يناقش المقال تطور الهوية الوطنية العراقية منذ تأسيس الدولة الحديثة، ويرى أن فرض الهويات القومية والمذهبية أسهم في إقصاء مكونات وتعميق الانقسامات. ويستعرض تحولات العهد الملكي والجمهوري والبعثي وما بعد 2003، مؤكدًا أن بناء دولة مستقرة يتطلب هوية عراقية جامعة، ودستورًا يمثل المواطنين جميعًا، ودولة تقف على مسافة واحدة...

في عام ١٩٣٣، قبل أشهر من رحيله، كتب الملك فيصل الأول مذكرةً سرية إلى نخبة من رجال دولته، نشرها لاحقًا المؤرخ عبد الرزاق الحسني في «تاريخ الوزارات العراقية»، واعترف فيها الملك بما لم يجرؤ حاكم عراقي بعده على قوله علنًا: «أقول وقلبي ملآن أسىً إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد». وبعد قرابة قرن، ما زال السؤال الذي طرحه فيصل معلقًا: كيف تُصنع أمة من بلد يجمع العرب والكرد والتركمان، والشيعة والسنة والمسيحيين والإيزيديين والصابئة؟

لم يكن التنوع في ذاته مشكلة العراق، بل كانت المشكلة أن الدولة وُلدت بقرار من خارجها، لا بإرادة أهلها. فقد جاءت بريطانيا بملكٍ من الحجاز لا تربطه بالعراق جذور، وكان ملكًا مخلوعًا طرده الفرنسيون من عرش سوريا بعد معركة ميسلون.

ولأن رابطة المواطنة لا تجمعه بالعراقيين، لم يجد ما يبرر به حكمه إلا الرابطة القومية؛ فإذا كان العراق قطعة من أمة عربية واحدة، صار حكم ابن الحجاز له أمرًا طبيعيًا. ولهذا أحاط نفسه بالضباط الشريفيين كنوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي. وهؤلاء عراقيون بالمولد، خدموا معه في الثورة العربية وفي دمشق، لكن ولاءهم كان للمشروع القومي لا للعراق بتنوعه.

وكان أغلبهم من العرب السنة، فغاب الشيعة عن النخبة الحاكمة، وهم أغلبية السكان، وغاب الكرد. أما ساطع الحصري، وهو سوري الأصل، يمني المولد، عثماني النشأة، لا يجيد العربية كما يجيد التركية، فقد قفز من القارب العثماني الغارق إلى قارب فيصل، ورافقه من دمشق إلى العراق، حيث كان البريطانيون يمسكون بالدفة.

ومنحه الملك مهمة صياغة المناهج التعليمية، فكان همّه فيها أن يجعل من العراق قطعة من الأمة العربية، وليس ذلك بغريب، فهو في ركاب ملك حجازي يبحث عن حجة دامغة تبرر حكمه لبلد غير بلده، وكان على الحصري إيجاد هذه الحجة، فصار الكردي والتركماني يتعلمان تاريخًا لا يجدان فيه نفسيهما. ولعل مذكرة فيصل كانت اعترافًا متأخرًا بأن هذه الوصفة لم تصنع شعبًا.

ولم تكن الجمهورية التي قامت عام ١٩٥٨ قطيعة مع هذا المسار إلا لحظة قصيرة. فقد رفع عبد الكريم قاسم شعار «العراق أولًا»، وأعاد الملا مصطفى البارزاني من منفاه. ونص دستوره المؤقت على أن العرب والكرد شركاء في هذا الوطن، في اعتراف لم يسبقه إليه دستور عراقي.

غير أن الفكر القومي المتشدد الذي غرسته مناهج الحصري في جيل كامل من الضباط والمثقفين لم يغفر لقاسم أنه قدّم العراق على الأمة. فحين رفض الانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة بقيادة عبد الناصر، رأى فيه القوميون والبعثيون خائنًا لقضية الوحدة.

فتآمر عليه رفيقه عبد السلام عارف، وتمرّد عليه ضباط قوميون في الموصل عام ١٩٥٩، وحاول البعثيون اغتياله في العام نفسه، حتى أطاحوا به وأعدموه في انقلاب شباط ١٩٦٣. وأغلق سقوطه الباب الوحيد الذي انفتح لفكرة الوطنية العراقية الجامعة. ثم تسلّم عبد السلام عارف الرئاسة، فعاد القالب القومي أشد صرامة، ومعه نزعة طائفية عُرف بها الرجل ولم يُخفها. فانحصرت المناصب العليا في دائرة ضيقة من العرب السنة، وأُقصي الشيعة عن مواقع القرار.

وجاءت قرارات التأميم عام ١٩٦٤ لتضرب طبقة التجار التي كان للشيعة فيها ثقل كبير. وجعل عارف الوحدة مع مصر غايته، فنص دستوره المؤقت عام ١٩٦٤ على أن الشعب العراقي جزء من الأمة العربية وأن الوحدة هدفه، واستأنف الحرب على الكرد. وحين قُتل في حادث طائرة عام ١٩٦٦ وخلفه أخوه عبد الرحمن، بدا العهد أهدأ وأقل تصلبًا. ووقّعت حكومة عبد الرحمن البزاز بيانًا يعترف بالحقوق القومية للكرد، لكنه بقي بلا تنفيذ، إذ لم يملك الرئيس الضعيف قوة إمضائه، حتى أطاح به البعث في تموز ١٩٦٨.

