نذر مجموعة من المؤلفين حياتهم لأرشفة سير الكتّاب ونتاجهم عبر التقصي الشاق والبحث في المكتبات العامة والخاصة. إن كتب الفهارس والأعلام -منذ "فهرست" ابن النديم، و"كشف الظنون" لحاجي خليفة، و"الذريعة" للشيخ آغابزرگ الطهراني، وصولاً إلى الموسوعات الحديثة كأعمال فاطمة بوهراكة ومهدي شعلان- لم تكن مجرد قوائم للكتب، بل وثائق تاريخية حفظت لنا أسماء مؤلفات ومبدعين ضاع أثرهم بفعل الزمن والحروب...

هذا نوع من التأليف المهم، الذي اختصّ، به مجموعة من المؤلفين الذين نذروا حياتهم وجهودهم لهذا النوع من الأرشفة، ويشمل عادة نبذا عن الكتّاب وسيرهم ونتاجهم، وكانت طرقهم في تحصيل المعلومات شاقة وصعبة، تقوم غالبا على التقصّي الذاتي والسؤال وجمع المعلومات من المكتبات الكبيرة العامة والخاصة، ومن ثمّ الوصول إلى المعلومة وأرشفتها. وبالطبع فأن هناك منهجا تقوم عليه هذه الكتب في ترتيب المعلومة، فقديما كانت تقوم عادة على التسلسل الزمني، ولعلّ أهم الكتب التي وصلت إلينا في هذا الجانب كتاب الفهرست لأبن النديم (ت 385هـ).

ويُعد هذا الكتاب الوثيقة الأقدم والأهم، التي حفظت لنا أسماء الكتب والمؤلفات العربية والإسلامية (والمترجمة عن اللغات الأخرى) التي ضاع الكثير منها بفعل الزمن والحروب. ويُعتبر إنجازاً غير مسبوق في بيبليوجرافيا الثقافة الإنسانية ولا يمكن لأي باحث أن يتجاوزه عند البحث عن مؤلف ما أو كتاب نادر.

كذلك كان كتاب (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) موسوعة ببليوجرافية ومعجمية ضخمة صنفها العالم والمؤرخ العثماني مصطفى بن عبد الله، المعروف بلقب “حاجي خليفة” 

إذ يُعدّ هذا الكتاب أحد أهم وأشهر المراجع العالمية في التاريخ التراث الإسلامي والعربي والشرقي، حيث أمضى المؤلف أكثر من عشرين عاماً في جمعه وتنسيقه ليخرج في منتصف القرن الحادي عشر الهجري (حوالي عام 1650م).

وقد رتّب حاجي خليفة المواد ترتيباً ألفبائياً (أبجدياً) بناءً على أسماء الكتب، مما سهّل على الباحثين الوصول إلى أي كتاب بسرعة ويسر. إما كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)، فهو أضخم موسوعة بيبليوغرافية تعنى برصد وإحصاء مصنفات علماء الشيعة عبر التاريخ، ألّفه المرجع والمحقق والبحاثة الشيخ آغابزرگ الطهراني (ت1970م) وفيه جهد جبّار و لإحصاء هذه المؤلفات.

وحديثا نجد الكاتبة المغربية فاطمة بوهراكة، قد بذلت جهودا كبيرة في هذا الجانب فقد صدر لها أكثر من كتاب مثل( الموسوعة الكبرى للشعراء العرب) و(موسوعة الشعر العراقي الفصيح) وغيرها من المؤلفات الأخرى التي عنيت بهذا الجانب، كما كتب الأستاذ مهدي شعلان من النجف ووثق لأسماء مهمة.

ومن الجدير بالذكر أن هناك مؤلفات اختصت بفئة خاصة محددة مثل الفهارس التي اختصت بالمتصوفة. ولعل السؤال المهم الذي يواجهنا هنا، ما أهمية هذه الكتب الآن في عالم تتحكم به الرقمنة والذكاء الاصطناعي إذ يمكن الوصول للمعلومة بسرعة ودقة 

الحقيقة أن هذه الكتب مهمة جدا ولها دورها الذي لا ينكر في ربط المعارف في ما بينها ومساعدة الباحثين في الحصول على المعلومة فضلا عن التوثيق لذا لا يمكن الاستغناء عنها أو تجاوزها مهما تقدمت العلوم والمعارف، ولعل أهم خدمة قدمتها لنا هي أنها حفظت أسماء كتب ومؤلفين لا نعرف عنهم شيئا إلا من خلال هذه الكتب.

اضف تعليق