لا يعني تراجع بعض الحركات أن العمل اللاعنفي فقد فاعليته، بل يكشف عن فجوة بين تطور القمع السلطوي وقدرة الحركات على التكيف. ويظل النجاح مرتبطًا بالتخطيط الاستراتيجي، وعدم التعاون، وبناء المؤسسات البديلة، والأمن الرقمي، والتعلم بين الحركات، لا بحجم المظاهرات وحده. كما يتطلب تقييم النتائج النظر إلى المكاسب الجزئية والمتراكمة...
يتناول المقال أزمة الثقة المتزايدة بفاعلية العمل اللاعنفي في ظل تطور أدوات القمع السلطوي، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في فشل المقاومة المدنية نفسها بقدر ما تكمن في تراجع قدرتها على مواكبة أساليب المراقبة والقمع الذكي واختزالها كثيرًا في المظاهرات الجماهيرية. وتوضح بريزا ريس ماكسيموفيتش وجميلة رقيب في مجلة الديمقراطية (Journal of Democracy)، العدد الرابع من المجلد 37، أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن نجاح الحركات يتطلب الانتقال من مجرد الحشد والظهور الإعلامي إلى التخطيط الاستراتيجي وعدم التعاون وبناء المؤسسات البديلة وتطوير الأمن الرقمي وتبادل الخبرات، مع إعادة النظر في مفهوم النجاح بعيدًا عن اختزاله في إسقاط الحكومات، لأن المقاومة اللاعنفية تظل، وفق الكاتبتين، أداة قابلة للتطور والتكيف مع بيئة سياسية أكثر تعقيدًا وقمعًا.
وجاء في نص المقال:
من بورما إلى بيلاروسيا، يتكرر سؤال واحد: هل ما يزال العمل اللاعنفي فعالًا؟ تجادل الكاتبتان بأن النظرية لم تفشل، بل إن المجال نفسه تخلّف عن مواكبة التطورات. فالأنظمة السلطوية حدّثت أدوات القمع، بينما اختزلت الحركات النضال اللاعنفي الاستراتيجي في الاحتجاج في الشوارع، وخلطت بين الظهور الإعلامي والقدرة على ممارسة الضغط. ويساعد هذا التفاوت على تفسير لجوء منظمين يواجهون قمعًا قاتلًا إلى السلاح، مع أن الحملات اللاعنفية ما تزال تتفوق على الحملات العنيفة. كما تتحدى الكاتبتان الطريقة التي يُقاس بها النجاح، إذ تحجب المعايير المتمحورة حول القائد والدورة السياسية الواحدة المكاسب الحقيقية. وما يحتاج إليه المجال الآن ليس عقيدة جديدة، بل الاستثمار في مواجهة القمع الذكي، وإعادة بناء استراتيجيات عدم التعاون، وتبادل الدروس بين الحركات.
خلال السنوات القليلة الماضية، وجدنا أنفسنا نخوض المحادثة نفسها في سياقات مختلفة بصورة لافتة. وسواء كنا نناقش الغزو الروسي لأوكرانيا، أو التراجع الديمقراطي في أوروبا وأميركا اللاتينية، أو الحكم العسكري في بورما، أو قمع الحركات المؤيدة للديمقراطية من هونغ كونغ إلى بيلاروسيا، فإن أحدهم ينتهي به الأمر إلى طرح صيغة ما من السؤال نفسه: هل ما يزال العمل اللاعنفي فعالًا؟
ونستمع إلى هذه النقاشات بقلق متزايد، لأن كلتينا أمضت جزءًا كبيرًا من حياتها المهنية في دراسة العمل اللاعنفي الاستراتيجي وتعليمه ودعمه، وفق المقاربة التي طورها جين شارب وواصل تطويرها باحثون وممارسون في أنحاء العالم. ونواجه بصورة متزايدة ليس فقط شكوكًا بشأن ملاءمة العمل اللاعنفي لحملات بعينها، بل شكوكًا في المقاربة نفسها وما إذا كانت لا تزال ذات صلة بالواقع السياسي الراهن.
وخلال ربع القرن الماضي، حتى في الحالات التي نجحت فيها التعبئة الجماهيرية في إسقاط قادة، واجه كثير من هذه الحركات لاحقًا صعوبة في تحقيق مكاسب ديمقراطية دائمة. وقد حل التشكيك محل التفاؤل الذي رافق «الثورات الملونة» وانتفاضات الربيع العربي وغيرها من الحركات الشعبية. فثورة الورود في جورجيا عام 2003، والثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004، وانتفاضات عام 2011 التي أطاحت بحكام ظلوا في السلطة طويلًا في تونس ومصر، عُدّت في وقت من الأوقات دليلًا على نجاح الفكرة؛ لكن عددًا من تلك البلدان نفسها شهد منذ ذلك الحين تراجعًا أو عودة إلى شكل آخر من الحكم السلطوي.
وهذه الشكوك مفهومة. فالديمقراطية تتعرض للضغط في أنحاء العالم، وأصبحت الحكومات السلطوية أكثر تطورًا. وقد غيرت المراقبة الرقمية والمعلومات المضللة وأشكال القمع الجديدة البيئة التي تعمل فيها الحركات. وفي الوقت نفسه، لا تزيد أحدث الأبحاث إلا من قوة هذا الانطباع. فبحسب تقرير الديمقراطية لعام 2026 الصادر عن معهد «في-ديم»، تراجعت الديمقراطية إلى مستويات شوهدت آخر مرة عام 1978، ما أدى فعليًا إلى محو مكاسب «الموجة الثالثة» من التحول الديمقراطي.[1] واليوم يعيش ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان العالم تحت حكم سلطوي.
وبالنسبة إلى بعضهم، تبدو الخلاصة واضحة: لقد أصبح العمل اللاعنفي متقادمًا. تعلمت الحكومات السلطوية الكثير، وغيرت التكنولوجيا ميزان القوى. العالم تغير. لكننا نعتقد أن هذا التشخيص يخلط بين الأعراض والسبب الكامن.
