المجتمعات لا تنهض حين يصبح المثقف تابعاً للسلطة، إنما تنهض عندما يكون قادراً على مراقبتها ونقدها وتقديم البدائل العلمية بعيداً عن الضغوط والمجاملات، والعلم يفقد قيمته حين يتحول إلى أداة بيد السياسة، واحترام المجتمع للأستاذ الجامعي يجب أن يأتي من استقلاله ونزاهته وقدرته على قول الحقيقة...

في كل مرحلة انتخابية أو أزمة سياسية، تعود الأحزاب والقوى المتنفذة إلى البحث عن أدوات جديدة تمنحها شرعية اجتماعية أوسع، ولم تعد الخطابات التقليدية أو الشعارات الحزبية وحدها كافية لتحقيق هذا الهدف، لذلك اتجهت الأنظار نحو الطبقة الأكاديمية بوصفها واحدة من أكثر الشرائح احتراما وتأثيرا في المجتمع.

ومن هذه الحاجة بدأت ظاهرة المؤتمرات والندوات التي تُرفع فيها شعارات العلم والمعرفة، بينما تُدار خلف الكواليس بعقلية سياسية تسعى إلى استقطاب الأكاديميين وتوظيف أسمائهم وهيبتهم لخدمة مشاريع حزبية ضيقة.

كثير من هذه المؤتمرات تُقدم على أنها منصات للحوار العلمي أو الإصلاح الإداري أو التنمية المستدامة، لكنها في الواقع تتحول إلى فضاءات للترويج السياسي غير المباشر، تُستخدم فيها صور الأساتذة الجامعيين والباحثين لإضفاء طابع من الرصانة والشرعية على الجهات المنظمة، فيبدو السياسي وكأنه راع للعلم والمعرفة، بينما الهدف الحقيقي غالبا هو كسب النفوذ داخل الجامعات أو التأثير على الرأي العام من خلال النخب الفكرية.

لهذه الخطوات والأساليب خطورة تكمن في استغلال الأكاديميين، وتحويل المؤسسة العلمية تدريجيا إلى ساحة صراع سياسي، فعندما يُستدرج الأستاذ الجامعي إلى الاصطفاف مع جهة سياسية معينة، يفقد جزءا من استقلاليته، ويصبح عرضة لضغوط المصالح والولاءات، والأسوأ من ذلك أن الطلبة أنفسهم قد يفقدون ثقتهم بحياد أستاذهم عندما يرونه حاضرا باستمرار في فعاليات ذات أجندات سياسية واضحة.

ولا يمكن إنكار أن بعض الأكاديميين يشاركون بحسن نية، انطلاقا من رغبتهم في الإصلاح أو إيصال صوت العلم إلى مراكز القرار، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الحضور إلى غطاء يُستخدم لتجميل صورة السياسيين أو الترويج لهم، فالمثقف الحقيقي يمنح شرعية مجانية للسلطة، بينما الصحيح هو ان يحتفظ بمسافة نقدية تتيح له قول الحقيقة دون خوف أو تبعية.

ولكي تتجنب الطبقة الأكاديمية الوقوع في فخ المحاباة السياسية، لا بد أولا من ترسيخ مبدأ الاستقلال الأكاديمي، فالأستاذ الجامعي ليس موظف دعاية، ولا ينبغي أن يتحول إلى جزء من ماكينة العلاقات العامة للأحزاب، ومن الضروري أن تُقيّم الدعوات إلى المؤتمرات والفعاليات على أساس مضمونها العلمي الحقيقي، لا على أساس الامتيازات أو العلاقات أو الوعود بالمناصب والدعم.

كما ينبغي للأكاديميين أن يرفضوا المشاركة في أي نشاط يُستغل فيه اسم الجامعة أو الصفة العلمية لأهداف انتخابية أو حزبية، حتى وإن جرى تغليف ذلك بخطاب ثقافي أو تنموي، فالحياد هنا ليس بالضرورة الانعزال عن قضايا المجتمع، لكن يتجسد بالحفاظ على نزاهة الموقف العلمي وعدم السماح بتحويل المعرفة إلى أداة نفوذ سياسي.

ومن المهم أيضا أن تعزز الجامعات نفسها ثقافة الاستقلال، عبر وضع ضوابط واضحة للتعاون مع الجهات السياسية، ومنع استخدام المؤسسات الأكاديمية كمنصات للتسويق الحزبي، فالجامعة التي تفقد حيادها ومكانتها تدريجيا بوصفها بيتا للمعرفة الحرة.

المرحلة الحالية بحاجة إلى أكاديميين أحرار أكثر من حاجتها إلى أكاديميين مرتبطين بمصالح القوى السياسية، فالمجتمعات لا تنهض حين يصبح المثقف تابعا للسلطة، إنما تنهض عندما يكون قادرا على مراقبتها ونقدها وتقديم البدائل العلمية بعيدًا عن الضغوط والمجاملات.

ويبقى الرهان الحقيقي على وعي النخب الأكاديمية نفسها؛ لأنها تدرك أكثر من غيرها أن العلم يفقد قيمته حين يتحول إلى أداة بيد السياسة، وأن احترام المجتمع للأستاذ الجامعي لم يأت من قربه من السلطة، اذ يجب ان يأتي من استقلاله ونزاهته وقدرته على قول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله.

اضف تعليق