يربط المقال نهضة الأمم بقدرتها على التعلم المستمر، والنظر إلى المستقبل، والاستفادة من الماضي بوصفه درسًا لا مكانًا للإقامة. ويؤكد أن الفشل مصدر أساسي للخبرة، وأن التقدم لا يتحقق بتقليد نجاحات الآخرين وحدها، بل بفهم إخفاقاتهم أيضًا. كما يبرز مفهوم عقلية النمو، التي ترى الذكاء قابلًا للتطوير، وتحث الأفراد...
(إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)
هل صحيح ما يُشاع من أنَّ الله تعالى خلق الأمم على نوعين:
الأول: هو القابل للتعلُّم، وبالتالي للتطوُّر.
والثاني: هو غير القابل للتعلُّم، وبالتالي فهو يستعصي على التطوُّر؟!
نحن نعرف أنَّ الإنسان يختلف عن الحيوان في هذا الأمر، فالحيوان يعيش حياته بالفطرة وبقوانين النواميس الإلهية، على قاعدة قول الله تعالى: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، والوحي هنا بمعنى الإلهام، والمراد به أنَّه تعالى قرَّر في أنفسها هذه الأعمال، فهي إذن لا تتعلَّم، وبالتالي لا تُطوِّر أساليب ووسائل وأدوات حياتها. أمَّا الإنسان، فعلى العكس منها تمامًا، فهو يتعلَّم بعد جهل بالأدوات التي خلقها له ربُّ العزَّة: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، ولذلك فهو يتطوَّر باستمرار في كلِّ تفاصيل حياته.
والتعلُّم والتطوُّر، حسب الآية الكريمة، ليسا حكرًا على أمم دون أخرى، كما أنَّ القابلية على التعلُّم والتطوُّر التي خلق الله تعالى بها الإنسان ليست لأمَّة دون أخرى، ولو كان الأمر كذلك فإنَّه خلاف العدل الإلهي، وهو محال على الباري جلَّ وعلا: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ).
فلماذا، إذن، تتعلَّم أمم فتتطوَّر، ولا تتعلَّم أمم فلا تتطوَّر؟!
لماذا تمرُّ العقود والقرون على أمم وهي تراوح مكانها، مكتفية بالاستنساخ والاستهلاك لما تُنتجه الأمم الأخرى، وتقنع بالاستعمار والاستحمار، فيما لا يمرُّ يوم على أخرى إلا وتتعلَّم فيه المزيد فتتطوَّر باستمرار؟!
هل لأنَّ جينات الأمم تختلف عن بعضها؟! أم أنَّ الله تعالى ميَّز بينها عندما خلقها؟! أم أنَّه عزَّ وجلَّ يوحي لأمم ويمدُّها بما لا يوحي به ويمدُّ به أخرى؟!
طبعًا لا هذا ولا ذاك، وليس الأمر كما يتصوَّر البعض، والدليل قول الله تعالى: (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)، وقوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ). فأسباب التعلُّم وعوامل التطوُّر وأدواته وفرصه ليست حكرًا على أمم دون أخرى، وإنَّ الله تعالى، بعدله، لا يحظر شيئًا منها عن أحد أبدًا!
وهذه القاعدة [قاعدة العدل الإلهي] تجري على الإنسان الفرد والإنسان المجتمع [الأمَّة].
فلماذا تتعلَّم أمَّة ولا تتعلَّم أخرى؟! لماذا تنهض أمَّة ولا تنهض أخرى؟! لماذا يتعلَّم فرد ولا يتعلَّم آخر؟! لماذا ينهض فرد ولا ينهض آخر؟!
1/ الأمم التي تتلفَّت دائمًا إلى الوراء لا تتعلَّم، وبالتالي لا تنهض؛ لأنَّ التعلُّم والنهوض بحاجة إلى النظر إلى الأمام والتركيز على المستقبل. أمَّا التلفُّت إلى الوراء والحنين إلى الماضي والانشغال به والتوقُّف عنده، فلا يساهم في النهوض أبدًا إلا بمقدار كون الماضي درسًا تقرؤه وتتعلَّم منه، كأيِّ درس آخر في الحياة يساعد في عملية التعلُّم والنهوض.