فحقيقة أن كثيرًا من الحركات المعاصرة لم تحقق التوقعات لا تثبت أن النظرية الأساسية للنضال اللاعنفي قد فشلت. بل تكشف عن فجوة في الابتكار: ففي حين استثمرت الأنظمة السلطوية بكثافة في التكيف مع البيئة السياسية المتغيرة، لم يتطور مجال العمل اللاعنفي بوتيرة مماثلة. والنتيجة ليست فشل النضال اللاعنفي الاستراتيجي بوصفه أسلوبًا، بل نتيجة اتساع الفجوة بين الحركات والخصوم الذين تسعى إلى تحديهم.
وهذا التمييز مهم. فإذا خلص الناس إلى أن العمل اللاعنفي لم يعد يقدم طريقًا واقعيًا للتغيير السياسي، فلن يبقى أمامهم سوى بديلين: الاستسلام أو العنف. ولا يقدم أي منهما أسبابًا كثيرة للتفاؤل. وفي الوقت نفسه، سيكون من الصعب أيضًا تبرير قبول فعالية العنف. فالنضالات المسلحة وحركات التمرد والتدخلات العسكرية نادرًا ما تحقق أهدافها السياسية، حتى عندما نتجاوز الكلفة البشرية المصاحبة لها، وغالبًا ما تترك المجتمعات أكثر انقسامًا وسلطوية وعدم استقرار مما كانت عليه من قبل.
لذلك لا يتمثل التحدي في التخلي عن النضال اللاعنفي، بل في تحسينه. وهنا نقدم حجتنا في أربع خطوات: تشخيص الجوانب التي تخلّف فيها النموذج الحالي للعمل اللاعنفي، ومواجهة الانجذاب نحو العنف الذي تنتجه هذه الفجوة بصورة مباشرة، وتصحيح الطريقة التي نقيس بها النجاح نفسه، وتحديد ما يحتاج إليه مجال حديث ومطور كي يُبنى.
أزمة ثقة
لم ينشأ الاعتقاد بأن العمل اللاعنفي لم يعد فعالًا من فراغ. فقد وثق الباحثون انخفاضًا في معدلات نجاح الحملات اللاعنفية ذات المطالب القصوى منذ عام 2010 مقارنة بالعقود السابقة.[2] كما يعبر الناشطون أنفسهم بصورة متزايدة عن إحباطهم من أن المظاهرات الكبيرة تجذب اهتمامًا عامًا هائلًا، لكنها لا تحقق سوى مكاسب سياسية ملموسة قليلة. وكثيرًا ما تجد الحركات القادرة على حشد مئات الآلاف من الناس نفسها عاجزة عن تحويل الغضب الشعبي إلى تحولات دائمة في القوة السياسية. وهذه الإحباطات حقيقية، وتستحق أن تؤخذ بجدية.
لكنها تدفع أيضًا إلى طرح سؤال مهم: إذا كانت الحركات تصبح أقل نجاحًا، فما الذي تغير تحديدًا؟ هل كانت النظرية الأساسية معيبة منذ البداية، أم أن النظرية لا تزال سليمة إلى حد كبير، لكن تطبيقها لم يواكب الواقع السياسي المتغير؟ نعتقد أن الأدلة تشير بصورة ساحقة إلى التفسير الثاني.
لم يكن العمل اللاعنفي الاستراتيجي مرادفًا للاحتجاج وحده في أي وقت. فقد خصص جين شارب اهتمامًا محدودًا نسبيًا للمظاهرات مقارنة باهتمامه الواسع بالتخطيط الاستراتيجي، وبناء المؤسسات، وعدم التعاون، وتحليل القوة، وهي عناصر كان يعدها أساسية لنجاح النضال. وكان الاحتجاج مجرد واحد من نحو مئتي أسلوب من أساليب العمل اللاعنفي التي حددها، وغالبًا لم يكن أكثرها تأثيرًا.
والأهم أن شارب ظل يجادل باستمرار بأن النضال اللاعنفي ينبغي أن يُفهم بوصفه مجالًا متطورًا للممارسة الاستراتيجية، لا عقيدة ثابتة. وبعيدًا عن تقديم نظرية مكتملة، شدد مرارًا على أن الأجيال المقبلة ستحتاج إلى صقلها واختبارها وتحسينها استجابة للظروف المتغيرة.[3]
ومن المفارقات أن قدرًا كبيرًا من النشاط المعاصر قد اختزل هذا التقليد الاستراتيجي الغني إلى أكثر تعبيراته التكتيكية وضوحًا: المظاهرات الجماهيرية. ويستحق هذا الاتجاه الفحص المباشر، لأنه يفسر قدرًا أكبر من أزمة الثقة الحالية مما يفسره أي تغير في تكتيكات الأنظمة السلطوية.
الاحتجاج ليس استراتيجية
أصبحت حركات اليوم بارعة بصورة استثنائية في تعبئة الاحتجاج العام. فقد خفض الاتصال الرقمي بصورة كبيرة تكلفة تنظيم المظاهرات وجذب اهتمام وسائل الإعلام.[4] وخلال ساعات، يمكن لآلاف، بل لملايين، أن يتجمعوا في ساحات عامة حول العالم. لكن ما لم يتوسع بالوتيرة نفسها هو القدرة الاستراتيجية اللازمة لتحويل التعبئة إلى حركات مستدامة وقادرة على الصمود وتحقيق المكاسب والدفاع عنها.
وتستثمر كثير من الحركات اليوم بكثافة في الاتصالات، في انعكاس لاتجاه أوسع نحو تأطير التحديات الاستراتيجية باعتبارها مشكلات اتصال. وفي عصر تهيمن عليه الوسائط الرقمية، أصبح الافتراض القائل إن تغيير السردية سيغير ميزان القوة في حد ذاته أكثر تأثيرًا. وكثيرًا ما عكس الدعم الدولي للحركات هذا التركيز، إذ أعطى الأولوية للاتصالات على حساب العمل الأبطأ والأقل ظهورًا في التخطيط الاستراتيجي وبناء القدرة التنظيمية.
والنتيجة أن الحركات تتفوق في توليد الظهور، لكنها تواجه صعوبة في تحديد المؤسسات التي تسند قوة الخصم، والكيفية التي يمكن بها إضعاف ركائز الدعم تلك، وكيف ينبغي تنفيذ الحملات على مدى أشهر أو سنوات بدلًا من أيام أو أسابيع.
