عندما نطرح السؤال التالي بوضوح ونقول، هل الاقتصاد أهم من السياسة أم العكس وما هي العلاقة بينهما، فسوف تكون الإجابة المختصَرة على النحو التالي، لا يمكن القول إن أحدهما أهم من الثاني بشكل مطلق، فالاقتصاد والسياسة مترابطان بشدة وكلٌّ يؤثر في الآخر...
(لابد من ضم دراسة السياسة إلى جانب سائر الدراسات الأخرى في المناهج الثقافية)
الإمام الشيرازي
عندما نطرح السؤال التالي بوضوح ونقول، هل الاقتصاد أهم من السياسة أم العكس وما هي العلاقة بينهما، فسوف تكون الإجابة المختصَرة على النحو التالي، لا يمكن القول إن أحدهما أهم من الثاني بشكل مطلق، فالاقتصاد والسياسة مترابطان بشدة وكلٌّ يؤثر في الآخر.
مثلا السياسة تدخل ضمن القرارات الحكومية، القوانين، الاستقرار، وهي توجّه الاقتصاد، في معظم المجالات، كما نلاحظ ذلك في مجال الضرائب والدعم والاستثمار، أما الاقتصاد فيشمل مثلا عمليات الإنتاج، والدخل، والبطالة، وهذا يؤثر على السياسة في جوانب عديدة منها مثلا، رضا الناس، والاستقرار الاجتماعي، وقرارات الحكومات.
أما العلاقة بينهما فيمكن أن تُفهم ضمن مجال الاقتصاد السياسي، الذي يدرس كيفية التداخل بين القرارات السياسية من ناحية وبين النتائج الاقتصادية من ناحية أخرى. وخلاصة ما يمكن أن نصل إليه حول هذا الموضوع هو إن السياسة تقود الاقتصاد، والاقتصاد يحدد قوة واستقرار السياسة—فهما وجهان لعملة واحدة.
لذلك لكي تتقدم الدول وتتطور وتضع الأسس اللازمة للمضيّ قُدما، لابد من وجود الخبرة السياسية والوعي السياسي الداعم، بمعنى هناك خبرات سياسية تتوزع على شقّين، الخبرة السياسية المحترفة وهي تخص قادة الدول وحكوماتها، والخبرة السياسية العامة وهي تخص عموم الأفراد في المجتمع، فالجميع يجب أن يكون مثقف سياسيا لتحقيق التقدم.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (التغيير لإنقاذ المسلمين):
(إن من أهم الأمور التي يجب فهمها من قبل القائمين بالتغيير هو فهم السياسة، إذ بدون الفهم المذكور لا يتمكن الإنسان من الشروع في العمل، وإن بدأ به فإنه لا يتمكن من الاستقامة في أمره وإن تجلَّد وقاوم فإنه لا يتمكن من مواصلة السير إلى الهدف المنشود).
ولا نستبعد أن تكون الأسباب التي تقف وراء تأخّر المسلمين في جوهرها (قلة معرفة سياسية)، وهذا يعني أن الوعي السياسي العام له دور كبير في تقدم الدول، ويعني أيضا أن يكون الفهم السياسي عاما (جمعيا) يشمل جميع الأفراد، ولا يقتصر على النخبة المثقفة، لأن الفهم السياسي يعني تحلّي الناس بالوعي السياسي، والأخير يجعل الفرد قادرا على التصرّف السياسي الحكيم.
نشر الوعي السياسي
فمثلا يتعلق الوعي السياسي بطبيعة نتائج الانتخابات التي تتولد منها الحكومات، فكلما كان الشعب مثقفا وواعيا سياسا، هذا يضمن الاختيار الصحيح والسليم للقادة السياسيين الذين يقودون الدولة بشكل صحيح وسليم، والعكس سيحدث حتما عندما يجهل المواطن القضايا السياسية الداخلية والخارجية التي تحيط به، من هنا يجب دراسة السياسة والاقتصاد أيضا بل وحتى الاجتماع كونها علوم متداخلة، لأنها تؤدي بالنتيجة إلى تحصيل الوعي والخبرة السياسية.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن البلاء يصبّ على المسلمين صباً، يكمن في أنهم يعجزون عن المعالجات الصحيحة، ولا يمكنهم الخروج من المأزق، لذا لابد من دراسة السياسة دراسة واعية ثم مباحثتها ومواصلة مطالعتها بدقة، ولأنه لا يمكن فصل السياسة عن علميّ الاجتماع والاقتصاد لهذا يجب دراستهما أيضاً).
وهذا يعني فيما يعنيه أن تشخيص الأمراض التي يعاني منها المجتمع والدولة، أمر في غاية الأهمية، فهذا النوع من التشخيص يساعد على معرفة المعالجات، وقد يظن بعضهم أن هذا النوع من المعرفة والوعي ينحصر بالقادة والنخب السياسية فقط، لكن الصحيح والمطلوب أن تكون عامة الناس على درجة جيدة من الوعي السياسي.
فمن شأن هذا النوع من المعرفة، العثور على المعالجات المطلوبة والصحيحة للأمراض السياسية التي يعاني منها البلد، ولا يمكن الخلاص منها إلا بتكريس القدرات الفردية والجمعية للحصول على المعرفة السياسية، وتضخيم الوعي السياسي العام والخاص معا، أو الوعي النخبوي، فالسياسي الناجح هو الذي يفهم السياسة بعمق ويتحلى بالوعي والمعرفة الدقيقة للسياسة.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(المطلوب في المقام الأول هو تشخيص المرض وفهم العلاج، إذ من الطبيعي إذا علم الإنسان المرض ولم يعلم العلاج لم ينفع فهمه للمرض شيئاً).
