يحصل الكاتب في وسائل الإعلام على المديح والثناء، وترتفع منزلته لكونه قادر على تحويل أفكاره الى كلمات وجمل وسطور وصفحات وقد تكثر لتصل الى الكتب، هذه المراحل الكتابية تحدد نوع الكاتب ومكانته في مجتمع الكتاب أولاً، وفي مجتمعه العام ثانياً.

وبنفس مقدار المديح والثناء الذي يحصل عليه الكاتب، قد يحصل على كم كبير من النقد لكتاباته بعضها ترتبط بجودة الكتابة من الجانب الفني، من حيث التزامه بقواعد اللغة، وأسلوبه، ونبرته الكتابية، إن كان هادئا أو متشجناً حد استخدامه الشتائم.

في الجانب الآخر وهو موضع حديثناً، فقد يصل النقد الى الاتهام، بأن الكاتب يحابي السلطة، ويلمع شخوصها، ويخفي الحقائق ويحاول قيادة عقول الجماهير الى حيث تريد السلطة لا حيث تسير الحقيقة وحيث يجب أن تستقر وتشغل الكشافات الضوئية على الواقع المجتمعي.

إنه ذلك الكاتب الكذاب المضلل لجمهوره، يستخدم العبارات الجميلة كستار لأهدافه غير النبيلة، هكذا يتهم الكاتب في العراق، وبطريقة تصل حد التعميم.

أنت كاتب في الصحف ووسائل الإعلام؟

مع أي مؤسسة تكتب؟

المؤسسة سين أم صاد؟

مهما حاولت ستبقى مروجا لسياستها؟ أليس كذلك؟ ومن ثم فأنت تستخدم أساليب التضليل لإقناع جمهورك بالأفكار التي يريدها الممول؟

لكي أجيب على هذه التساؤلات ساتحدث عن أحد الكتاب والمؤلفين حين حدثته عن رغبتي لأكون كاتباً، قال لي الدكتور قيس الجنابي وهو مؤرخ وناقد إنني لو ذهبت في طريق الكتابة فقد أنهيت حياتي وسوف أعيش كمن يأكل جسده يومياً.

لم أكن أفهم ما كان يقول الجنابي، فقد كنت كاتباً فتياً، لم أكتب في حينها سوى بضع عشرات من المقالات، لكن الكلام الذي قاله لي بقي راسخاً في دماغي وأتذكره بين مدة وأخرى.

والآن وبعد كتابتي مئات المقالات في مواقع وصحف عراقية وعربية، بدأت أفهم ما يعنيه الدكتور قيس الجنابي.

الأمر الأول الذي فهمته أنك في أي مقال أو كتاب تكتبه سيلتصق به اسمك، المقال مثل الطفل الذي يحمل اسمك وينتسب إليك، عليك أن تختار له المكان الذي يسكن فيه (مكان النشر) وهذه مهمة شاقة بشكل لا يطاق، فمثلما يصعب عليك ترك ابنك للشارع يتربى بعشوائية، كذلك يصعب نشر المقال في أي مكان تجده أمامك.

قد تكتب الكثير من المقالات وتبقيها حبيسة جهاز الحاسوب لأنك لا تجد من يقدر قيمة ما تكتب، وقد تجد من يقدر مقالاتك لكنه لا يستطيع نشر المقال، انت تكتب لكي يفهم الجمهور، وتود لو تخصص كل وقتك لتوضيح الغموض في قضايا كثيرة يتم فيها التلاعب بالجمهور، لكن هذا صعب فالكتابة تحتاج الى الوقت فتفلت الكثير من القضايا المستعجلة.

في بعض الأحيان تجد جهات سياسية تسخدم الجمهور لأغراض سيئة وتقوده الى التخلف اقتصادياً وعلمياً واجتماعياً، تستعرض عضلاتها العسكرية في الشوراع وفي ذات الوقت ترفع راية هيبة الدولة، والكتابة عن هذه صعب لانه سيعرضك للقتل، أو للتضييق، وربما الخطف والإهانة.