وربما الأهم أن الحركات تقلد بصورة متزايدة ما تلتقطه الكاميرات بدلًا مما يحقق التغيير السياسي فعليًا. فصور الشوارع المكتظة تستحوذ على خيال الناس. لكن العمل الحاسم يجري غالبًا في أماكن أخرى: في التخطيط خلف الكواليس، والتدريب على تطوير الانضباط الداخلي، والجهود المبذولة لكسب الحلفاء، وأساليب أخرى مثل عدم التعاون الاقتصادي، وبناء مؤسسات بديلة قادرة على الحفاظ على المقاومة على مدى فترات طويلة.
ونادرًا ما تكون هذه الأبعاد من النضال مرئية للمراقبين من الخارج. ونتيجة لذلك، تعيد الحركات غالبًا إنتاج المظهر الخارجي للحملات الناجحة، بينما تتجاهل البنية الاستراتيجية التي جعلت تلك الحملات فعالة. وتكون النتيجة احتجاجات في الشوارع من دون قدر كافٍ من النفوذ الاستراتيجي.
وهذا لا يعني أن الظهور لا يهم أبدًا. فقد أدت المقاطع المصورة التي انتشرت على نطاق واسع عام 2025، وتظهر عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأميركية وهم يطرحون المارة أرضًا ويحتجزون مواطنين أميركيين، عملًا حقيقيًا: فقد ساعدت على إطلاق موجة من الدعاوى القضائية من جانب مدن تسعى إلى الحد من سلطة الإنفاذ الفدرالية، ودفعت بعض الولايات القضائية إلى مطالبة العناصر بالتوقف عن تغطية وجوههم.
ويمكن للتوثيق أن يغير رأي النخب ويفتح جبهات قانونية لم تكن لتوجد من دونه. لكن النقطة أضيق من ذلك: الانتشار الواسع ليس استراتيجية في حد ذاته. فالمقاطع التي تنتشر من دون وجود منظمة في موقع يسمح لها بتحويل الغضب الناتج إلى دعاوى قضائية أو تشريعات أو عدم تعاون ستتلاشى بالسرعة نفسها التي انتشرت بها.
وفي الوقت نفسه، كان السلطويون يتعلمون
إذا لم تكن الحركات قد تطورت بالسرعة الكافية، فإن الأنظمة السلطوية فعلت ذلك بالتأكيد. فكثير من الحكومات السلطوية تدرس اليوم الحركات اللاعنفية الناجحة بصورة منهجية، وقد عدلت استجاباتها تبعًا لذلك.
وقد اعترف التفكير العسكري الروسي صراحة بالأهمية الاستراتيجية المتزايدة للأشكال غير العسكرية من الصراع. ففي عام 2013، كتب الجنرال فاليري غيراسيموف أن «قواعد الحرب نفسها قد تغيرت»، وأن «دور الوسائل غير العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية قد ازداد».[5]
ومن نتائج هذا الفهم الموسع لديناميات النضال اللاعنفي لدى السلطويين أنهم باتوا يدركون أن استخدامهم للقمع العنيف كثيرًا ما يرتد عليهم، إذ يقوي المعارضة من خلال إثارة الغضب الشعبي والتعاطف الدولي، ويدفع بعض أفراد قوات الأمن والمسؤولين الحكوميين إلى الانشقاق.
وبدلًا من الاعتماد أساسًا على القمع الجماعي، يستخدم السلطويون بصورة متزايدة ما يصفه الباحثون بـ«القمع الذكي»: الاعتقالات الانتقائية، والمضايقات القانونية، والضغط المالي، والمراقبة الرقمية، والمعلومات المضللة عبر الإنترنت، والاختراق، والعنف المحسوب بعناية والمصمم لتفتيت الحركات من دون توليد رد فعل شعبي واسع.[6]
وأصبح الصبر سلاحًا بحد ذاته. وعلى نحو متزايد، لم تعد الحكومات بحاجة إلى المخاطرة بحملة قمع دراماتيكية إذا كان في استطاعتها ببساطة الصمود مدة أطول من الحركة، من خلال معايرة الضغط على الأفراد عبر الملاحقات القضائية، وحظر السفر، وتجميد الأصول، والضغط على أفراد الأسرة الذين ما زالوا داخل البلاد وما شابه ذلك، بحيث يصبح الإرهاق، لا الهزيمة، هو الذي ينهي الحملة.
وتمثل هونغ كونغ المثال الأوضح. فبعد احتجاجات عام 2019، لم تكن بكين بحاجة إلى عنف جماعي لإغلاق المجال؛ إذ تولى قانون الأمن القومي لعام 2020 وتشريع المادة 23 من القانون الأساسي لعام 2024 هذه المهمة، من خلال الملاحقات القضائية، والإغلاق القسري لأكثر من مئة منظمة مجتمع مدني ونقابة، وموجة من هجرة المنظمين الذين خلصوا، عن حق، إلى أن الحكومة مستعدة للانتظار سنوات لا أسابيع حتى تستنزفهم.
والحركة المبنية لتحمل مواجهة حاسمة ليست بالضرورة مبنية لتحمل حصار يمتد خمس سنوات ويستهدف بضع مئات من القضايا الفردية. وهذه مشكلة من نوع مختلف يجب على المجال معالجتها، وليست أقل إلحاحًا من المشكلة التي يخلقها القمع العنيف.
كما سرعت التقنيات الناشئة هذا التحول. فقد خفض الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجوه ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وأنظمة المراقبة المتطورة بصورة كبيرة تكاليف تحديد هوية الناشطين، ورسم خرائط شبكاتهم، وتعطيل العمل الجماعي قبل أن يصل إلى الكتلة الحرجة.
وتزداد هذه القدرات طابعًا عابرًا للحدود. فحركات المعارضة اليوم لا تعمل ضد أجهزة الأمن المحلية فقط، بل ضد منظومة من بائعي تقنيات المراقبة، ومشغلي التضليل، والوسطاء الماليين الذين يستطيع خصوم الحركة، عمليًا، استئجار خدماتهم بالشهر. كما يلاحق المنظمون المنفيون عبر الحدود.[7]
وأصبحت الاعتقالات الاستباقية، الموقوتة لتعطيل التعبئة قبل أن تتماسك، سمة روتينية في أساليب الدولة السلطوية بدلًا من أن تكون استثناءً.
