يرصد المقال خريطة القوة في العراق بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، موضحًا أن مركزية الدولة لا تتطلب إلغاء تعدد المؤسسات الأمنية، بل توحيد مرجعية القرار والقيادة والتمويل والمحاسبة. ويحلل تداخل السلاح بالسياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، اختبار مرحلة ما بعد 30 سبتمبر يتمثل في قدرة المؤسسات الدستورية على احتكار قرار...
لم يؤد انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في 30 سبتمبر/أيلول 2026 إلى إغلاق ملف السيادة بقدر ما نقل مركزه من الوجود العسكري الأجنبي إلى بنية القوة داخل الدولة العراقية. فقد اكتمل الانسحاب الأميركي وانتهت المهمة التي بدأت في إطار الحرب على تنظيم داعش، وأصبحت المؤسسات العراقية أمام مسؤولية أمنية وسياسية أكثر مباشرة، فيما تزامن ذلك مع إعلان حكومي جديد يجعل الأول من أكتوبر بداية لمعالجة السلاح خارج سيطرة الدولة، ضمن خارطة طريق لا تتجاوز 30 يونيو/حزيران 2027. وهكذا انتقلت مرحلة ما بعد 30 سبتمبر سريعًا من ملف إخراج القوة الأجنبية إلى ملف تنظيم القوة العراقية نفسها.
هذه النقلة تمثل امتدادًا مباشرًا لما انتهى إليه المقال الأول من السلسلة؛ إذ إن اكتمال الانسحاب لا يعني اكتمال السيادة تلقائيًا، لأن السيادة لا تقاس فقط بغياب القوات الأجنبية، وإنما بقدرة المؤسسات الدستورية على إدارة الأمن والحدود والعلاقات الخارجية، وعلى امتلاك القرار النهائي في استخدام القوة. ومن هنا تصبح خريطة القوة في العراق المدخل الضروري لفهم المرحلة الجديدة، ليس بهدف تصنيف القوى إلى شرعية وغير شرعية بصورة مسبقة، وإنما لتحديد الفارق بين تعدد المؤسسات الذي يمكن أن تستوعبه الدولة، وتعدد مراكز القرار الذي يمكن أن يحد من قدرتها على العمل بوصفها سلطة مركزية.
القوة أبعد من امتلاك السلاح
يختزل النقاش العراقي في أحيان كثيرة في عبارة «حصر السلاح بيد الدولة»، مع أن السلاح يمثل جانبًا واحدًا من بنية القوة. فالمؤسسة العسكرية قد تمتلك آلاف المقاتلين وكميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة من دون أن تشكل مركزًا مستقلًا للقوة إذا كانت قيادتها وتمويلها وتحركاتها وعملياتها خاضعة للسلطة الدستورية. وفي المقابل، يمكن لتشكيل أصغر حجمًا أن يمتلك تأثيرًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا إذا احتفظ باستقلال نسبي في التمويل والقيادة والعلاقات الخارجية واتخاذ القرار الميداني.
لهذا تتكون القوة الفعلية من عناصر متداخلة تشمل السلاح، والقيادة، والتمويل، والقدرة على الحركة، والنفوذ السياسي، والامتداد الاقتصادي، والعلاقات الخارجية، ثم تأتي في القمة سلطة اتخاذ قرار استخدام القوة. وكلما اجتمعت هذه العناصر داخل المؤسسات الرسمية ازدادت مركزية الدولة، وكلما توزعت بين مراكز مستقلة أصبحت الدولة أمام مستويات متفاوتة من ازدواج القرار حتى لو كانت معظم القوى المعنية تتمتع بوضع قانوني أو سياسي داخل النظام.
ويحدد الدستور العراقي الإطار العام لهذه المسألة من خلال إخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لقيادة السلطة المدنية، ومنع تشكيل ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، فضلًا عن جعل سياسة الأمن الوطني وإنشاء القوات المسلحة وإدارتها ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية. وفي الوقت نفسه يعترف النظام الاتحادي بصلاحيات إقليم كردستان في تنظيم قوى الأمن الداخلي وحرس الإقليم. وبذلك لا يشترط النظام الدستوري وجود تشكيل عسكري أو أمني واحد، وإنما يقوم جوهره على خضوع تعدد المؤسسات لقواعد دستورية تحدد اختصاصاتها ومكانها في الدولة.
