الأسرة والمدرسة والمنبر الديني والإعلام والمؤسسات العامة. ويمكن للتعليم أن يدرب على الاستماع ومناقشة الحجج والتعاون، وللخطاب الديني أن يربط النصوص بمواقف الحياة اليومية، وللإعلام أن يوسع مساحة الفهم ويحد من التحريض. ويستفيد هذا العمل من النماذج التطبيقية التي تبين أثر التسامح والإنصاف في حل مشكلة محددة، وتمنح القارئ والمستمع أدوات يمكن استخدامها.

وتتحمل المؤسسات مسؤولية ترجمة المبادئ إلى قواعد وإجراءات، مثل توفير وسائل للشكوى وحماية المتضررين وتسوية النزاعات ومنع التعسف. كما يحتاج العاملون فيها إلى تدريب على التعامل المحترم وضبط الانفعال، حتى تصبح الرحمة جزءًا من الممارسة المهنية. ويجعل هذا التكامل الفرد قادرًا على تبني السلم داخل بيئة تساعده عليه، ويقلل المسافة بين ما يقال عن الكرامة وما يواجهه الإنسان في الواقع.

ويقتضي ترسيخ هذه الثقافة التدرج والاستمرار، لأن العادات التي تكونت تحت تأثير الخوف والعداء تحتاج إلى تجارب متكررة تكشف إمكان التعامل بطريقة مختلفة. ويمكن أن تبدأ المبادرة بتسوية نزاع محلي أو تحسين أسلوب التعامل داخل مؤسسة أو إتاحة مساحة آمنة للحوار، ثم تتوسع بحسب نتائجها. وتساعد متابعة هذه النتائج على تصحيح الممارسة، وتمنع تحول الدعوة إلى السلام إلى نشاط موسمي ينتهي دون أثر مستمر في علاقات الناس ومؤسساتهم.

ويستفاد من تكامل الكتب الثلاثة، كما تعرضها المواد، أن مشروع السلام يجمع التأصيل والتربية والتنظيم؛ فالنصوص توجه القيم، والقدوة تعلم السلوك، والمؤسسات تحمي الحقوق وتتيح استمرار الممارسة. ويمكن تقييم التقدم في هذا المسار من خلال قدرة الناس على حل خلافاتهم، وحماية الضعفاء، والاعتراض دون خوف، والحصول على الإنصاف. وهذه النتائج تمنح السلام حضورًا ملموسًا في الحياة وتجعله أساسًا للاستقرار والتعاون.

استنتاجات

1. السلام منظومة لبناء الحياة الكريمة: يتصل بالأمن والعدالة وصيانة الحقوق والاستقرار، ويقتضي معالجة الظروف التي تنتج الخوف والعداوة والاستغلال، مع توجيه السياسات نحو حماية الإنسان وتحسين شروط معيشته.

2. تربية النفس أساس للوقاية من العنف: يساعد كظم الغيظ والحلم والتعلم على ضبط الاستجابة للإساءة، وتحتاج هذه القيم إلى تدريب وقدوة في الأسرة والمدرسة والمؤسسة، حتى يستطيع الإنسان تطبيقها عند اشتداد الخلاف.

3. إدارة الاختلاف تحمي التماسك الاجتماعي: يتيح تقييم الأفكار بالحجة واحترام كرامة أصحابها استمرار الحوار، ويستدعي ذلك التزام الإعلام والخطاب العام بالدقة وتجنب التحريض والتشهير وتعميم المسؤولية على الجماعات.

4. الرحمة والإنصاف يوجهان ممارسة السلطة: تتطلب حماية السلم صيانة حقوق المعارضة، وإتاحة الشكوى والمساءلة، وضبط استخدام القوة، وتوفير وسائل فعالة لمعالجة المظالم ومنع تكرار الاعتداء على الضعفاء.

5. استمرار السلام يحتاج إلى مؤسسات وممارسة: يكتمل التأصيل الشرعي والأخلاقي بقواعد تحمي الحقوق وإجراءات تساعد على تسوية النزاعات، ويظهر نجاح هذا التكامل في الثقة الاجتماعية وقدرة الناس على التعاون والعيش بأمان وكرامة.

* المصادر: موقع الإمام الشيرازي

اضف تعليق