ولا تبطل هذه الابتكارات الديناميات الأساسية للنضال اللاعنفي. لكنها تغير البيئة التي تعمل فيها تلك الديناميات. وكما تتطور الاستراتيجية العسكرية استجابة للتغيرات في ساحة المعركة، يتعين على الحركات الديمقراطية أن تفعل الشيء نفسه.
وهذا التكيف ليس تكتيكيًا فقط. بل يتعلق بصورة متزايدة بما يحدث لانضباط المقاومة اللاعنفية عندما يقرر النظام أن قمع من يمثلون تحديًا خطيرًا له، بما في ذلك بأشكاله الأكثر تطورًا، هو كلفة مقبولة وضرورية للبقاء في السلطة.
الانجذاب نحو السلاح
هناك صيغة من هذه الحجة لم نقدمها مباشرة بعد، وهي الصيغة التي نسمعها بإلحاح أكبر من المنظمين الشباب أنفسهم: ماذا يحدث عندما يصطدم المنطق الأخلاقي للانضباط اللاعنفي بالتجربة اليومية للقمع العنيف الذي تمارسه الدولة؟
تقدم بورما أوضح إجابة حديثة، وليست إجابة مريحة.
عندما استولى الجيش البورمي على السلطة في فبراير/شباط 2021، جاءت الاستجابة في صورة واحدة من أكثر حركات العصيان المدني تطورًا في الذاكرة الحديثة. فقد ترك موظفو الخدمة المدنية وظائفهم وشلوا البيروقراطية. ورفض موظفو البنوك معالجة المعاملات، ما أدى إلى تجميد قدرة المجلس العسكري على الوصول إلى الإيرادات. وانضم عمال صناعة الملابس وموظفو السكك الحديد والعاملون في القطاع الطبي إلى إضراب عام جعل البلاد، لفترة من الزمن، شبه غير قابلة للحكم من خلال عدم التعاون وحده.
كانت تلك استراتيجية على طريقة شارب، نُفذت بدرجة حقيقية من التطور، وقد نجحت لأشهر.
ثم صعّد المجلس العسكري. ففتحت قوات الأمن النار على الحشود السلمية، وقتلت مئات المحتجين خلال الأشهر الأولى من الحملة، ثم ارتفع العدد في نهاية المطاف إلى الآلاف. وفي عام 2024، فرض النظام التجنيد الإجباري على الرجال والنساء في العشرينيات من العمر، ومنذ ذلك الحين أُجبر عشرات الآلاف من الشباب الذين أمضوا عام 2021 على خطوط الاعتصام على ارتداء الزي العسكري أو الفرار لتجنب التجنيد.
وأمام جيش مستعد لقتل المضربين العزل في الشوارع ثم تجنيد الناجين، خلص عدد كبير من الشباب الذين بنوا حركة العصيان المدني إلى أن الانضباط اللاعنفي ترف لم يعودوا قادرين على تحمله. وعبر كثيرون إلى مناطق تسيطر عليها منظمات عرقية مسلحة للحصول على تدريب على السلاح، ثم عادوا مقاتلين في قوات الدفاع الشعبي المتحالفة مع حكومة الوحدة الوطنية الموازية.
وسيكون من غير الصادق إلقاء محاضرات عن الانضباط اللاعنفي على أشخاص يشاهدون أصدقاءهم يموتون في الشوارع. ومنطقهم ليس غير عقلاني: فعندما تكون الدولة قد قررت بالفعل الرد على عدم التعاون بالرصاص، يمكن أن يبدو التمسك بمقاربة لاعنفية أمرًا مستحيلًا. ونحن نفهم لماذا خلص كثيرون إلى أن المقاومة المسلحة هي الطريق الوحيد المتبقي.
لكن الحجة الاستراتيجية ضد هذا الاستنتاج، مهما كانت غير مريحة، لا تزال تستحق أن تُطرح. فالتمرد المسلح هو تحديدًا النتيجة التي يأمل المخططون السلطويون في استفزازها، لأنه يمنحهم ما يحرمهم منه عدم التعاون اللاعنفي الجماهيري: مبررًا لفرض الأحكام العرفية، وإطار «الإرهاب» الذي يبدد التعاطف الدولي، وساحة معركة تصبح فيها أفضلية الدولة في السلاح والعدد ذات قيمة أخيرًا.
كما أنه يضيّق الائتلاف. فبمجرد أن تنتقل الحركة إلى العمل السري وتحمل البنادق، تتحول حركة كانت قائمة على مشاركة موظفي الخدمة المدنية والمتقاعدين والرهبان والمدرسين إلى حركة من الشبان، أي قاعدة أصغر بكثير للدفاع عن انتقال ديمقراطي من القاعدة التي بنت الإضراب الأصلي.
وبعد خمس سنوات من المقاومة المسلحة في بورما، استولت المنظمات العرقية المسلحة وقوات الدفاع الشعبي بالفعل على أراضٍ حقيقية من المجلس العسكري، لكن البلاد لم تقترب بصورة قابلة للقياس من تسوية ديمقراطية، فيما تستمر الكلفة البشرية في حرب أهلية لا تملك نقطة نهاية واضحة في الارتفاع.
واتبعت سوريا مسارًا مشابهًا بعد عام 2011: حركة احتجاجية واسعة القاعدة ولاعنفية إلى حد كبير، واجهت تصاعدًا في عنف النظام، ثم عسْكرت نفسها خلال عام، فلم تنتج التحرر بل أكثر من عقد إضافي من الحرب والتهجير الجماعي، وفي النهاية نتيجة سلطوية مختلفة عما قصده أي من الطرفين.
وتؤكد البيانات ذلك. فقد وجدت الدراسة المرجعية لإيريكا تشينويث وماريا ستيفان عن حملات المقاومة الكبرى بين عامي 1900 و2006 أن الحملات اللاعنفية نجحت في 53 في المئة من الحالات، مقارنة بـ26 في المئة للحملات العنيفة.[8]
وتصبح فجوة النجاح أوسع حتى بعد ذلك. فالبلدان التي انتصرت فيها حملة لاعنفية كانت لديها، بعد خمس سنوات، فرصة تقارب 40 في المئة لأن تكون ديمقراطية؛ أما في البلدان التي انتصر فيها تمرد مسلح، فكانت الاحتمالات أقل من 5 في المئة. وكانت التحولات اللاعنفية أقل بكثير أيضًا احتمالًا للعودة إلى الحرب الأهلية خلال عقد.