ومن هنا يظهر الفارق الأساسي بين -تعدد أدوات القوة وتعدد مصادر القرار-. فالأول يمكن أن يكون طبيعيًا داخل دولة اتحادية حديثة تتوزع فيها المهمات بين الجيش والشرطة والأجهزة المتخصصة وقوات الإقليم، أما الثاني فينشأ عندما تصبح هناك جهات متعددة تمتلك بصورة مستقلة القدرة على تحديد توقيت استخدام القوة وأهدافها وحدودها.
خريطة أمنية تشكلت في مراحل مختلفة
لا تمثل المنظومة الأمنية العراقية بناءً نشأ في لحظة واحدة، بل هي حصيلة أكثر من عقدين من الحروب والتحولات السياسية والأزمات الداخلية والإقليمية. فالجيش العراقي ووزارة الداخلية والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب وأجهزة الاستخبارات والأمن والحشد الشعبي والبيشمركة وغيرها من المؤسسات تشكلت أو أعيد تشكيلها في سياقات مختلفة، ثم تراكمت أدوارها مع تغير طبيعة التهديدات التي واجهتها البلاد.
وقد أدى ظهور تنظيم داعش عام 2014 وانهيار قطاعات من المنظومة الأمنية آنذاك إلى تحول كبير في هذه الخريطة. نشأ الحشد الشعبي في سياق التعبئة الواسعة لمواجهة التنظيم، ثم جرى تثبيت وضعه القانوني عام 2016 باعتباره جزءًا من القوات المسلحة العراقية ومرتبطًا بالقائد العام للقوات المسلحة. ولذلك فإن الحشد، بوضعه القانوني، ليس قوة تقع خارج الدولة، وهو تمييز أساسي ينبغي الحفاظ عليه عند تناول ملف السلاح. الإشكالية ترتبط بدرجة خضوع جميع التشكيلات والقوى المسلحة، بما فيها الجماعات التي تحتفظ بهويات تنظيمية وسياسية خاصة، لسلسلة القيادة الرسمية وللقرار العملياتي للدولة.
وينطبق قدر من هذا التمييز على قوات البيشمركة، مع اختلاف أساسها القانوني والدستوري. فوجود قوات أمن وحرس للإقليم يستند إلى النظام الاتحادي الذي أقره الدستور، بينما تتعلق المسألة المركزية بمدى التنسيق بينها وبين الحكومة الاتحادية في الدفاع عن البلاد وإدارة المناطق ذات الوضع الأمني المعقد وتبادل المعلومات ومواجهة التهديدات العابرة لحدود الإقليم. وقد برز خلال السنوات الأخيرة اتجاه نحو توسيع التنسيق المؤسسي بين بغداد وأربيل، وهو مسار يبين أن وحدة القرار السيادي لا تستلزم بالضرورة إلغاء التعدد المؤسسي.
وتكشف هذه الخريطة أن بناء الدولة المركزية في العراق لا يعني دمج كل القوى في تشكيل واحد، بل إنشاء منظومة تجعل مؤسسات القوة المختلفة أجزاءً من بنية وطنية تستطيع القيادة السياسية الدستورية توجيهها ومحاسبتها ومنع أي منها من العمل بصورة مستقلة في المسائل السيادية.
الفارق بين الوضع القانوني والقدرة الفعلية
يظل الاعتراف القانوني بالمؤسسة خطوة أساسية، لكنه لا يكفي وحده لقياس مستوى مركزية القوة. فالقانون يحدد موقع المؤسسة في هيكل الدولة، بينما تكشف الممارسة اليومية مستوى اندماجها الفعلي في منظومة القيادة والتمويل والمحاسبة.
وهذا التمييز مهم بصورة خاصة في الحالة العراقية بسبب التداخل بين الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة رسمية وبين الفصائل والجماعات التي تمتلك تاريخًا تنظيميًا وسياسيًا خاصًا، وبعضها يعمل داخل منظومة الحشد أو يرتبط بها، في حين تحتفظ جماعات أخرى بقدر من الاستقلال. لذلك لا تعكس عبارة «نزع سلاح الحشد» طبيعة المسار الحكومي المعلن، لأن الحكومة تتعامل مع الحشد باعتباره مؤسسة من مؤسسات القوات المسلحة، بينما يتركز مشروع حصر السلاح على إخضاع القوة المسلحة وقرار استخدامها لسلطة الدولة.
