عندما يتعلم الناس أن الخلاف يمكن أن ينتهي بتفاوض، وأن الحقوق يمكن استردادها بالقانون، وأن المنافسة لا تعني العداء، فإن المجتمع يصبح أكثر استعداداً لبناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد. وهذا ما يجعل اللاعنف مهارة للمستقبل، لا قيمة للماضي فقط...
ماذا يحدث عندما يتحول الخلاف الصغير إلى خصومة طويلة؟ وماذا يحدث عندما تنتقل الخصومة من الأفراد إلى المؤسسات، ومن المؤسسات إلى المجتمع؟ وهل يستطيع بلد أن يجذب استثمارات طويلة الأمد إذا بقيت علاقاته الاقتصادية والاجتماعية محكومة بالخوف، وعدم الثقة، والشك في الطرف الآخر؟ ثم ما العلاقة بين قيمة تبدو أخلاقية مثل اللاعنف، ومفهوم اقتصادي مثل الاستثمار؟
في الثاني من تشرين الأول من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي للاعنف، وهي مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2007 تخليداً لذكرى ميلاد المهاتما غاندي، ودعوة إلى نشر ثقافة السلام والتسامح والتفاهم واللاعنف. لكن المناسبة يمكن أن تُقرأ اليوم من زاوية أوسع: اللاعنف ليس فقط وسيلة لمنع الصراع، وإنما مهارة تساعد المجتمعات على بناء الثقة، والثقة واحدة من أهم الشروط التي يحتاجها أي اقتصاد يريد أن ينمو.
في العراق تبدو هذه الفكرة أكثر وضوحاً. فالعراق يحتاج إلى الاستثمار في الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والطاقة والإسكان والتكنولوجيا، ويحتاج في الوقت نفسه إلى توسيع القطاع الخاص وخلق فرص العمل أمام أعداد كبيرة من الشباب. ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد العراقي ما يزال شديد الاعتماد على النفط، فيما تواجه البلاد تحديات في خلق فرص العمل وفي قدرة القطاع الخاص على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
هنا يظهر سؤال قد لا ننتبه إليه كثيراً: ما الذي يجعل المستثمر يطمئن إلى أن أمواله ومشروعه سيستمران؟ الإجابة لا تتعلق فقط بالأرض والكهرباء والتمويل والطرق. المستثمر يحتاج أيضاً إلى بيئة يستطيع فيها أن يختلف مع شريكه من دون أن تتحول الشراكة إلى عداوة، وأن يعترض على قرار إداري من دون أن يصبح الاعتراض سبباً للإقصاء، وأن يدخل في منافسة من دون أن تتحول المنافسة إلى محاولة لإسقاط الآخر.
وهذه هي النقطة التي يلتقي فيها اللاعنف مع الاقتصاد. فاللاعنف في الحياة الاقتصادية يعني أن نمتلك القدرة على إدارة المصالح المتعارضة من دون تحويلها إلى صراع شخصي. يعني أن تكون هناك قواعد واضحة للنزاع، وأن يجد صاحب الحق طريقاً قانونياً للحصول على حقه، وأن تستطيع المؤسسة الاستماع إلى الشكوى، وأن يستطيع الشريك الانسحاب أو التفاوض من دون تهديد، وأن تبقى المنافسة داخل حدود القانون.
في العراق، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب الرغبة في الاستثمار. هناك أمثلة على استثمارات كبيرة ومشروعات جديدة وشراكات دولية.
فقد أعلنت مؤسسة التمويل الدولية في عام 2025 عن حزمة جديدة من الاستثمارات والارتباطات في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعات الزراعية والتمويل بقيمة مليار دولار، مشيرة إلى أن استثماراتها وتعبئتها منذ عام 2005 تجاوزت 2.5 مليار دولار وأسهمت في خلق أكثر من 28 ألف فرصة عمل في العراق.
