كان الأئمة المعصومون يمتلكون قلوب الناس لاهتمامهم بشؤونهم والحرص على أمنهم، بالمقابل كان الحكام يمتلكون كل شيء إلا الضمائر. ويمثل أسلوب التقية والرسائل المشفرة والشفهية التي اتبعها الإمام الهادي قيمة دينية عليا لحفظ القاعدة الجماهيرية وأرواح المؤمنين وتفويت الفرصة على عيون الطغاة وبطش الأجهزة العسكرية العباسية...
لما أراد المتوكل تسفير الإمام الهادي من المدينة الى بغداد، كتب اليه رسالة يظهر فيها الحب والمودة ومحاولة التقرّب اليه، بما يؤكد على حقيقة واحدة؛ أن الإمام الهادي هو القائد الحقيقي للأمة في ذلك الوقت وليس المتوكل، وهذا يمثل إحدى ثمار قرب الامام الهادي من افراد الأمة جميعاً، ومتابعة شؤونهم، والنظر في همومهم ومشاكلهم.
ثمة مفارقة ملفتة في سيرة حياة الأئمة المعصومين، عليهم السلام، فهم كانوا يعيشون الضغوط النفسية، والتهديدات بالاعتقال والقتل من قبل السلطات الحاكمة على طول الخط، ولم يكن يمتلكوا من أسباب القوة للتأثير المباشر على الساحة السياسية مثل؛ المال والسلاح، بيد أنهم كانوا يمتلكون قلوب الناس لاهتمامهم بشؤونهم والحرص على أمنهم وسلامتهم، بالمقابل كان الحكام يمتلكون كل شيء، إلا قلوب الناس وضمائرهم، لذا كانوا يعوضون هذا العجز بالقمع تارةً، وبشراء الضمائر والذمم تارة اخرى، من خلال إنفاق الملايين على المتزلفين والشعراء الغاوين، وعلى وعاظ السلاطين ممن كانت مهمتهم توفير الغطاء الشرعي لسياساتهم الجائرة.
المدينة تضجّ لقرار تسفير الامام الهادي
منذ عهد الامام الكاظم، عليه السلام، كان نفوذ أئمة أهل البيت يخترق أرجاء الأمة، فقد عمّت أرض الحجاز، والعراق، وبلاد الري، والاهواز، وقم، وخراسان والبحرين، وفي المدينة حيث كان مقر إقامة الامام الهادي الى جوار مرقد جدّه المصطفى، ملك القلوب والنفوس الى درجة إثارة حفيظة الوالي العباسي على المدينة؛ بريحة العباسي الذي كتب الى المتوكل يحرضه على الإمام بأنه بات يمثل القائد الحقيقي للأمة، فبعث يحي بن هرثمة، وهو القائد العسكري المعروف لتفتيش دار الإمام والتحقق من الوشاية، وما أن وصل المدينة حتى "ضجّ أهلها –يقول هرثمة نفسه- ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على علي بن محمد، وقامت الدنيا على ساق، فجعلت أسكنهم وأحلف بهم إني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد إلا المصاحف وأدعية، وكتب علم". (سيرة الإمام علي الهادي- الشيخ الدكتور عبدالله اليوسف).
ويحدثنا التاريخ أن المتوكل الذي كان أشد الحكام العباسيين حقداً على أئمة أهل البيت، عليهم السلام، لما أراد تسفير الإمام الهادي من المدينة الى بغداد، كتب اليه رسالة يظهر فيها الحب والمودة ومحاولة التقرّب اليه، تشبه الى حد كبير اسلوب المأمون مع الامام الرضا، والرسالة مطولة أوردها العلامة المجلسي في كتابه "بحار الانوار"، وهي تؤكد على حقيقة واحدة؛ أن الإمام الهادي هو القائد الحقيقي للأمة في ذلك الوقت وليس المتوكل، ومما رصده المؤرخون تكرار عبارة "أمير المؤمنين" ثمان مرات في رسالة المتوكل ليحاول عبثاً إيهام الناس بأنه الحاكم والقائد وليس غيره، وهذا يمثل إحدى ثمار قرب الامام الهادي من افراد الأمة جميعاً، ومتابعة شؤونهم، والنظر في همومهم ومشاكلهم.
اسلوب التقية للحفاظ على أرواح الناس
أشرنا الى محورية هذه القيمة الدينية العليا في المهام الرسالية للأئمة الأطهار في ظل حكام الجور والطغيان، ومنهم؛ الامام الهادي، عليه السلام، فقد كان على خطى آبائه حريصاً على أرواح المؤمنين الموالين من بطش السلطة، إذ كانوا يمثلون القاعدة الجماهيرية للقيادة الشرعية، وكانوا يتواصلون مع الإمام في المسائل الشرعية، وفي صياغة الموقف حيال السلطة، الى جانب إيصال الحقوق الشرعية اليه، عليه السلام، وهذا تحديداً ما كانت تخشاه السلطة العباسية.