وقد أصبح هذا التمييز أكثر وضوحًا في خطاب الحكومة بعد 30 سبتمبر. ففي الأول من أكتوبر أعلن رئيس الوزراء علي الزيدي أن المرحلة الجديدة تستهدف «السلاح خارج سيطرة الدولة»، وربط العملية بالاستحقاقات الدستورية وبحصر قرار الحرب والسلم في السلطات الدستورية، وحدد 30 يونيو/حزيران 2027 سقفًا زمنيًا لخارطة الطريق. وفي المقابل، أعلنت بعض الفصائل المتمسكة بسلاحها أنها لا تعتبر نفسها ملزمة بتوقيتات حكومية أو سياسية، فيما نقلت وكالة فرانس برس عن مصدر حكومي أن المعالجة تحتاج إلى وقت وبناء ثقة لتجنب مواجهة مباشرة بين الفصائل والقوات العراقية.
وهذه التطورات تجعل الاختبار المقبل مؤسسيًا أكثر منه شكليًا. فالمعيار لا يتوقف عند إدراج المقاتلين في قوائم رسمية أو دفع رواتبهم من الموازنة، وإنما يمتد إلى الجهة التي تصدر الأوامر العملياتية، وقدرة القيادة العامة على منع التحرك أو إيقافه، وخضوع المخازن والأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة والصواريخ والتمويل لمنظومة الدولة، فضلًا عن إمكانية المحاسبة عند مخالفة الأوامر.
انتهاء الوجود العسكري غيّر بيئة السلاح
مثل الوجود العسكري الأميركي خلال السنوات الماضية أحد المبررات الرئيسية التي استندت إليها الفصائل المسلحة في الدفاع عن استمرار سلاحها ونشاطها العسكري، إذ ربطت تلك القوى وجودها بمقاومة القوات الأجنبية وبحماية السيادة العراقية. وبعد هزيمة داعش نهاية عام 2017 تصاعدت المواجهة بين بعض الفصائل وقوات التحالف، وشهدت السنوات التالية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وردودًا عسكرية أميركية استهدفت مواقع وقادة في تلك الجماعات.
أدى اكتمال الانسحاب في 30 سبتمبر إلى تغيير أحد العناصر الأساسية التي حكمت هذه المعادلة. فالحكومة تعتبر أن انتهاء مهمة التحالف يزيل مبررًا رئيسيًا للاحتفاظ بسلاح مستقل، بينما احتفت إيران وقوى متحالفة معها بخروج القوات الأميركية وعدته تحولًا استراتيجيًا. وأظهرت المواقف الصادرة عن بعض الفصائل في الوقت نفسه أن النقاش لم ينته بخروج القوات، إذ انتقل جانب منه إلى الحديث عن استمرار النفوذ الأميركي السياسي والاقتصادي والمالي.
هذا التحول بالغ الأهمية بالنسبة إلى مشروع الدولة. فالوجود العسكري قابل للتحديد مكانيًا وزمنيًا، أما مفهوم النفوذ الخارجي فهو أوسع بكثير، ولا تكاد دولة حديثة تخلو من أشكال متعددة منه عبر الاقتصاد والتجارة والاستثمار والعلاقات المالية والدبلوماسية والتحالفات الدولية. ولذلك يؤدي الانتقال من اشتراط إنهاء الوجود العسكري إلى اشتراط إنهاء النفوذ إلى جعل مسألة السلاح مرتبطة بمعيار مفتوح يصعب تحديد نهايته.
وتصبح وظيفة الدولة هنا إدارة النفوذ الخارجي عبر السياسة والمؤسسات، لا السماح بتحوله إلى مصدر مستقل للقرار العسكري الداخلي. فالسيادة لا تعني عزل العراق عن القوى الدولية والإقليمية، وإنما امتلاك مؤسساته القدرة على تنظيم علاقاته معها بحيث تمر القرارات السيادية عبر الدولة نفسها.