هذه الأرقام مهمة لأنها تكشف شيئاً آخر: العراق ليس بلداً بلا فرص، وإنما بلد يحتاج إلى تحويل الفرص إلى بيئة مستقرة وقابلة للاستمرار. وهنا لا يكفي أن نقول للمستثمر: تعال واستثمر. السؤال الأعمق هو: هل بنينا البيئة التي تجعله يريد البقاء؟
فالاستثمار الطويل الأمد لا يبحث عن الربح فقط؛ يبحث عن القدرة على التنبؤ. يريد أن يعرف كيف تُطبق القوانين، وكيف تُحل النزاعات، وكيف تُحمى العقود، وكيف يحصل على الخدمات، وكيف يعالج الخلاف عندما يحدث. ولهذا ترتبط جودة البيئة الاستثمارية بجودة المؤسسات ووضوح القواعد وكفاءة الخدمات وسرعة الإجراءات.
وفي الحالة العراقية، تظهر أهمية هذه المسألة بصورة خاصة لأن الاقتصاد يحتاج إلى الانتقال تدريجياً من الاعتماد الكبير على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً تقوده قطاعات إنتاجية وقطاع خاص أكثر قدرة على خلق الوظائف. وقد ربط البنك الدولي بين الاستقرار والإصلاح والتنويع الاقتصادي وبين قدرة العراق على خلق فرص أفضل وتحسين مستويات المعيشة.
لذلك يمكن أن نعيد تعريف اللاعنف بطريقة عملية جداً: كل مؤسسة تقلل مساحة الانتقام وتوسع مساحة القانون، فإنها تخفض جزءاً من المخاطر التي تواجه النشاط الاقتصادي.
تخيل صاحب مشروع صغير في مدينة عراقية يريد توسيع عمله. يحتاج إلى تمويل، ومكان، وعمال، وسوق، وخدمات. لكنه يحتاج أيضاً إلى معرفة أن خلافه مع شريك أو مورد أو موظف لن يتحول إلى أزمة تهدد المشروع كله. وتزداد أهمية هذا الأمر عندما نعرف أن منشآت الأعمال الصغيرة والمتوسطة تمثل فرصة أساسية لخلق الوظائف، فيما تشير بيانات مؤسسة التمويل الدولية إلى وجود فجوة تمويلية كبيرة أمام هذا القطاع في العراق.
وهنا يصبح اللاعنف مهارة اقتصادية يومية: كيف نتفاوض؟ كيف نرفض؟ كيف نعترض؟ كيف نختلف؟ كيف ننهي شراكة؟ كيف نسترد حقاً؟ كيف ننتقد قراراً؟ كيف نمنع الخلاف من الانتقال من الموضوع إلى الشخص؟ هذه ليست أسئلة أخلاقية مجردة. إنها أسئلة تؤثر في كلفة العمل واستمراره.
وقد يكون هذا مهماً في المؤسسات العراقية بصورة خاصة؛ لأن المؤسسة التي لا تمتلك آليات واضحة لمعالجة الخلاف قد تدفع موظفيها إلى الصمت أو المغادرة أو الصراع الداخلي. أما المؤسسة التي تسمح بالاعتراض المنظم وتفصل بين نقد القرار وإهانة الشخص، فإنها تحول الاختلاف إلى مصدر لتحسين الأداء. ومن هنا يمكن النظر إلى الثقة بوصفها رأس مال غير مرئي.
لا تظهر الثقة في الميزانية مثل الأموال والمعدات، لكنها تؤثر في قرارات الناس. الموظف يثق بالمؤسسة فيستثمر مهاراته فيها. الشريك يثق بشريكه فيوسع المشروع. المصرف يثق بقدرة المشروع على السداد فيمنحه التمويل. المستثمر يثق بالبيئة فيضع رأس المال فيها. والمواطن يثق بالمؤسسات فيختار القانون طريقاً للحصول على حقه بدلاً من البحث عن القوة والنفوذ.
كلما اتسعت هذه الدائرة، انخفضت الحاجة إلى الصراع. وهذا يضع العراق أمام مسؤولية مزدوجة: جذب الاستثمار من الخارج، وبناء ثقافة استثمار من الداخل. فلا يمكن أن نطلب من المستثمر الأجنبي أن يثق ببيئة لا يثق فيها بعض الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ببعضهم. ولا يمكن أن نبني اقتصاداً حديثاً إذا ظلت بعض النزاعات تُدار بمنطق «من الأقوى؟» بدلاً من سؤال «ما القاعدة التي تحكم الخلاف؟».
واللاعنف هنا لا يعني الاستسلام، ولا يعني التنازل عن الحقوق، ولا يعني ترك الظلم من دون معالجة. على العكس، المجتمع اللاعنفي يحتاج إلى عدالة أقوى؛ لأن البديل عن الانتقام الشخصي هو قانون يستطيع الإنسان أن يثق به.