وجاء البعث فحوّل الإقصاء الثقافي إلى سياسة دولة مسلحة. فنقض بيان آذار ١٩٧٠ الذي اعترف بالحكم الذاتي للكرد، وأطلق بعد عام ١٩٧٥ حملة تعريب واسعة في كركوك رحّل فيها آلاف العوائل الكردية والتركمانية. ثم بلغ ذروته الدموية في حملة الأنفال وقصف حلبجة بالسلاح الكيمياوي عام ١٩٨٨. وبعد انتفاضة ١٩٩١ قمع المدن الشيعية بالدبابات والإعدامات الجماعية، وجفف الأهوار لتُمحى معها حضارة عمرها آلاف السنين.

ولم يقتصر الإقصاء على القومية، بل امتد إلى المعتقد. فقد منع النظام مسيرة الأربعين، وحين أصرّ عليها الزائرون في شباط ١٩٧٧ واجههم بالرصاص، فارتقى منهم شهداء في ما عُرف بانتفاضة صفر. وحين تخلّى البعث عن علمانيته وأطلق «الحملة الإيمانية» عام ١٩٩٣، لم يكن الدين الذي لبسه دين العراقيين بتنوعهم، بل صيغة واحدة منه فُرضت على الجميع.

فكان الأذان في الإعلام الرسمي يُرفع بالصيغة السنية وحدها في بلد أغلبه من الشيعة. وحُرم غير المسلمين من أي وسيلة إعلام حرة أو مستقلة تعبّر عنهم، فما سُمح به كان تحت إشراف الحزب ورقابته. وأبرزت المناهج الدراسية شخصيات تاريخية يقف منها الشيعة موقفًا نقديًا حادًا، وقدّمتها رموزًا للعظمة يُترضّى عليها.

فكان التلميذ الشيعي يتعلم في المدرسة ما يناقض ما يتعلمه في بيته.

والدولة التي تريد أن تكون قوية لا تُقحم نفسها في دوائر الجدل العقدي بين مكوّناتها، بل تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتقدّم خدماتها لهم دون تمييز. وهذا ما لم يعرفه العراق حتى عام ٢٠٠٣؛ إذ ظل دولة أيديولوجية تريد صهر مواطنيها في قالبها، لا دولة خدمة تتسع لهم جميعًا.

بعد سقوط النظام، اعترف دستور ٢٠٠٥ في مادته الثالثة بما أنكرته الدولة منذ تأسيسها: أن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب. واعتمد النظام الاتحادي، وجعل الكردية لغة رسمية، وانفتحت أمام العراقيين مساحة حرية دينية لم يعرفوها من قبل. فعادت الشعائر تُقام علنًا حتى صارت زيارة الأربعين تستقطب الملايين، وصار لكل مكوّن إعلامه الذي ينطق بلغته.

وجاءت الشراكة في الحكم، أو ما يُعرف بالمحاصصة، لتنهي لأول مرة احتكار مكوّن واحد للسلطة، وتُدخل إلى قلب القرار من أُقصوا عنه عقودًا، وتضمن لكل مكوّن مقعدًا على طاولة الحكم. لكن قوى سياسية ما زالت ترفض هذه الصيغة، وتحنّ إلى زمن الحصري وعارف والبعث، حين كان الحكم حكرًا على دائرة ضيقة، وتعمل بلا كلل لاستعادته. وتجد هذه القوى سندًا لدى دول خليجية وعربية، لم تدرك بعد أن العراق لن يتخطى محنته الممتدة قرنًا ما لم تتغير الفكرة التي قامت عليها دولته. فقد قيل للعراقيين قرنًا كاملًا إن بلدهم قطعة من أمة أكبر منه، والحقيقة أن العراق أمة قائمة بذاتها، لها تاريخ أعمق وأرسخ من تاريخ الأمة العربية نفسها.

فعلى هذه الأرض اخترع السومريون الكتابة في الوركاء قبل أكثر من خمسة آلاف عام، وقامت أكد وبابل وآشور. وسنّ حمورابي شريعته قبل نحو أربعة آلاف عام، يوم لم يكن للعرب بعدُ كيان سياسي جامع. ثم جاء الإسلام فكانت الكوفة وبغداد قلب حضارته قرونًا.

والعروبة في هذا التاريخ الطويل فصل من فصوله، لكنها ليست الكتاب كله. ومتى أدرك العراقيون، مواطنين ونخبًا ثقافية وسياسية، أن بلدهم أمة لا ملحق بأمة، وجد فيه العربي والكردي والتركماني والآشوري، والشيعي والسني والمسيحي والإيزيدي والصابئي، نفسه. فهذا التاريخ ملك لهم جميعًا، لا لمكوّن دون آخر. والهوية العراقية بهذا المعنى لا تُلغي انتماء أحد، بل تتسع للجميع، وهي وحدها القادرة على أن تجمع ما فرّقته الهويات المفروضة.

لقد جرّب العراق قبل ٢٠٠٣ الوصفات الخاطئة كلها: الهوية القومية المفروضة في العهد الملكي، ثم القومية المشوبة بالطائفية في عهد عارف، ثم القبضة الأمنية والقالب المذهبي الواحد في عهد البعث. وكانت النتيجة في كل مرة دولة تشعر أغلب مكوّناتها بأنها مهددة أو مغبونة.

وطريق الخروج لا يبدأ بتغيير الوجوه الحاكمة، بل بدستور يصنعه الشعب لا الحاكم، ودولة تقف على مسافة واحدة من الجميع. أما جواب سؤال فيصل، فلن يأتي من فكرة تُفرض على العراقيين، بل منهم حين يدركون أنهم أمة واحدة يتسع تاريخها لهم جميعًا. وما لم يدركوا ذلك، سيبقى السؤال معلقًا قرنًا آخر، وسنبقى نراوح في مكاننا.

اضف تعليق