قرار الحرب والسلم هو مركز القضية
يقدم خطاب الحكومة بعد 30 سبتمبر تطورًا مهمًا في تعريف المشكلة؛ إذ لم يقتصر على جمع الأسلحة، بل ربط حصر السلاح مباشرة بقرار الحرب والسلم. وهذا الانتقال يجعل مفهوم الدولة أكثر وضوحًا، لأن الأسلحة الموجودة داخل المؤسسات الرسمية لا تمثل مشكلة في حد ذاتها مهما بلغت قوتها، طالما بقي قرار استخدامها خاضعًا لقيادة دستورية واحدة.
وتظهر أهمية هذا المعيار بصورة خاصة في بيئة إقليمية شديدة التوتر. فأي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية على هدف خارجي يمكن أن يؤدي إلى رد عسكري داخل العراق، ويؤثر في الاقتصاد والطاقة والعلاقات الدبلوماسية وأمن المواطنين، حتى لو لم تتخذ الحكومة قرار الهجوم أصلًا. وعند هذه النقطة يتحول استقلال القرار العسكري لجماعة داخلية من مسألة تنظيمية إلى مسألة سيادية تمس الدولة كلها.
وقد أكد رئيس الوزراء في إعلانه الأخير أن خارطة الطريق تأتي تنفيذًا للمبدأ الدستوري المتعلق بقرار الحرب والسلم ومنع الأعمال العسكرية المخالفة لذلك. كما كان قد تحدث قبل أسابيع عن فترة أولية مدتها 90 يومًا لا تهاجم خلالها الفصائل ولا تتعرض لهجمات أميركية، في محاولة لتهيئة بيئة تساعد على معالجة السلاح من دون انزلاق إلى مواجهة داخلية.
وعليه يصبح المعيار الأعلى لمركزية الدولة هو، احتكار القرار النهائي باستخدام القوة باسم العراق. ويمكن للدولة أن تستوعب مؤسسات عسكرية متعددة، لكنها تفقد جزءًا من قدرتها السيادية عندما تستطيع جهة داخل أراضيها إدخال البلاد في مواجهة عسكرية من دون موافقة المؤسسات الدستورية.
القوة السياسية امتداد للقوة المسلحة
ازدادت خريطة القوة العراقية تعقيدًا لأن عددًا من الجماعات المسلحة لم يبق في المجال العسكري وحده، بل أصبح مرتبطًا بأحزاب وقوى سياسية تمتلك تمثيلًا في البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة. وهذا التحول جعل العلاقة بين السلاح والسياسة أكثر تركيبًا من نموذج الميليشيا التقليدي المنفصل عن النظام السياسي.
ولا يعني النشاط السياسي للقوى المرتبطة تاريخيًا بالفصائل وجود مشكلة في ذاته، فالعمل السياسي والانتخابي حق تنظمه القوانين، لكن الإشكالية تظهر عندما تتداخل الأدوات السياسية مع القدرة المسلحة بحيث يصبح الطرف نفسه قادرًا على المشاركة في صناعة القرار الرسمي والاحتفاظ في الوقت ذاته بأداة قوة لا تخضع بالكامل للقرار الذي تصنعه المؤسسات.
ولهذا يكتسب الفصل بين النشاط الحزبي والعمل العسكري أهمية خاصة في أي مسار لإعادة تنظيم القوة. فالدولة تستطيع استيعاب التيارات السياسية المتنافسة مهما اختلفت توجهاتها، بينما يصبح الجمع بين المنافسة السياسية وامتلاك وسائل إكراه مستقلة عاملًا يخل بتوازن المجال السياسي، لأن الأطراف لا تعود تتنافس بالأدوات نفسها.
ويجعل ذلك عملية حصر السلاح أوسع من مجرد تسليم الأسلحة. فهي تشمل إعادة تعريف علاقة المقاتل بالتنظيم السياسي، وعلاقة التشكيل المسلح بالقيادة العامة، وضبط الموارد والتمويل، وإزالة التداخل بين المؤسسة العسكرية والعمل الحزبي، ثم بناء ضمانات تجعل الانتقال إلى النشاط السياسي والمؤسسي مستدامًا.