الماضي لا يشكِّل نهوضًا أبدًا.
الأمم التي تتعلَّم وتنهض هي التي تقول للشيء الذي انتهى: [لقد صار الأمر وراءنا، وعلينا أن نمضي قُدُمًا].
يقول تعالى في وصف دقيق لحالة التلفُّت إلى الوراء، وكأنَّه يشكِّل عقبة وسببًا للسقوط والانجراف مع الماضي: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)، وقوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ).
2/ والأمم التي تتصوَّر أنَّ التعلُّم يتحقَّق من النجاحات فقط لا تنهض؛ لأنَّ التعلُّم من الفشل أهم بكثير جدًا من التعلُّم من النجاح، فكلُّ فشل هو دروس عدَّة وطرق مختلفة ومتنوِّعة للنجاحات.
فلقد أبحر [كريستوفر كولومبوس] من أجل إيجاد طريق بحري جديد إلى آسيا، لكنَّه انتهى به المطاف باكتشاف أميركا بدلًا من ذلك.
ولولا الخطأ البسيط الذي ارتكبه العالِم الأسكتلندي [ألكسندر فليمنغ] في عام 1928، لكانت السنوات التسعون الماضية تبدو مختلفة تمامًا، فقد اكتشف فليمنغ المضاد الحيوي [البنسلين] بعد أن ترك طبقًا متَّسخًا أثناء يوم عطلة، ليجده ملوَّثًا لدى عودته في اليوم التالي.
وقبل تنظيف الطبق، لاحظ العالِم شيئًا غريبًا فيه؛ حيث نما العفن ولم تنمُ البكتيريا! وهو لم يكن عفنًا عاديًا، بل كان فطر البنسيليوم! وتبع ذلك نمو وإنتاج البنسلين كأداة لمكافحة الالتهابات البكتيرية، فكان هذا هو الخطأ الذي أنقذ ملايين الأرواح.
النجاح عادة هو نتيجة فشل متكرِّر، وفي كلِّ فشل يكمن درس وتجربة وخبرة. فإذا اكتفت الأمَّة بالتعلُّم من النجاح فقط، فهذا يعني أنَّها كسبت خبرة وأضاعت خبرات، وأنَّها كسبت خطوة وأضاعت خطوات؛ لأنَّ الفشل كذلك بُذل فيه وقت وجهد واجتهاد، لا يجوز تضييعها كلَّها أبدًا.
التعلُّم من نجاحات الآخرين دون التعلُّم من إخفاقاتهم كذلك يضيِّع خبرات وتجارب كبيرة وكثيرة.
يقول تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
فالآية لا تحرِّض على التعلُّم من النجاحات، وإنَّما على التعلُّم والاعتبار بالفشل والنهايات المظلمة [العواقب] التي انتهت إليها الأمم السابقة.
كتب أمير المؤمنين (ع) يوصي ولده الحسن السبط (ع): (أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ وقَوِّهِ بِالْيَقِينِ ونَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ وذَلِّـلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ وبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا وحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي والأَيَّامِ واعْرِضْ عَلَيْه أَخْبَارَ الْمَاضِينَ وذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ وسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وآثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وعَمَّا انْتَقَلُوا وأَيْنَ حَلُّوا ونَزَلُوا).
والخطأ، كما يقول علماء النفس، جزء مهم من كيفية تطوُّر العقل ومهاراته. ويضيفون: من المفيد أن يكون لدينا ما يُصطلح عليه بـ[عقلية النمو]، وتعني الاعتقاد بأنَّ الذكاء شيء يمكننا العمل عليه وتطويره. ففي دراسة أُجريت على [123] طفلًا، لاحظ العلماء أنَّ أولئك الذين اعتقدوا أنَّ الذكاء شيء قابل للتطوُّر وغير ثابت اهتموا أكثر بأخطائهم، وبالتالي تعلَّموا المزيد.



اضف تعليق