إن كانت الصعوبة تكتنف تطبيق فكرة الوطن الاسلامي الكبير وخروجها من حيّز التنظير في الكتب وفي مقال كهذا، بيد أن الخطوة الاولى أول الغيث للتثقيف على وحدة الانتماء الاجتماعي قبل السياسي بين الشعوب الاسلامية، فاذا كان المسلم من القارة الآسيوية بحاجة الى موافقات حكومية للإقامة في بلد مسلم من القارة الافريقية....
للحدود الجغرافية المصطنعة أهدافاً سياسية واضحة منذ تخطيطها على الأرض الاسلامية في بدايات القرن الماضي على يد أبرز قوتين استعماريتين؛ بريطانيا وفرنسا، لتحديد ملامح ما سُمي فيما بعد بـ "دول مستقلة" في الشرق الأوسط، ومن ثمّ تشكيل جماعات مدربة ومتعلمة بشكل جيد في الجامعات الاوربية لتولّي مهمة إدارة هذه الدول، والخطوة الأهم ذات البعد المستقبلي؛ صياغة نوع من الانتماء للشعوب المقسمة حديثاً تحت اسم "الوطن" الجديد، بمعية الانتماء والولاء للحاكم، بما يعني أن الشعوب الاسلامية قبل انهيار الحكم العثماني، وبعد أن كانت تستظل تحت راية وطن اسلامي واحد مع تعدد القوميات والاعراق من أقصى الشرق الى أقصى الغرب، أصبحت على حين غفلة تنتمي الى وجودات سياسية تفصل فيما بينها حدود مصطنعة.
كتب المنظرون والمفكرون لمعالجة الندوب والجروح التي لحقت بالأمة بسبب البصمات الاستعمارية، ولاستعادة أمجاد الماضي، بمكافحة الاستعمار والتبعية تارةً، والتعكّز على الهوية القومية لاستنهاض الشعوب تارة أخرى، وهذا التأرجح بين العودة الى الماضي العثماني، والرغبة في التجربة الوطنية وتذوق فكرة الاستقلال، شتت الانتباه الى خطورة التقسيمات الجغرافية بين البلاد الاسلامية رغم وجود الافكار النهضوية والثورية في البلاد الاسلامية، وهي بالمجمل، كانت أفكار تدعو الى تغيير الواقع الفاسد للأمة، وبالدرجة الاولى؛ مكافحة الجهل والتخلف، بيد أن تلك الرؤى والافكار لم تكن لتخترق الحدود الجغرافية والتمايزات التي صنعتها القوى الاستعمارية للشعوب المسلمة، فمن كان يفكر بنهضة جماهيرية في مصر –مثلاً- أو في الجزائر، لم يكن ليفكر بأوضاع المسلمين في القوقاز وآسيا الوسطى، كما إن الافكار الثورية والنهضوية في ايران لم تكن مقروءة في البلاد الافريقية وعند الشعوب المسلمة هناك، رغم وجود العمق الحضاري العريق للإسلام هناك، ولم يحصل أن شعر الانسان المسلم في أي بقعة اسلامية منذ اكثر من قرن من الزمن بوجود "راية نهضوية عامة" يستظل بها مع سائر اخوانه المسلمين ليستعيد بها الاجواء التي كان يعيشها أخوه المسلم قبل اربعة عشر قرناً.
لذا نجحت لندن وباريس في رسم خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأدنى، بما يسمى بالتركة العثمانية تحت عنوان "اتفاقية سايكس بيكو" على يد اثنين من الضباط؛ أحدهما فرنسي؛ فرانسوا بيكو، والبريطاني؛ مارك سايكس، عام 1916، أي قبل عامين من انتهاء الحرب العالمية الاولى واستسلام العثمانيين، وهذه بحد ذاتها مفارقة تدعو للتأمّل للاعتبار بحادثة تاريخية نستفيد منها لقراءة الواقع الحالي والمستقبلي، فالغرب المتمثل بالقوتين المذكورتين كان على يقين بانهيار سلطة العثمانيين الحضارية قبل انهيار سلطتهم السياسية في هذه المنطقة وايضاً في سائر البقاع الاسلامية، لأن المسلم في اندونيسيا، والقوقاز، وفي المغرب العربي، وفي الجزيرة العربية والعراق لم يكن يشعر بالانتماء الى الإسلام، كنظام وأحكام تطبّق ما جاء به رسول الله، صلى الله عليه وآله، وما جاء به القرآن الكريم، بقدر ما ينتمي الى "الآستانه"، وهي اسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية، ومن معاني هذه الكلمة؛ "أرض السلطان"، وهذا ما أشار اليه سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي في كتابه القيّم: "بحوث في العقيدة والسلوك" في حديثه عن الحدود الجغرافية و"الحدود العقدية"، وكيف أن الخيار الأول –المستورد والمصطنع- خلق انتماءً مصطنعاً للانسان المسلم.