ويتمثل جزء من التفسير في الكلفة. فالحملة المسلحة تحتاج إلى أسلحة وخطوط إمداد ومقاتلين مستعدين للمخاطرة بالموت في القتال، وهو ما يحصر المشاركة في نواة ضيقة، معظمها من الشباب والرجال، شديدة الالتزام.
أما الحملة اللاعنفية فتطلب من الناس التغيب عن العمل، أو إغلاق طريق، أو رفض معالجة معاملة رسمية، وهي عتبة أقل بكثير سمحت لحركة العصيان المدني في بورما خلال أسابيعها الأولى بجذب القضاة وموظفي البنوك والجدات إلى جانب الطلاب.
وهذه الفجوة في المشاركة ليست تفصيلًا عرضيًا في النتيجة؛ إذ تجد أبحاث تشينويث أن المشاركة الجماهيرية هي أقوى مؤشر منفرد على نجاح الحملة، وهي تحديدًا ما يُضحّى به في اللحظة التي تنتقل فيها الحركة إلى العنف بوصفه وسيلتها لتحقيق التغيير.
ونحن لا نقرأ هذا النمط بوصفه دليلًا على أن العمل اللاعنفي يفشل بمجرد أن يصبح القمع قاتلًا. بل نقرأه بوصفه أوضح تجسيد لفجوة الابتكار التي نكتب عنها.
فالحركات التي تواجه هذا المستوى من العنف لا تختار بين العمل اللاعنفي والنضال المسلح في الفراغ. بل تختار بين تقليد استراتيجي لا يقدم لها، في حالته الحالية، سوى قليل من الإرشاد العملي لتنظيم نفسها تحت التجنيد الإجباري والقتل الجماعي، وبين بديل مسلح يمنحها، في الحد الأدنى، شعورًا بالقدرة على الفعل.
والنداءات الأخلاقية في هذا السياق غير مناسبة. وما يلزم لمنع هذا التحول هو شيء أكثر عملية. وحتى يحدث ذلك، سيواصل تصاعد القمع دفع الناس من خطوط الاعتصام إلى خطوط الجبهة.
إعادة التفكير في النجاح
تعكس أزمة الثقة الراهنة أيضًا الطريقة التي نحكم بها على نتائج النضال اللاعنفي. فكثيرًا ما يقيّم المراقبون هذه الحملات وفق معايير لن يطبقوها قط على النزاعات العنيفة.
فعندما يطيح تمرد مسلح بديكتاتورية، ثم ينتج سنوات من عدم الاستقرار أو عودة السلطوية، لا يخلص سوى قليلين إلى أن العنف نفسه قد دُحض بذلك. فنحن ندرك أن النزاعات تتطور على فترات طويلة، وأن الانتصارات كثيرًا ما تكون جزئية، وأن المكاسب السياسية تحتاج إلى دفاع مستمر.
ويستحق النضال اللاعنفي المعيار التحليلي نفسه. فكثير من الحملات تنجح في تحقيق أهدافها المباشرة، لكنها تعجز عن إحداث ترسيخ ديمقراطي على المدى الطويل. وتحقق أخرى مكاسب تدريجية تصبح أساسًا لمكاسب لاحقة.
فالانتقال الديمقراطي عملية مستمرة، وتحتاج المؤسسات إلى دفاع متواصل طويلًا بعد أي اختراق أولي. واعتبار أي شيء أقل من تحول ديمقراطي كامل فشلًا يحجب إنجازات استراتيجية حقيقية، ويعزز التشاؤم الشعبي بلا داعٍ.
ويرتبط بذلك إطار متمحور حول القائد يعامل تغيير النظام بوصفه النتيجة الوحيدة التي يمكن التعرف عليها. لكن معظم النضالات المعاصرة لا تنطبق عليها هذه الصورة.
فهي تدافع عن الفضاء الديمقراطي ضد التراجع، وتحمي نتائج الانتخابات من المؤسسات المستولى عليها، أو تمنع تمرير قوانين سيئة وتجبر الحكومات على التراجع عن سياسات. كما تفتح مجالًا سياسيًا أمام ائتلافات لم يكن لها أن تتشكل لولا ذلك.
وكل واحدة من هذه نتائج سياسية حقيقية، لكن أيًا منها لا تنتج صورة رجل قوي يغادر القصر. ولذلك تُصنف كلها في خانة «لا نتيجة».
وهناك تشوه مرتبط بالزمن أيضًا. فقد استغرقت حركة حق النساء في التصويت في الولايات المتحدة سبعين عامًا. واستغرق إنهاء الفصل العنصري عقودًا. وكانت حركة الحقوق المدنية الأميركية مشروعًا استمر قرنًا وشمل مراحل متعددة ومتميزة.
أما الحركات المعاصرة، فيُتوقع منها غالبًا تحقيق تحول منهجي في دورة انتخابية واحدة، ويُدرَّب المشاركون فيها، من خلال دورات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، على اعتبار أي حملة لم تنجح بالكامل خلال اثني عشر شهرًا حملة فاشلة.
وهذا معيار لم تكن الحركات التي درسها شارب لتنجح فيه قط.
وتوضح بيلاروسيا البعد الزمني بحدة. فقد سُحقت الاحتجاجات الجماهيرية التي أعقبت انتخابات عام 2020 المتنازع عليها، وسُجن الآلاف، ولا يزال ألكسندر لوكاشينكو في السلطة بعد ست سنوات.
وبحسب معيار الدورة الواحدة، تبدو تلك الحملة فشلًا صريحًا. لكن شبكات «أوقفوا الصرصور» وثقافة المقاومة الساخرة التي بنتها حملة 2020 لم تختفِ؛ بل انتقلت إلى العمل السري، وحافظت على مؤسسات المعارضة في المنفى، وتوثيق الانتهاكات، وقاعدة من الهوية المدنية لم تستطع حكومة قمعية محضة القضاء عليها تمامًا.