اقتصاد القوة جزء من مركزية الدولة
لا تستطيع أي قوة مسلحة المحافظة على استقلالها من دون موارد. ومن هنا يمثل الاقتصاد البعد الأقل ظهورًا والأكثر أهمية في الوقت نفسه داخل خريطة القوة. فالتمويل والرواتب والشركات والعقود والمنافذ والأنشطة التجارية يمكن أن تتحول إلى مصادر نفوذ تتيح لمؤسسات أو شبكات سياسية وأمنية المحافظة على قدر من الاستقلال عن المركز.
ولهذا فإن إعادة تنظيم القوة تحتاج إلى مسار مالي واقتصادي موازٍ للمسار الأمني. فخضوع الرواتب للموازنة لا يكفي إذا استمرت موارد أخرى خارج الرقابة، كما أن إدراج تشكيل عسكري ضمن مؤسسة رسمية لا يضمن اندماجه الكامل إذا بقي قادرًا على تمويل جزء من نشاطه بصورة مستقلة.
وتتسع هذه القضية عندما ننظر إلى الاقتصاد العراقي نفسه. فالدولة تعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الموازنة، بينما ترتبط حركة الدولار وعائدات النفط وترتيباتها المالية بعلاقات مؤسسية وثيقة مع النظام المالي الأميركي. وأظهر تقرير لرويترز نشر بالتزامن مع الانسحاب أن مغادرة القوات الأميركية لا تنهي النفوذ الأميركي في البنية المالية المرتبطة بعائدات النفط والدولار، بما يكشف أن السيادة الاقتصادية تمثل مستوى مختلفًا عن السيادة العسكرية.
وهذه المسألة تستحق معالجة مستقلة في مرحلة لاحقة من السلسلة؛ لأن الدولة المركزية لا تقوم على احتكار السلاح وحده. القدرة على إدارة الموارد العامة والسيطرة على المنافذ والتمويل والنظام المصرفي تمثل جزءًا من قدرتها على منع ظهور مراكز قوة مستقلة، سواء كانت مسلحة أم سياسية أم اقتصادية.
إيران والعامل الإقليمي في بنية القوة
تشكل العلاقة بين إيران وبعض الفصائل العراقية جزءًا أساسيًا من البيئة التي تتحرك فيها عملية حصر السلاح، مع ضرورة تجنب اختزال جميع القوى العراقية في علاقتها بطهران. فهذه الفصائل تختلف في نشأتها وقواعدها وقياداتها ومصالحها المحلية ودرجة ارتباطها بإيران، ولا يمكن التعامل معها بوصفها كتلة واحدة.
مع ذلك، تبقى البيئة الإقليمية عاملًا مؤثرًا. فقد نقلت وكالة فرانس برس عن مسؤولين عراقيين قولهم إن مسؤولين إيرانيين أبلغوا بغداد برفض تسليم الفصائل أسلحتها في ظل استمرار الحرب الإقليمية. كما نقلت عن محللين أن التوصل إلى تسوية بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يقلل الحاجة الإيرانية إلى القدرات التي توفرها الجماعات المسلحة المتحالفة معها في العراق. هذه تقديرات ومواقف منسوبة إلى أصحابها وليست حقائق حتمية بشأن سلوك الفصائل، لكنها توضح مدى تداخل الملف الداخلي مع الصراع الإقليمي.
وقد ازدادت حساسية هذا العامل مع استمرار التوتر الأميركي ـ الإيراني؛ إذ أفادت رويترز في الأول من أكتوبر بأن طهران تستعد لاحتمال رد أشد إذا تعرضت لهجمات أميركية جديدة، مع إبقاء قنوات دبلوماسية مفتوحة. وهذا يعني أن بغداد تبدأ مشروع إعادة تنظيم القوة في لحظة لم ينته فيها الصراع الإقليمي الذي منح بعض التشكيلات المسلحة وظيفة ردعية تتجاوز الحدود العراقية.
وتضع هذه البيئة الدولة العراقية أمام مهمة مزدوجة: تجنب تحويل العراق إلى ساحة للصراع بين واشنطن وطهران، ومنع تحول علاقات أي قوة داخلية مع الخارج إلى مصدر مستقل لقرار استخدام القوة. ويشكل النجاح في هذه المهمة انتقالًا من سياسة موازنة القوى الخارجية داخل العراق إلى إدارة العلاقات الخارجية من خلال الدولة العراقية.