ولا أجدني بحاجة الى فتح جراح شعوب عدّة قدمت الآلاف من ابنائها ضحايا على تخوم الحدود المصطنعة في حروب أججها من يُسمون "بقادة الدول المستقلة" طوال العقود الماضية، إنما الأجدر الإشارة الى البديل الحضاري المغيّب والذي يصفه سماحة السيد الشيرازي في كتابه ب "الحدّ العقدي"، ويقصد الحد، ذو البعد العقائدي والانتماء الحضاري الذي كان في عهد ما قبل الاستعمار.
ثغرات في الحدود المصطنعة
سماحة السيد الشيرازي، ومعه ثلّة من العلماء والمفكرين أكدوا بالأدلة، عقلانية الحد العقائدي دون سائر اشكال الحدود المفروضة على بني البشر، فالقضية ليست في سياق التنافس السياسي والتفاضل مع نظريات وافكار سياسية، بقدر ما هي استجابة لحقائق انسانية على ارض الواقع يتم تغييبها بحجج واهية من قبل القوى الغربية تحديداً، مثل؛ سيادة النظام والحؤول دون وقوع مخالفات او اعمال تخلّ بالأمن العام للشعوب، ويأتي سماحته على ثغرات عدّة يذكر بعضها:
الثغرة الاولى: إهانة الإنسان
تطويق حركة الانسان ضمن حدود مرسومة له سلفاً دون أن يكون له أي دور في وجودها، ثمّ الدعوة لتقديسها، ومن ثمّ التضحية بنفسه وحياة عائلته للدفاع عنها، لا تدع له أي كرامة في حياته، فهو شاء أم أبى عليه أن يدافع عن وطنه الجديد الذي ربما لم يقدم له شيئاً، وإن قدم له فبثمن باهض، مثل؛ الضرائب، والخدمة العسكرية، والقوانين المجحفة، ومصادرة حرية الرأي والعقيدة.
بينما من يكون ضمن حدود العقيدة (الوطن الاسلامي) فانه يحظى بحقوق الرعاية والاحترام، فهو ضمن "حدود اختيارية"، فغير المسلم في هذا الوطن اذا قرر اعتناق الاسلام وتشهد الشهادتين، فانه سيتحول الى مواطن يحظى بحقوق كاملة مثل أي مواطن مسلم آخر، ومؤمن أباً عن جدّ، وإن كان إسلامه ظاهرياً لدفع الضرر او الحصول على مكاسب، "لأن هذه {صِبْغةُ الله}، فاذا تمسك المرء بهذه الصبغة، ولو ظاهرياً تعطى له الحقوق"، يقول سماحة السيد الشيرازي.
الثغرة الثانية: فقدان القيمة الحقيقية
وهذا نلمسه ونكتوي به عندما نصطدم بواقع التضحية او القبول بالنتائج السلبية دفاعاً عن انتماء غير حقيقي، ويصف سماحة السيد الشيرازي القيمة الحقيقية للعقيدة، بالقيمة الحقيقية للعلم، "فالعلم ذو قيمة ذاتية، والمائز بين العالم والجاهل يعد نوعاً من المميزات ذات الشرف، فالحدود الجغرافية ليس لها شرف ولا فضيلة، وكذا التمييز العنصري، فالعنصر ليس مقياس شرف لدى العقل والفطرة"، وهذه حقيقة يقرّها الواقع الحضاري في العالم اليوم.
الثغرة الثالثة: الأخذ اكثر من العطاء
وهو ما تتعامل معه الشعوب المسلمة في حياتها اليومية، فهي تطبق القوانين الوضعية غير المتطابقة مع العقل والفطرة، وتلتزم بالاجراءات الحكومية المجحفة مقابل حفنة من راتب شهري وخدمات تعليم وصحة ومواصلات تشوبها حالات فساد من كل جانب، بينما "يعطي الاسلام لمن خالفه في المعتقد، أكثر مما يعطيه الطرف الآخر لمن يقابله في العنصر، او في اللون، أو في القومية، أو في الدين".