ومن أجل الحفاظ على المنجز الكبير بإنشاء "دولة داخل دولة"، والتغلغل في البلاط العباسي، وايضاً؛ الحفاظ على القاعدة الجماهيرية الواسعة، فضّل الامام الهادي اتباع اسلوب التقية للتواصل، وعدم التفريط باصحابه، ومن تلك الاساليب التي يذكرها الشيخ عبد الله اليوسف في مؤلفه المشار اليه؛ كتابة الرسائل بطريقة الحروف المتباعدة مما يجعل قراءتها امراً صعباً، وتكون على شكل رموز وشفرات، منها ما ينقله احمد بن هارون، بأن الامام أعطاه كتابا يوصله الى تاجر في المدينة، يقول: بينما أتينا بالدواة والقرطاس غابت الشمس وحلّت العتمة فطلبت الشمعة للإنارة فرفض الإمام ذلك، و أخذ يكتب تحت جنح الظلام ثم وضع عليه ختمه، وناولني الكتاب، فأوصلته الى الشخص المعني وفضّ الخاتم وقرأ ما فيه وقد وجدته حروفاً متقطعة غير مفهومة، فطلب منّي التريّث ليكتب لي الإجابة على رسالة الإمام، ثم عدت بالجواب اليه، عليه السلام.
وفي مصادر أخرى؛ كان الامام الهادي يتبع اسلوب الرسائل الشفهية لمزيد من التأكد بالوصول دون تورط الافراد بدليل موثق عليهم يودي بحياتهم، الى درجة أن ينهي الإمام الهادي ذات مرة أحد اصحابه كان يسير معه في المدينة، فأراد أن يسأله عن مسألة فبادره بالقول: "نحن على قارعة الطريق وليس هذا موضع مسألة"!
وفي حادثة أخرى تحذير الإمام الهادي لشيعته من عدم التوجه الى سامراء لتقديم الحقوق الشرعية من اصحابه في مدينة قم، وكانت عبارة عن أموال ونذور هدايا وجواهر مرسلة الى الإمام، فأرسل الى اصحابه بالتريّث بأن "ليس هذا وقت الوصول الينا"، وكانت معلومة من داخل البلاط وصلت للإمام بتوجه قوة عسكرية بناءً على وشاية الجواسيس للإجهاز على القافلة، فكان الاحباط لهم والسلامة للشيعة.
بالمقابل نلاحظ النتيجة المخزية والسيئة لمن يتجاهل هذا الحرص من الإمام الهادي، فقد ورد عن شخص جاء من قم وله "ألطاف" للإمام الهادي، ربما تكون بعض الهدايا له، عليه السلام، وفي الدار التي سكنها في سامراء، طلب من عجوز أن "تلتمس لي امرأة لزواج المتعة"! فخرجت في طلب حاجتي، وبعد فترة وجيزة جاء رسول الامام الهادي بأن "قد شكرنا برّك وألطافك التي حملتها تريدنا بها، فاخرج الى بلدك و اردد ألطافك معك، واحذر الحذر كله أن تقيم بسر من رأى أكثر من ساعة، فإنك إن خالفت وأقمت عوقبت فانظر لنفسك".
بيد أن الرجل لم يلتزم بأمر الإمام الهادي، وفضّل تلبية غريزته الجنسية على تلبية أوامر الإمام، فبينا هو مع تلك المرأة في جوف الليل واذا بالباب تطرق بعنف، وكان وراء الباب عناصر الشرطة يسألون عنه، فقبضوا عليه ونهبوا كل ما عنده من الألطاف التي كان ينوي إيصالها للإمام الهادي، مع حكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر.
طريقة ذكية لقضاء حاجة الناس
نقرأ في التاريخ القدرات الغيبية للأئمة الاطهار في ردّ كيد الاعداء عنهم، وعن شيعتهم، و ايضاً في قضاء حوائجهم المادية، وهذا ليس بكثير عليهم لمنزلتهم العظيمة عند الله –تعالى- بيد أنهم في الوقت نفسه يحملون رسالة حضارية للأمة تؤكد معادلة السبب والمُسبب في الحياة، وأن الحياة في ظلهم، عليهم السلام، ليست كلها معاجز وخوارق مهما كانت الظروف، وقد أشرنا الى هذا في مقالنا السابق عن الامام الجواد، عليه السلام.
ففي موقف مذهل للإمام الهادي مع أحد الكوفيين المؤمنين جاءه الى سامراء وهو يقول: "قد ركبني دينٌ فادح أثقلني حمله، ولم أرَ من أقصده لقضائه سواك"، فأخذ الإمام ورقة وكتب فيها بخطّ يده ان يعترف بدينٍ عليه لهذا الكوفيّ، وطلب منه بأن يفعل ما يؤمر بدقة دون مخالفة او تردد، وأن يحضر في مكان وزمان حدده له الإمام يكون فيه رموز الدولة العباسية ويرفع طلبه بأعلى صوته امام الحاضرين بأن له دينٌ على الامام الهادي مقداره ثلاثون ألف درهم، وكان الإمام الهادي قد أوصاها بأن يغلظ بالقول! هنا ارتبك المجلس، وجاءه الإمام برفق وليونة، طالباً منه العذر مع وعد بوفائه الدين، فبلغ الخبر المتوكل فأمر أن يحمل الى الامام الهادي ثلاثون ألف درهم، فأخذها الامام وفي مكان مناسب ناولها ذلك الرجل المحتاج وسط دهشته وذهوله وقال له: "خذ هذا المال واقض منه دينك، وأنفق الباقي على عيالك وأهلك، واعذرنا"! فقال الرجل: "يا بن رسول الله، والله إن أملي كان يقصر عن ثلث هذا، ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالته".



اضف تعليق