وهذه النقطة مهمة في العراق تحديداً: الاستقرار الاقتصادي لا يعني غياب الاختلاف، وإنما يعني امتلاك مؤسسات تستطيع إدارة الاختلاف. فيمكن أن نختلف سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، ومهنياً، وهذا أمر طبيعي. الخطر يبدأ عندما تصبح كل مواجهة اختباراً للقوة، وكل خسارة إهانة، وكل نقد تهديداً، وكل منافسة محاولة لإلغاء الآخر. عندها ترتفع كلفة الحياة الاقتصادية نفسها.
وفي المقابل، عندما يتعلم الناس أن الخلاف يمكن أن ينتهي بتفاوض، وأن الحقوق يمكن استردادها بالقانون، وأن المنافسة لا تعني العداء، فإن المجتمع يصبح أكثر استعداداً لبناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد. وهذا ما يجعل اللاعنف مهارة للمستقبل، لا قيمة للماضي فقط.
فالعراق الذي يريد بناء اقتصاد متنوع يحتاج إلى مهارات جديدة لدى شبابه: البرمجة، والابتكار، والإدارة، وريادة الأعمال، والعمل الجماعي. لكنه يحتاج أيضاً إلى مهارة قد تبدو بسيطة وهي القدرة على الاختلاف من دون تدمير العلاقة.
هذه المهارة ينبغي أن تبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة ومكان العمل. ينبغي أن يتعلم الطالب كيف يناقش الفكرة من دون إهانة صاحبها، وأن يتعلم الموظف كيف يقدم اعتراضه، وأن يتعلم المدير كيف يستقبل النقد، وأن يتعلم صاحب المشروع كيف يتفاوض، وأن تتعلم المؤسسة كيف تعالج النزاع قبل أن يتحول إلى أزمة.
فالاستثمار في اللاعنف يبدأ قبل وصول المستثمر إلى العراق. يبدأ عندما نربي جيلاً يرى أن القوة ليست في تخويف الآخر، وإنما في القدرة على إدارة الاختلاف معه. ويبدأ عندما تصبح المؤسسات أكثر وضوحاً في إجراءاتها، وأسرع في معالجة الشكاوى، وأكثر عدالة في تطبيق القواعد. ويبدأ عندما ندرك أن حماية الاستثمار لا تعني فقط حماية رأس المال، وإنما حماية البيئة التي تجعل رأس المال مستعداً للبقاء.
وقد يكون هذا هو المعنى العراقي الأكثر واقعية لليوم الدولي للاعنف: أن نسأل أنفسنا ليس فقط كيف نمنع العنف في الشارع، وإنما كيف نمنع منطقه من الدخول إلى المدرسة، والأسرة، والجامعة، والمؤسسة، والسوق.
لأن العنف قد يبدأ بكلمة، ثم يتحول إلى خصومة، ثم إلى قطيعة، ثم إلى تعطيل، ثم إلى خسارة اقتصادية. وفي الاتجاه الآخر يمكن أن يبدأ اللاعنف بحوار هادئ، ثم اتفاق، ثم ثقة، ثم شراكة، ثم مشروع يوفر فرص عمل.
هكذا يصبح اللاعنف استثماراً حقيقياً. استثماراً في الإنسان، وفي المؤسسة، وفي السوق، وفي قدرة العراق على تحويل موارده الكبيرة إلى مستقبل أكثر استقراراً. وفي يومه العالمي، ربما لا يحتاج اللاعنف إلى خطاب احتفالي جديد، وإنما إلى سؤال عملي: هل نريد عراقاً يأتي إليه المستثمر ليجرب حظه، أم عراقاً يأتي إليه لأنه يثق بأن الاختلاف فيه يمكن أن يُدار، والحق يمكن أن يُحمى، والمشروع يمكن أن يستمر؟ الفارق بين السؤالين هو الفارق بين بلد يملك فرصاً استثمارية، وبلد يملك بيئة استثمارية. واللاعنف، في جوهره، أحد الاستثمارات التي لا تظهر في دفاتر الحسابات، لكنها قد تحدد مقدار ما يستطيع المجتمع أن يبنيه في المستقبل.



اضف تعليق