الانسحاب الأميركي وتحول أدوات النفوذ
لا يعني انتهاء الوجود العسكري الأميركي انتهاء العلاقة بين بغداد وواشنطن. فقد انتهت مهمة عسكرية طويلة، لكن العلاقات الأمنية والاستخبارية والاقتصادية والمالية ستستمر بأشكال أخرى، وأشارت رويترز إلى استمرار التعاون في التدريب والمعلومات بعد الانسحاب. ولذلك يتغير شكل الحضور الأميركي أكثر مما تختفي الولايات المتحدة من المعادلة العراقية.
وهذه النقلة قد تمنح العراق فرصة لإعادة تعريف علاقته بالولايات المتحدة على أساس أكثر اعتيادية بين دولتين، بحيث تتراجع الوظيفة العسكرية المباشرة وتتقدم العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية المؤسسية. وفي الوقت نفسه ستبقى أدوات ضغط ونفوذ أميركية مهمة، ولا سيما في النظام المالي والدولار والعقوبات والعلاقات التجارية.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين النفوذ والسيادة. فوجود نفوذ أميركي أو إيراني أو تركي أو خليجي لا يعني تلقائيًا فقدان السيادة، لأن الدول تتأثر ببعضها بعضًا بصورة مستمرة. الخلل يظهر عندما يتحول النفوذ الخارجي إلى قدرة على تجاوز المؤسسات الوطنية أو عندما ترتبط به قوى داخلية تستطيع اتخاذ قرارات سيادية مستقلة عن الدولة.
ومن ثم لا تقاس مرحلة ما بعد 30 سبتمبر بمقدار ابتعاد العراق عن دولة معينة، بل بمدى انتقال علاقاته الخارجية إلى قنوات مؤسساتية تكون الحكومة والدولة من خلالها الطرف العراقي الرئيسي في التعامل مع الخارج.
البيشمركة ونموذج التعدد المنظم
تمثل قوات البيشمركة حالة مهمة في فهم الفرق بين تعدد المؤسسات وتعدد السيادة. فالنظام الاتحادي العراقي يمنح إقليم كردستان صلاحيات أمنية داخلية، ولذلك يستند وجود قوات الإقليم إلى إطار دستوري يختلف عن وضع الجماعات المسلحة التي تعمل خارج هذا الإطار.
ولا يعني ذلك غياب المشكلات المتعلقة بالتنسيق والتمويل والانتشار والمناطق المتنازع عليها، لكنها مشكلات يمكن التعامل معها من خلال آليات اتحادية ومؤسسية مشتركة. وقد أكد مسعود بارزاني بالتزامن مع خروج التحالف وجود تنسيق مع الحكومة الاتحادية لمواجهة التهديدات الأمنية، في وقت أثار فيه الانسحاب مخاوف لدى بعض سكان الإقليم من أخطار الطائرات المسيّرة ومن قدرة العراق على حماية أجوائه.
ويقدم ذلك نموذجًا يمكن الاستفادة منه في فهم مركزية الدولة العراقية. فالمركزية المقصودة هنا ليست إلغاء الفيدرالية أو جعل كل الوحدات الأمنية تدار بالطريقة نفسها، وإنما ضمان عدم تحول التعدد الإداري والدستوري إلى تعدد في السياسة الدفاعية الخارجية أو قرار الحرب والسلم.
وبهذا يمكن أن تجمع الدولة العراقية بين لامركزية مؤسساتية مشروعة ومركزية سيادية ضرورية.
مهلة 30 يونيو ومسار الانتقال
يشكل تحديد 30 يونيو/حزيران 2027 أحدث تحول في سياسة الحكومة تجاه السلاح خارج السيطرة الرسمية. فقد كان 30 سبتمبر مرتبطًا سابقًا في الخطاب السياسي بانتهاء مهمة التحالف وبمعالجة ملف الفصائل، قبل أن تفصل الحكومة بين المسارين وتحدد موعدًا جديدًا يمتد تسعة أشهر تقريبًا.
ولا يكفي تغير الموعد وحده للحكم على المسار بالنجاح أو الفشل. فالحكومة تقدم التمديد في إطار بناء خارطة طريق واتفاقات وتجنب الصدام، بينما تظهر مواقف بعض الفصائل أن التوافق على النتيجة النهائية لم يكتمل بعد. ولذلك تصبح الأشهر المقبلة أهم من التاريخ النهائي نفسه.
