المرجع الديني الراحل يؤكد على مبدأ السلم من قاعدة القوة النظيفة مستنداً إلى التجربة الحضارية الثرية للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، الذي لم يستند في دعوته إلى التوحيد ونشر قيم الإسلام وأحكامه بقوة السيف والعنف، وإنما برسالة السلام والمودة، وهذا كان شعاره لدى فتح مكة: "اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحُرمة"...

كأسلافه الفقهاء، وعلى نهج رسول الله والأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم)، رفع راية السلم ليجسد أهم وأبرز مبادئ الإسلام في التعامل مع الحياة. وبما أن السلم حالة متطابقة مع الفطرة البشرية فإن الله تعالى ضمنها في تشريعاته كقاعدة أساس في نمط التعامل فيما بين أفراد البشر، وهو ما أكد عليه سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي، الذي نعيش هذه الأيام ذكرى وفاته الخامسة والعشرين، في عديد مؤلفاته وأحاديثه لعامة الناس وللرساليين في الوقت نفسه؛ فكان يشجب كل أنواع التعكّز على العنف لتحقيق مصالح شخصية أو سياسية: "فالحرب أسوأ شيء عرفه الإنسان في تاريخه الطويل، لأنها توجب قتل الإنسان ونقص أعضائه، وفقد قواه وتشويهه، كما توجب هدم العمران، وإثارة البغضاء والشحناء بين البشر، وتورث الأجيال العقد النفسية". (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام).

الحرب التي تنتج السلام الحقيقي

بعد الحرب العالمية الثانية، وصدمة العالم بخسائره المريعة في الأرواح والممتلكات، ساد الاعتقاد بأن منهجاً جديداً للقوة العسكرية بإمكانه إنتاج السلام والاستقرار في العالم من خلال "توازن الرعب النووي"، ثم تبين أن هذا التوازن لم يكن سوى غطاء يخفي تحته تفرد وطغيان قوة عسكرية جديدة متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، بل يُقال بالأساس إن أحد أسباب اختلاق الذرائع لنشوب الحرب العالمية الثانية هو تخلّص أمريكا من عزلتها وعبور المحيط إلى العالم الصاخب في أوروبا والشرق الأوسط لتصدير قوتها وهيمنتها، وانكشفت الحقيقة بظهور نظرية "نهاية التاريخ" على يد أمريكا، على أنها خاتمة القوى في الأرض، ولم تتوقف نظريات الهيمنة عند هذا الحد، بل استمرت لتبشّر بـ "الحرب الناعمة" أيضاً، وأن أمريكا ليست فقط موجودة في قواعدها العسكرية وعلى متن حاملات الطائرات، وإنما في التنمية الاقتصادية، والثقافة، والفن، والتكنولوجيا في مجالات عدّة، أبرزها الاتصالات (الإنترنت).

وبخلاف ادعاءات من تناوبوا على البيت الأبيض بأن أمريكا تسعى لنشر الحرية والمساواة والديمقراطية، فإن منهج الهيمنة والتسلط الكامن في روح كل نشاط وحركة أمريكية أثار حفيظة الشعوب التي وجدت أنها على حين غفلة تتعرض لانتهاك صارخ لهويتها وحقوقها وكرامتها، فهي إن لم تتمكن من مواجهة القوة العسكرية الأمريكية، فهي صارت تعيش حالة الحرب والتوتر وانعدام السلم والاستقرار كما حصل في فنزويلا.

هذه النظرية الملتوية هي التي جعلت العالم طيلة سبعين عاماً يعيش على صفيح ساخن، ولم يكتشف زيف الادعاءات الأمريكية إلا بعد إزهاق أرواح الملايين من البشر، وهي النظرية التي طالما حاربها المرجع الديني الراحل مؤكداً على مبدأ السلم من قاعدة "القوة النظيفة" -إن جاز التعبير- مستنداً إلى التجربة الحضارية الثرية للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، الذي لم يستند في دعوته إلى التوحيد ونشر قيم الإسلام وأحكامه بقوة السيف والعنف، وإنما برسالة السلام والمودة، وهذا كان شعاره لدى فتح مكة: "اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحُرمة"، بل يشير سماحته في كتابه "الصياغة الجديدة" إلى أن "النبي الأكرم لم يشن حروبه الدفاعية إلا بعد فقدان الخيارات التي كانت عبارة عن عدة أمور: 1- الحياد، كما حصل بينه وبين الحبشة، وكان أول شرط عدم اعتداء البعض على البعض الآخر. 2- العهد، أو معاهدة السلام (حسب المصطلح الحديث)، كما عاهد المشركين في صلح الحديبية. 3- الإسلام عن قناعة، فإذا أسلم الطرف الآخر فقد حقن دمه وحفظ ماله، ولا عدوان إلا على الظالمين".