ولا يمكن معرفة مسبقًا ما إذا كانت هذه القدرة الكامنة ستعود يومًا للظهور بوصفها حملة مفتوحة للتغيير السياسي، وهذه هي النقطة تحديدًا: فالحكم عليها بالموت والدفن بعد ست سنوات يخبرنا عن نفاد صبرنا أكثر مما يخبرنا عن مسار الحملة النهائي.
وربما الأهم أننا نواجه صعوبة مع السيناريو المضاد للواقع. فنحن نقيس الحركات مقارنة بالمكان الذي كنا نأمل أن نصل إليه، لا بالمكان الذي كنا سنكون فيه لولا وجودها.
وكل ما تمنعه الحركة، من قانون أسوأ لم يمر، إلى محاولة انقلاب لم تنجح، إلى تعديل دستوري تعطل، يظل غير مرئي في التقييم. فالوقاية غير مرئية.
كما يشوه هذا القياس عملية التعلم. فكثيرًا ما تفشل الحركات في توثيق نجاحاتها الخاصة، في حين يستخلص المراقبون دروسًا مبسطة من حلقات شديدة الظهور.
وتستمر أسطورة الثورة العفوية لأن التخطيط والتدريب والتكيف الاستراتيجي والتطوير التنظيمي تظل في معظمها غير مرئية من الخارج. ولذلك يبدأ كل جيل جديد من الصفر بدلًا من البناء بصورة منهجية على الخبرات المتراكمة، ولا تُوثق الدروس المستفادة ولا تُتبادل بين المناطق.
النجاح الذي نتجاهله
لننظر في ثلاث حلقات حديثة نادرًا ما تُحسب بوصفها انتصارات، لأن أيًا منها لم ينتهِ بموكب رجل قوي يغادر القصر على الهواء مباشرة.
في غواتيمالا، بعدما فاز برناردو أريفالو في الانتخابات الرئاسية لعام 2023 على أساس برنامج لمكافحة الفساد، أمضى مدعون متحالفون مع الحكومة المنتهية ولايتها أشهرًا وهم يحاولون إلغاء النتائج.[9]
وردت السلطات الأصلية، بقيادة القيادة التقليدية لثمانية وأربعين كانتونًا في توتونيكابان، لا باحتجاج واحد، بل بمئة يوم من إغلاق الطرق السريعة، وإغلاق أكثر من مئة طريق على مستوى البلاد، واعتصام متواصل ليلًا ونهارًا أمام مكتب المدعي العام.
ولم تكن هناك مسيرة حاسمة واحدة. بل كان هناك عدم تعاون مستدام جعل البلاد غير قابلة للحكم إلى أن انهارت محاولة إلغاء النتائج.
وأدى أريفالو اليمين، متأخرًا ساعات، في يناير/كانون الثاني 2024. ولا تزال المجتمعات التي نفذت الحملة تشعر بالإحباط لأن انتصارها لم يمنحها مقعدًا على طاولة الحكومة. والأمران صحيحان معًا: أُحبط انقلاب، ولم يُعالج الإقصاء الذي كان وراءه.
وفي الهند، بعدما أقرت الحكومة في سبتمبر/أيلول 2020 ثلاثة قوانين لإلغاء القيود التنظيمية هددت بتدمير مجتمعات زراعية، أمضى مئات الآلاف من المزارعين أكثر من عام في مخيمات على الطرق المؤدية إلى دلهي، يغلقون خطوط الإمداد بدلًا من السير في مسيرات عبر العاصمة.
وحاولت الحكومة إنهاك المزارعين بالانتظار، لكنها لم تستطع. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ألغى رئيس الوزراء ناريندرا مودي القوانين الثلاثة كلها، وهي نتيجة اعتقد عدد قليل من المحللين أن حكومة تمتلك أغلبية مريحة قد تقبل بها.[10]
وبينما نكتب هذه المقالة، نجح حزب جانتا الصرصور، وهو حركة شبابية لمكافحة الفساد، في إجبار وزير التعليم في البلاد على الاستقالة باستخدام الفكاهة، والإضرابات عن الطعام، والمظاهرات الجماهيرية، وهو انتصار كبير آخر على الحزب الحاكم.
وفي بوليفيا، عندما قاد جنرال متمرد دبابات إلى الساحة الرئيسية في لاباز، حيث يقع القصر الرئاسي والكونغرس الوطني، لم تفشل محاولة انقلاب يونيو/حزيران 2024 لأنها هُزمت في معركة.[11]
بل فشلت لأن السياسيين المتنافسين، والجمهور، وقسمًا كبيرًا من الجيش نفسه، رفضوا خلال ثلاث ساعات التعامل معها بوصفها شرعية أو تقديم التعاون الذي كانت تحتاج إليه.
وكان جين شارب يجادل منذ زمن بأن الانقلابات ليست أحداثًا منفردة، بل عمليات سياسية يعتمد نجاحها على الحصول على طاعة المؤسسات الرئيسية وتعاونها.[12]
وبدلًا من إسقاط حكومة، كان ما تحقق في بوليفيا هو الحفاظ على نظام ديمقراطي قبل أن يتمكن الانقلاب من ترسيخ نفسه. وهذا نوع من الانتصارات نادرًا ما يدخل السرد الشعبي للمقاومة المدنية لأن شيئًا لم ينتقل بصورة مرئية من يد إلى أخرى.
ولم تقدم أي من هذه الحالات القصة البسيطة التي تدرب العالم على البحث عنها. لكن الحالات الثلاث كلها غيّرت ميزان القوة.
فغواتيمالا منعت إلغاء انتخابات. والهند أجبرت الحكومة على التراجع عن سياسة رئيسية. ومؤسسات بوليفيا رفضت في الوقت الحقيقي المصادقة على انقلاب.
فإذا كان النجاح يتطلب سقوط نظام، فلا شيء من هذا يُحسب. أما إذا كان النجاح يعني نقلًا قابلًا للقياس للقوة بعيدًا عن أولئك الذين يسيئون استخدامها، فإن كل هذه الحالات تُحسب نجاحًا.
جيل جديد من الاستراتيجية اللاعنفية
لا تكمن الإجابة في التعامل مع عمل جين شارب بوصفه عقيدة مكتملة، ولا في التخلي عن المنطق الاستراتيجي للنضال اللاعنفي. بل تكمن في مواصلة تطوير المجال الذي ساعد على تأسيسه.