ومع أننا نتفق على أن المسلمين متأخرون عن ركب التقدم العالمي، كما تشير الوقائع على الأرض، إلا أننا في نفس الوقت لا يمكن أن ننكر تلك الجهود التي بذلها العلماء المعنيون والمثقفون وحتى المتدينون لكي ينقذوا بلادهم، وهه الجهود مدوّنة ومعروفة ولا يمكن التغاضي عنها، لأنها مثبتة، لكنها لم تكن بالمقدار اللازم لتحقيق المعالجات الصحيحة.
والسبب يعود أولا وأخيرا إلى نقصان الوعي السياسي والمعرفة السياسية التي لم يحصل عليها أولئك الذين حاولوا إيقاف أسباب التأخر، وكما هو معروف أن السياسي غير الواعي لا dمكنه تحقيق المكاسب والنتائج المطلوبة لتقدم البلد، لأن حدود المعرفة والتفكير السياسي ضعيف وقاصر وغير قادر على المعالجات الجيدة بسبب نقص المعرفة السياسية والوعي السياسي.
الإمام الشيرازي يشير إلى هذه النقطة في قوله:
(لا شك أن كثيراً من المسلمين المثقفين والمتدينين كانوا يهدفون إنقاذ بلادهم لكن وعورة الطريق أدّت إلى العطب الأكبر، لأنهم لم يتمكنوا من تحقيق الفهم والوعي السياسي بما يدور حولهم آنذاك).
صناعة الحاضر المشرق
لقد حفل واقع المسلمين الراهن، وحتى في أزمنة غابرة ومنظورة بمحاولات مهمة للتغيير، ووضع الأسس السليمة للتقدم، وكان الكثير من القائمين بتلك المحاولات يشعرون بالحزن والأسف على تأخر المسلمين، ومع التقدير لمحاولاتهم في الإنقاذ والتغيير، إلا أنهم كانوا عاجزين عن ذلك، كونهم كانوا لا يمتلكون العلاج الصحيح لمشاكل الناس.
نعم كان هناك أفاضل من ذوي النيّات الصادقة للتغيير، لكنهم عجزوا عن تحقيق المعالجات اللازمة، لأسباب واضحة من أهمها أنهم لم يدرسوا ولم يتعلموا ولم يمتلكوا المعرفة السياسية التي يمكنها أن تحقق التغيير المطلوب وتضع المسلمين على الجادة الصواب.
حيث يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:
(رأيت أفراداً كانوا يذوبون تأسفاً وألماً لتأخر المسلمين ولما يصيبهم من شظايا التأخر، لكنهم كانوا جاهلين بالسبب وجاهلين بالعلاج على أن جملة منهم كانوا من الفضلاء في بعض العلوم الإسلامية أو العصرية وليس ذلك إلا لأنهم لم يدرسوا السياسة، لأنهم كمن يتلهف لشفاء أعز أصدقائه وأهله الذين تمرّضوا لكنه لا يعرف المرض ولا يعرف علاجه).
لهذا من الأهمية بمكان أن يتعلم المسلمون من أخطائهم ويتعظوا مما فاتهم، لاسيما في مجال تحصيل المعرفة السياسية وتقدير دورها الكبير في النهوض بالشعوب والدول، وهذا يتطلب إدخال علم السياسة في المناهج التي تمكن الناس من الالمام بألف ياء السياسة، والتمكن من كسب المعلومات التي تدفع بالناس إلى التحليل السياسي الواقعي والصحيح بعيدا عن العاطفة أو الاصطفاف مع (الصوت الجمعي المتعجّل) والذي لا يقوم على ركيزة الفهم السياسي.
من هنا يجب نشر الفهم والوعي السياسي في المجتمع عموما، والتركيز على إيصال الشخصيات السياسية المحترفة إلى مركز القرار، والقدرة على التخطيط السياسي والاقتصادي الذي يمكن المسلمين من مجاراة ما يحدث من تقدم هائل في دول العالم التي سبقتنا بأشواط بعيدة.
وكما يقول الإمام الشيرازي:
إن (العلاج يكمن في ضم دراسة السياسة إلى جنب سائر الدراسات الأخرى في المناهج الثقافية بالنسبة إلى طلاب العلم، ثم يجب أن ينشر هؤلاء الدارسون السياسة بين أفراد المجتمع حتى تكون السياسة عندهم كسائر شؤونهم الأخرى المعتادة، فكما أن كل مريض يذهب تلقائياً إلى الطبيب ويذهب كل جائع إلى تحصيل الطعام يجب أن يذهب كل فرد من المسلمين إلى فهم القضايا السياسية).
وأخيرا لا يمكن إهمال شرط الخبرة السياسية، ولا يصح أن يلجأ المسؤولون السياسيون إلى الارتجال والعشوائية في صنع القرارات التي تتعلق بمصائر الناس، وليس صحيحا أن يبقى المسلمون بعيدون عن موائد العلم السياسي وسواه، وهي متوفّرة بين أيديهم، لذا على الساسة والقادة والنخب كافة والناس من حولهم، تعظيم المعرفة السياسية من دون تقاعس أو تردد، والنظر إلى هذا الجانب على أنه الشرط الأعظم والأهم على طريق التقدم.



اضف تعليق