وقد أشار الى هذه الحقوق والحريات الواسعة، سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في عديد مؤلفاته عن الدولة الاسلامية الحضارية، ويؤكدها ولده السيد مرتضى الشيرازي، ومنها؛ قانون "الأرض لمن عمّرها"، وهي القاعدة الحضارية التي أرسى دعائمها رسول الله في بداية التأسيس لمنح أقصى حدود حرية العمل والانتاج، وايضاً؛ حرية السفر والإقامة للجميع بين شرق البلاد وغربها، للمسلم وللكافر عل حدٍ سواء، وحرية التجارية بحيث "يستطيع الكافر ان يتاجر في إطار الحدود العامة الموجودة، مثل قاعدة؛ "لا ضَرَر ولا ضِرار في الإسلام"، وعدم الإضرار بمصالح المسلمين.
الانتماء للمجتمع الاسلامي الكبير
رغم الإنكار القاطع بامكانية تغيير حدود "سايكس بيكو" طيلة العقود الماضية تحت شعارات "وحدة الاراضي"، و"عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، ولكن اتضح فيما بعد أن الاستحالة مقتصرة على أهل البلاد فقط، وليس على محتلها، فقد جرى الحديث عن تعديلات جوهرية في تقاسم النفوذ والهيمنة في دول المنطقة، واحتمال ظهور وجودات سياسية على قاعدة القومية، والطائفة داخل حدود الدول المصطنعة نفسها! كما حصل في غضّ النظر عن تجربة أولى لنسف الحدود تحت شعار ديني ولكنه مشوّه من انتاج الدوائر المخابراتية الغربية مع مساندة اقليمية على الارض، أبرزها المساندة الاعلامية بالترويج لمصطلح "تنظيم الدولة"، وليس الجماعات او التنظيمات الارهابية والتكفيرية كما هو حالها وممارساتها في سوريا ثم في العراق، مع تواجد بتأثير أقل في القارة الافريقية.
فكما كان منطق العنف والدموية لفرض الانتماء الى الوطن ضمن حدود مصطنعة، حصلت التجربة السريعة لنسف هذه الحدود وخلق الانتماء للدين بنفس الطريقة الدموية، ربما كان احد اهداف ظهور التنظيم؛ إلغاء فكرة "الحدود العقدية" من اذهان المسلمين الى الأبد، والتشبث بخيار الحدود الجغرافية لضمان الأمن والاستقرار، ولكن؛ تبقى الفكرة الحضارية لها وجودها المتجذر في العقل والوجدان وحتى الواقع، وإن كانت الصعوبة تكتنف تطبيقها وخروجها من حيّز التنظير في الكتب وفي مقال كهذا، بيد أن الخطوة الاولى أول الغيث للتثقيف على وحدة الانتماء الاجتماعي قبل السياسي بين الشعوب الاسلامية، فاذا كان المسلم من القارة الآسيوية بحاجة الى موافقات حكومية للإقامة في بلد مسلم من القارة الافريقية، فانه لا يجب ان يتجشم عناء الموافقات الشعبية للاقامة والعمل والتنقل وغيرها.
لو نلاحظ في الخطاب الاعلامي الاشارة الى دول كبيرة تحتضن خليط من القوميات والاعراق على أنها "أمة"، مثل الولايات المتحدة الاميركية، فان الرئيس يخاطب الأمة، وكذا دولة فرنسا، و روسيا، والهند، والصين، بينما لا دولة اسلامية يطلق عليها لفظ "أمة" رغم حجمها ومكانتها السياسية والاقتصادية مثل؛ ايران وتركيا ومصر، فهي بلدان اسلامية وحسب.
وهذا ممكن من خلال تفعيل النشاط المؤسسي المشترك بين الدول الاسلامية على صعيد الإغاثة، والتنمية، والتعليم، وايضاً الثقافة بالتركيز على نقاط الالتقاء، وما أكثرها، لبلورة نقاط القوة في جسم المجتمع الاسلامي الكبير من خلال التواصل بطرق مختلفة، مثل المؤتمرات، والندوات، و ورش العمل المشتركة، و ربما يكون موسم الحج أحد أعظم وأكبر الفرص الذهبية لتحقيق هدف سامٍ كهذا، والفرص والمحاولات مفتوحة للطامحين لتحقيق انتماء اسلامي واسع يخفف من وطأة الألم والقلق والتخلف من كاهل الشعوب المسلمة.



اضف تعليق