وتظل الفكرة الجوهرية بلا تغيير: القوة السياسية لا تزال تعتمد على تعاون المؤسسات والسكان، وحتى الحكومات شديدة القمع تظل معرضة للضعف عندما يُسحب ذلك التعاون بصورة استراتيجية.
وكأي مجال من مجالات الممارسة الاستراتيجية، يجب أن يتطور العمل اللاعنفي استجابة للواقع السياسي المتغير. وهذا يعني فهم الكيفية التي أعاد بها تكيف السلطويين تشكيل البيئة الاستراتيجية، وتوثيق النجاحات والإخفاقات بصورة أكثر منهجية، وتبادل الابتكارات عبر السياقات، وتطوير أدوات تدريب عملية، وجعل عقود من المعرفة المتراكمة أكثر سهولة في الوصول إليها مما تسمح به الأدبيات الأكاديمية الكثيفة أو دراسات الحالة المنعزلة حاليًا.
ولا يتطلب أي من هذا انتظار نظرية موحدة كبرى. بل يتطلب قائمة قصيرة من الاستثمارات الملموسة التي تستطيع منظمات دعم الحركات والمؤسسات الأكاديمية وهيئات التمويل البدء بها الآن.
وتبرز عدة أولويات:
الأولوية الأولى هي تطوير استجابات منهجية للقمع الذكي. فيجب أن تصبح المعرفة بالأمن الرقمي مهارة تنظيمية أساسية، لا إضافة متخصصة. وعلى الحركات أن تخطط صراحة للاعتقال الاستباقي للمنظمين الأساسيين، وأن تعد موجات قيادة بديلة قبل نزول القمع، وأن تدرس تكيفات الخصم بالجدية نفسها التي يدرس بها الخصوم تكيفاتنا. لقد أصبحت لدى «كتيبات» السلطويين ميزانيات للبحث، ونحن بحاجة إلى الشيء نفسه.
الأولوية الثانية هي التحول المتعمد بعيدًا عن الإفراط في الاعتماد على المظاهرات. فالمسيرات مفيدة، لكنها غير كافية.
وكانت التكتيكات الحاسمة استراتيجيًا في معظم الحملات الناجحة الحديثة أشكالًا من عدم التعاون، اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، تفرض كلفة مستمرة على طريقة ممارسة الخصم للسلطة؛ مثل المزارعين الهنود الذين قطعوا طرق الإمداد إلى دلهي، وحواجز الطرق في غواتيمالا التي شلت التجارة.[13]
وتحتاج الحركات إلى إعادة بناء قدرتها على التنظيم داخل جماعات وقطاعات مختلفة، من بينها العمال وموظفو الخدمة المدنية والشركات والمجتمعات الدينية، لأن هذا هو المكان الذي توجد فيه ركائز الدعم فعليًا.
وإذا كانت لدينا ملاحظة واحدة هي الأهم، فهي هذه: مشكلة «الاحتجاج ليس استراتيجية» التي وصفناها سابقًا ليست مسألة جانبية، بل العقبة المركزية التي تقف بين التعبئة والقوة.
وتعتمد فعالية استراتيجيات عدم التعاون على السياق. فعندما تستهدف هذه الاستراتيجيات قوات الأمن، مثلًا، قد تعمل بصورة مختلفة في البلدان التي يكون فيها الجنود مجندين إجباريًا منخفضي الأجر وينحدرون من المجتمعات نفسها التي ينتمي إليها المقاومون، مقارنة بالبلدان التي تكون فيها القوات شديدة الاحتراف ومندمجة بعمق في النظام الحاكم.
ولذلك يبدأ التخطيط الاستراتيجي لا باختيار التكتيكات، بل بتحليل مواضع النفوذ والضغط الموجودة فعلًا.
الأولوية الثالثة هي بناء مؤسسات بديلة. وتمثل لجان المقاومة في السودان، وهي شبكة فضفاضة من مجموعات أحياء صغيرة تشكلت في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي بعد أن قمع نظام عمر البشير بعنف احتجاجًا كبيرًا، ولا تزال نشطة حتى اليوم، واحدة من أهم الابتكارات المؤسسية في المقاومة المدنية الحديثة.[14]
فهي لم تكن مجرد هيئات لتنسيق الاحتجاج، بل هياكل حكم موازية تدير الخدمات وتفصل في النزاعات.
والحركات التي تبني شبكات المساعدة المتبادلة، والمدارس، ووسائل الإعلام البديلة، وهياكل الدفاع المجتمعي تكون في وضع أفضل بكثير للحفاظ على النضالات الطويلة والبقاء في مواجهة القمع.
وينبغي دمج هذا التقليد، الذي يستند إلى البرنامج البنّاء لغاندي وتشديد إيلا بيكر على التنظيم المجتمعي، بصورة كاملة في الطريقة التي يعلّم بها مجال العمل اللاعنفي الاستراتيجي مفهوم الاستراتيجية.[15]
وينبغي لكل حملة أن تترك وراءها قدرة تنظيمية لم تكن موجودة قبلها.
ويجري عمل بنّاء مشابه في أماكن أخرى: فشبكات المساعدة المتبادلة والدفاع القانوني التي يقودها الجيل «زد» في كينيا ونشأت من احتجاجات مشروع قانون المالية لعام 2024، والمطابخ المجتمعية والعيادات المجانية التي أسهمت في الحفاظ على حركة «أراغالايا» في سريلانكا عام 2022، بنت جميعها بنية تنظيمية استمرت بعد الاحتجاجات التي أوجدتها.
الأولوية الرابعة هي استثمار جدي في التعلم بين الحركات. ففي احتجاجات بلغراد في مارس/آذار 2025، مثلًا، بنى المنظمون الطلاب نظام أمان بسيطًا ضمن خطتهم الأمنية للمساعدة على الحفاظ على الانضباط اللاعنفي للحركة.
وكان مراقبو الطلاب يرتدون سترات صفراء لتمييزهم بوصفهم مسؤولين عن حفظ النظام وسط الحشد، ويحملون معهم مشاعل دخان زرقاء. وإذا اندلع عنف أو اخترق الاحتجاج محرضون، كان المراقبون يشعلون الدخان الأزرق، وينزعون ستراتهم، ويغادرون التجمع، في إشارة فورية إلى الجميع، من دون الحاجة إلى ميكروفون، بأن الوقت قد حان للعودة إلى المنازل.