ويمكن قياس جدية المسار من خلال تطورات عملية تشمل إعلان آليات واضحة للتنفيذ، وفصل العمل الحزبي عن العسكري، وتوحيد سجلات المقاتلين والرواتب، وضبط الأسلحة الثقيلة والمخازن، وربط الحركة العملياتية بالقيادة العامة، ووضع قواعد للمحاسبة عند المخالفة. كما سيكون موقف القوى التي أعلنت استعدادها للتنظيم أو الدمج مؤشرًا على إمكانية بناء نموذج تدريجي يجذب تشكيلات أخرى بدل تحويل العملية إلى مواجهة شاملة.
وتنسجم المقاربة التدريجية مع رغبة الحكومة المعلنة في تجنب الصدام العسكري. فقد تحدث رئيس الوزراء قبل الانسحاب عن فترة تهدئة مدتها تسعون يومًا، بينما أكدت مصادر حكومية أن معالجة الملف تحتاج إلى طمأنة الفصائل وبناء الثقة.
غير أن نجاح التدرج يظل مرتبطًا بتحوله إلى عملية تراكمية ذات نتائج ملموسة. فالمهلة التي لا تنتج انتقالًا تدريجيًا في القيادة والسلاح والتمويل يمكن أن تتحول إلى مجرد تأجيل، بينما يصبح تمديد الوقت مفهومًا إذا ترافق مع خطوات مؤسسية قابلة للرصد والقياس.
بناء المركزية من دون صدام داخلي
تواجه الدولة معضلة دقيقة في هذا الملف، لأن فرض احتكار القوة بالقوة العسكرية يمكن أن يقود إلى النتيجة المعاكسة ويولد صراعًا داخليًا يضعف المؤسسات ويهدد الاستقرار. وفي المقابل، فإن التسويات المفتوحة التي لا تفضي إلى التزام مؤسسي يمكن أن تثبت تعدد مراكز القوة بدل معالجته.
وتوجد بين هذين الخيارين مساحة واسعة من أدوات الدولة غير العسكرية. فالقانون والقضاء والموازنة والرواتب والتعيينات والتراخيص والرقابة المالية والمنافذ الحدودية وإدارة المخازن والعقود وإعادة الهيكلة والدمج المؤسسي كلها وسائل تسمح بإعادة توزيع القوة تدريجيًا من الشبكات والتنظيمات إلى المؤسسات.
وتكتسب هذه الأدوات أهمية خاصة في الحالة العراقية لأن جزءًا كبيرًا من القوى المسلحة يعمل أصلًا داخل بيئة الدولة وليس خارجها بالكامل. ولذلك قد يكون التحول المؤسسي أكثر واقعية من نموذج «نزع السلاح» التقليدي الذي يفترض وجود جماعة مسلحة منفصلة تمامًا عن النظام السياسي والأمني.
وتصبح الدولة أكثر مركزية عندما تستطيع تحويل المقاتل من تابع لتنظيم إلى عضو في مؤسسة، والسلاح من ملكية جماعية خاصة إلى قدرة رسمية، والتمويل من شبكة مستقلة إلى موازنة خاضعة للرقابة، والقرار العملياتي من قيادة متعددة إلى سلسلة أوامر معلومة، والمحاسبة من تفاوض سياسي إلى قاعدة قانونية تطبق على الجميع.
مؤشرات مركزية القوة
يمكن قياس التحول خلال المرحلة المقبلة عبر خمسة مستويات مترابطة. يتمثل المستوى الأول في وحدة القيادة، بحيث تصبح الأوامر العملياتية النهائية صادرة عن المؤسسات الرسمية وتكون ملزمة لجميع التشكيلات. ويتمثل الثاني في السيطرة على القدرات العسكرية النوعية، ولا سيما الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة والمخازن التي تسمح بتنفيذ عمليات كبيرة أو عابرة للحدود.