إن الحروب التي خاضها رسول الله في بداية دعوته إلى الإسلام كانت تستهدف النفوس المطوية على البغي والعدوان والخيانة؛ لأن "الحرب ظاهرة اجتماعية تمليها الغرائز الفاسدة وليست أمراً طبيعياً في البشر"، ولذا كانت تلك الحروب منطلقات للبناء والتنمية والسلام في الجزيرة العربية لأنها لم تستهدف المدنيين والآمنين، وكانت نتائجها توفير الأمن والاستقرار للجميع بمن فيهم أصحاب الديانة المسيحية واليهودية، ولعلها تكون إحدى أسرار النجاح الحضاري الباهر الذي أدهش علماء وفلاسفة الغرب بشخصية الرسول الأكرم.

وعلى ذات النهج سار أمير المؤمنين والأئمة المعصومون من بعده، فإنهم إن خاضوا حروباً ضد طغاة عصرهم بمختلف الأشكال، إنما كان المستهدف تلك النفوس المستوطنة فيها البغي والعدوان، مع بذل كل المحاولات للهداية وتجنب إراقة الدماء كما نقرأ في تفاصيل أحداث حرب صفين، وفي أحداث معركة كربلاء.

القوة لا تعني العنف دائماً

القوة من لوازم حياة الإنسان في سعيه لتوفير العيش الكريم، ولالدفاع عن حقوقه وعن كيانه، وهي حقيقة إنسانية أكد عليها الإسلام على لسان النبي الأكرم: "المؤمن القوي خيرٌ من المؤمن الضعيف"، وطائفة واسعة من الروايات والأحاديث عن المعصومين (عليهم السلام)، وقبلهم القرآن الكريم، كلها تؤكد على ضرورة أن يكون المؤمنون في حالة قوة ومنعة أمام القوى التي تستبطن العدوان والبغي على طول الخط ضمن معادلة الصراع الأبدي بين الحق والباطل.

هذه القوة تكتسب شرعيتها عندما تكون مهمتها حماية السلم والأمن، و"الإسلام يدعو إلى توفير القوة الكافية للحفاظ على السلام، لأنه لو لم يكن الحق مدعوماً بالقوة لما انتصر على القوى الداعمة للباطل، فثمة قوى لا ترضى بالحق فتتجاوز على حقوق الآخرين". (فقه السلم والسلام- المرجع الديني السيد محمد الشيرازي).

وعندما تكون الغاية بهذا الحجم لابد من التنوع في مجالات القوة، فهي اليوم ليست في السلاح فقط، وإنما هي في الاقتصاد، وفي الإعلام، والسياسة الخارجية، وأيضاً في العلم والمعرفة، كما يشير سماحته في الكتاب المشار إليه، وأي دولة أو شعب تعكز في قوته على السلاح فقط لم يكسب سوى الموت والدمار والتخلف، وإن كانت الدوافع مشروعة، مثل مقاومة المحتل أو مواجهة قوى خارجية طامعة، أو حتى لمواجهة نظام حكم ديكتاتوري، فإن القوة في ساحة المواجهة يجب أن تشمل جميع نواحي الحياة، وأي خلل في ناحية ما، يعني استغلال الطرف المقابل هذه الثغرة للاختراق بفرض قوته الإعلامية، أو الاقتصادية، أو العلمية، وهذا ما نعيشه حالياً في ساحة الصراع الفكري والثقافي مع الغرب.

وهذا يستدعي المزيد من التعبئة والاستعداد والتهيؤ في المجالات كافة حتى لا نقع في شرك الاستسلام للأمر الواقع بدعوى "الجنوح للسلم"، وقد ميز سماحة المرجع الراحل في كتابه المشار إليه، بشكل واضح بين السلام والاستسلام، "فربما أصبحت أمة مستسلمة، وهذا دليل ضعفها كما رأينا في قضية فلسطين واليهود". والاستسلام لا يكون بالضرورة في ساحة القتال، فهو يتجلى في ساحة العلم والمعرفة، وفي ساحة الاقتصاد، وحتى في الفكر والثقافة عندما يكون ثمة تراجع في الإبداع والتأصيل واستخدام كل الوسائل لنشر الوعي، فبقدر قوتنا في مختلف الجوانب، نكون أقرب إلى توفير السلم والاستقرار لبلادنا وشعوبنا.

اضف تعليق