وهذا مثال صغير على نمط أكبر بكثير: ابتكارات تكتيكية محلية تحل مشكلات تواجهها كل حركة في نهاية المطاف، لكنها لا تغادر البلد الذي طُورت فيه.
فكل حركة اليوم تعيد ابتكار أساليب الانضباط ومواجهة الاختراق والتنسيق اللامركزي ومكافحة التضليل، لأنه لا توجد بنية تحتية كافية لنقل ما ينجح من تجربة إلى أخرى.
وقد يكون بناء هذه البنية التحتية الاستثمار الأعلى تأثيرًا الذي يستطيع المجال القيام به.
الأولوية الخامسة هي التدريب والتعلم التجريبي. وهذا يختلف عن التعلم بين الحركات، الذي يتعلق بنقل ما اكتشفته الحركات الأخرى بالفعل.
أما التدريب، فيتعلق بمنح المنظمين أنفسهم ممارسة متكررة منخفضة المخاطر تساعدهم على تطوير الحكم تحت الضغط.
فالعمل اللاعنفي ممارسة، والممارسات تُتعلم من خلال القيام بها. لكن الأخطاء في هذا المجال تحمل تكاليف شخصية وسياسية كارثية، كما أن النموذج الحالي للتدريب الذي يعتمد على خبراء خارجيين لا يمكن توسيعه لتلبية الطلب العالمي.
وما يحتاج إليه المجال بإلحاح هو أدوات تسمح للحركات بالتدرب بأمان: المحاكاة، وتمارين الطاولة، والتدريب على السيناريوهات، وورش العمل التي يقودها النظراء، والموارد الرقمية التي تستطيع الجماعات استخدامها من دون الاعتماد على خبراء من الخارج.
وهذه الأولويات الخمس ليست متتابعة، وليست مرتبة بحسب الأهمية. فالحركات التي تنتظر بناء مؤسسات بديلة إلى أن تتقن الأمن الرقمي، أو تؤجل التعلم بين الحركات حتى توجد بنية تدريب رسمية، ستنتظر إلى أجل غير مسمى.
وفي الممارسة العملية، يميل التقدم في أي واحد منها إلى الاعتماد على التقدم في الأخرى.
ويقوم وراء كل ذلك ادعاء أوسع: ينبغي التعامل مع مجال المقاومة المدنية بوصفه نظامًا بيئيًا ينبغي بناؤه، لا مجموعة عقائد ينبغي نقلها.
وهذا يعني الاستثمار في النسيج الرابط: بنية التوثيق، وأدوات التدريب، وشبكات النظراء التي تسمح لدرس متعلم من نضال ما بأن يصل إلى النضال التالي في الوقت المناسب لكي يصنع فرقًا.
وهذا هو عمل منظمات مثل مؤسسة ألبرت أينشتاين، ومركز أبحاث الصراع اللاعنفي، وكانفاس، وغيرها من الجهات العاملة على المستويات الإقليمية.
وهو أيضًا عمل الحركات نفسها، التي تحتاج إلى التعامل مع توثيق تجاربها بوصفه عملًا استراتيجيًا، لا إلهاء عن «العمل الحقيقي».
وهو كذلك عمل الممولين، الذين يحتاجون إلى دعم أجزاء المجال التي لا تبدو جذابة في الصور، لكنها في نهاية المطاف المكان الذي تتطور فيه القوة وتُمارس.
وفي التطبيق، يعني ذلك ممولي حقوق الإنسان والديمقراطية، ودوائر العطاء في الشتات، والعدد الصغير من صناديق المنح التشاركية، حيث يكون للمتأثرين بالقضية دور في تقرير ما يحصل على التمويل، والتي بدأت بالفعل تجربة تقديم دعم سريع ومنخفض الظهور لبناء القدرات والعمل التعليمي.
والأهم من كل ذلك أن على الناشطين إعادة اكتشاف أن النضال اللاعنفي الفعال لا يُعرّف بحجم المظاهرات، بل بقدرته على تغيير ميزان القوة.
وتشير الابتكارات الحديثة بالفعل إلى هذا المستقبل. فأنظمة الإشارات المبتكرة التي استخدمها الطلاب الصرب للحفاظ على الانضباط خلال الاحتجاجات، والممارسات الجديدة للأمن الرقمي، والأساليب الجديدة للتنظيم اللامركزي، كلها تظهر أن الحركات تواصل الابتكار.
وخلال احتجاجات عام 2020، نظم البيلاروسيون شبكات «دردشة الأفنية»، وهي قنوات تلغرام شديدة المحلية بُنيت حول أفنية مبانٍ سكنية منفردة بدلًا من هيكل قيادة مركزي، بحيث لا تكون هناك قيادة يمكن اعتقالها.
وخلال ثورة السودان عام 2019، على سبيل المثال، أنشأ المحتجون في اعتصام الخرطوم نقاط تفتيش خاصة بهم عند المداخل، حيث كان المتطوعون يفتشون الداخلين بحثًا عن الأسلحة، ويشترطون تزكية شخصية للمساعدة في كشف المتسللين، وهي تدابير أثبتت أهميتها الحاسمة في الحفاظ على الانضباط اللاعنفي في مواجهة محاولات استفزاز رد عنيف.
لكن مثل هذه الابتكارات كثيرًا ما تبقى معزولة بدل أن تصبح جزءًا من جسم مشترك من المعرفة الاستراتيجية.[16]
وإذا كان للديمقراطية أن تحافظ على قدرتها على الصمود في قرن يتجه بصورة متزايدة نحو السلطوية، فيجب أن يتغير ذلك.
فالجيل المقبل من النضال اللاعنفي لن ينجح بتكرار تكتيكات الجيل السابق. بل سينجح من خلال التعامل مع المقاومة المدنية بالروح نفسها التي قادت دائمًا أعظم تطوراتها: الملاحظة الدقيقة، والتعلم المنهجي، والتكيف المتواصل، وتبادل ما يتم تعلمه.
فالعمل اللاعنفي ليس مجرد مجموعة من الأساليب أو فلسفة للاحتجاج. إنه، ويجب أن يبقى، تكنولوجيا متطورة للصراع السياسي.
..........................................



اضف تعليق