أما المستوى الثالث فهو مركزية التمويل والرقابة الاقتصادية، بما يمنع نشوء موارد مستقلة تسمح لقوة مسلحة بالعمل خارج قدرة الحكومة على التنظيم. ويرتبط المستوى الرابع بـاحتكار قرار الحرب والسلم ومنع أي نشاط عسكري يمكن أن يجر العراق إلى مواجهة لم تقررها مؤسساته الدستورية. ويكتمل ذلك بالمستوى الخامس، وهو المحاسبة، لأن قدرة الدولة على التحقيق في المخالفات وتنفيذ القانون بصرف النظر عن هوية الجهة المعنية تمثل الاختبار النهائي لفاعلية القرار المركزي.
وتقدم هذه المستويات معيارًا أكثر دقة من عدد الأسلحة التي يجري تسليمها. فقد تنخفض كمية السلاح خارج المخازن الحكومية من دون أن يتغير توزيع القرار، كما يمكن في المقابل أن تبقى تشكيلات مسلحة قوية ضمن الدولة من دون أن تمثل مركزًا موازيًا إذا فقدت قدرتها على التصرف المستقل وأصبحت خاضعة لقواعد القيادة والتمويل والمحاسبة نفسها.
من تعدد القوة إلى وحدة القرار
تكشف مرحلة ما بعد 30 سبتمبر أن العراق لا يبدأ من فراغ مؤسسي، فالدولة تمتلك جيشًا وشرطة وأجهزة أمنية ومؤسسات دستورية وموازنة عامة، كما أن الحشد الشعبي جزء رسمي من القوات المسلحة، وتعمل قوات البيشمركة ضمن بنية اتحادية لها أساس دستوري. وفي المقابل ما تزال البيئة الأمنية والسياسية تضم جماعات تحتفظ بدرجات متفاوتة من الاستقلال التنظيمي والعسكري والعلاقات الخارجية، وأظهرت مواقف ما بعد الانسحاب استمرار الخلاف بشأن توقيت وآليات إخضاع السلاح بالكامل للقرار المركزي.
ولذلك فإن توصيف المرحلة باعتبارها غيابًا للدولة لا يعكس الواقع، كما أن اعتبار عملية مركزية القوة قد اكتملت سيكون سابقًا لأوانه. الأدق أن العراق دخل مرحلة إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومصادر القوة الموجودة داخلها، وهي عملية ستتحدد نتائجها وفق قدرة المؤسسات على تحويل الاعتراف القانوني إلى خضوع عملياتي ومالي وسياسي قابل للتطبيق.
وتسمح تطورات الأيام الأولى بعد الانسحاب باستخلاص خمس نتائج رئيسية. أولًا، انتهاء الوجود العسكري الأميركي نقل اختبار السيادة إلى الداخل ولم ينهه. ثانيًا، تعدد المؤسسات الأمنية لا يمثل بحد ذاته ازدواجًا في الدولة ما دام القرار السيادي موحدًا. ثالثًا، حصر السلاح يصبح أكثر فاعلية عندما يتحول إلى حصر للقيادة والتمويل وقرار الحرب والسلم والمحاسبة. رابعًا، تداخل العسكري بالسياسي والاقتصادي يجعل المعالجة المؤسسية أوسع من عملية أمنية لجمع الأسلحة. خامسًا، ستبقى البيئة الأميركية ـ الإيرانية مؤثرة، لكن نجاح الدولة سيقاس بقدرتها على جعل هذه التأثيرات تمر عبر مؤسساتها بدل أن تتحول إلى مصادر مستقلة للقوة داخل البلاد.
وبهذا يصبح الانتقال من تعدد القوة إلى وحدة القرار جوهر المرحلة التي بدأت بعد 30 سبتمبر. فالدولة المركزية لا تعني أن يكون العراق بلا تنوع سياسي أو أمني أو اتحادي، ولا أن تختفي كل التشكيلات القائمة، وإنما أن توجد في نهاية سلسلة القوة مرجعية دستورية واحدة تستطيع إصدار القرار وتنفيذه ومنع تجاوزه ومحاسبة من يخالفه.
وعند تحقق هذا المستوى تتحول المؤسسات المسلحة المتعددة من مراكز محتملة للقوة إلى أدوات للدولة. أما استمرار التداخل بين السلاح والسياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية فيقود إلى المستوى التالي من التحليل، حيث لا تعود المسألة متعلقة بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة شبكات النفوذ على بناء سلطة تعمل داخل مؤسسات الدولة وبجوارها في الوقت نفسه.



اضف تعليق