قد تسرق حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ويُفعل بها ما يُفعل من قضايا غير أخلاقية تحط من كرامة الكاتب، وابسط العقوبات أن الكاتب قد يتعرض لايقاف حساباته لأن هناك جهات سياسية تملك جيوشاً من التقنيين المخصصين لهذه المهمة.

الأمر الثاني الذي قد يواجهه الكاتب هو عدم استجابة الجمهور نفسه لما يكتب، فالكاتب قضي ايامه في البحث والتدقيق، ثم ينشر ما كتبه فلا يجد التفاعل معه رغم أهمية المكتوب وخطورته على الناس، لكنهم لا يقرأون ولا يتفاعلون مع الكتابة، وهذه المشكلة يتحملها الجمهور وعليه إصلاحها.

الامر الثالث وهو يتعلق بالجانب النفسي للكتابة، فلا يمكن تصور مقال سياسي أو اجتماعي أن يولد في ظرف ساعة أو حتى يوم، هو ليس الكلام المبعثر الذي يلقيه أي شخص، إنه حصيلة قراءات لمئات المؤلفات ونقدها وتحليلها، مع القراءة اليومية لعشرات الأخبار والمقالات وتفكيكها ثم إعادة ربطها ببعضها، لوضع استنتاجات تفيد في إيصال رسالة واضحة للجمهور تعرفه بما يدور حوله وتفسره له الاحداث. وهذا يتعارض مع ما يقال أن ما يكتب مجرد كلام محللين، لأن التحليل لا يأتي عبثاً.

الامر الرابع التفكير والبحث الدائم عن الجيد من الأفكار، فهناك قضايا إيجابية يجب أن يكتب عنها الكاتب لتعزيزها بين المجتمع، وهذا ليس سهلا، فحينما تكتب عن الإيجابية تتهم بأنك تسوق لأفكار السلطة التي تلمع بالوضع القائم، وفي الجانب الآخر هناك القضايا الخطيرة التي قد تعرض حياة الكاتب للموت، لكن عدم الكتابة عنها ضرورية.

وفي النقطة الرابعة تحديداً تتضح محنة الكاتب الذي يتعرض لأنواع التهم، ففي الحالة الأولى عليه أن يكون حذراً بعدم الانجرار لخطاب السلطة، وأن لا ينسى دوره النقدي حتى في القضايا الإيجابية، أما في القضايا الخطيرة فعليه أن يخفف اللغة الى درجة كبيرة لتجنب الموت، لكنه قد يتهم بأنه يحابي جهات معينة ويخفي الحقائق.

حياة الكاتب عبارة عن صراع بين أنواع من القوى، مرة مع ذاته التي يحاول أن يكبح جماحها خوفاً عليها من متغيرات السلطة والقوى المتنفذة، وفي أحيان أخرى يصارع للبحث عن مكان ينشر فيه مقاله بما يجعله متاحاً لدى أكبر عدد من الناس، وما بين صراعاته هناك الصراع الأكثر صعوبة وينهش طاقة الجسم، إنه البحث الدائم عن أفكار جديدة للكتابة.

الرسالة من حديثي هذا موجهة للقارئ كما هي رسالتي له دائماً، لكن هذه المرة أردت أن اغوص في المقال نفسه لا في القضايا التي يتناولها، أريد من القارئ أن يعيد قراءة المقالات التي يقرأها أكثر من مرة مثلما يفعل الكاتب عبر إعادتها مرات ومرات ليتأكد انها قابلة للنشر، خالية من الأخطاء المعلوماتية واللغوية، الكاتب يريد من القارئ أن يفهم ما يقرأ وإن شَعَرَ بعدم الفهم فلا يترك النص، لا بأس بإعادة القراءة.

اضف تعليق