المشروع الفقهي للإمام الشيرازي يتجاوز مفهوم الفقه التَّقليدي المحصور في دراسة الأفعال الفرديَّة، ليقدِّم رؤية موسوعيَّة شاملة تعتبر الفقه إطارًا معرفيًّا لبناء النِّظام الاجتماعي والحضاري. فالموسوعة الفقهيَّة تعيد هندسة العلاقة بين الإنسان وبيئته والمؤسَّسة والمجتمع، مع مراعاة الثَّوابت الشَّرعيَّة والغايات العليا للشَّريعة. وهكذا يصبح الفقه منظومة متكاملة، توازن...

إنَّ دراسة النِّتاج الفقهي لسماحة المرجع الدِّيني السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (قدِّس سرُّه) لا يصحّ أن يُختزل في قراءةٍ إحصائيَّةٍ تُقوِّم عظمته بميزان العدد وحسب، أو تُرجِع قيمته إلى ضخامة موسوعته؛ وإنَّما يقتضي تجاوز هذا الأفق الكمِّي إلى أفقٍ أعمق يكشف عن المنهجيَّة التي تسري في مشروعه، وعن التحوّل النَّوعي الذي أحدثه في فهم الفقه ووظيفته في حياة الإنسان والمجتمع. فالمسألة تتعلَّق بإعادة تحديد المجال الذي يتحرَّك فيه الفقه، وحدود اشتغاله، ودوره في بناء النِّظام العام للحياة، ولا تتعلَّق بزيادة عدد المجلدات أو بتوسيع نطاق التَّفريعات الفقهية فقط.

 لقد جاءت موسوعته الكبرى في (الفقه) بوصفها مشروعًا تأصيليًّا يتخطَّى الإطار التَّقليدي للأبواب العباديَّة والمعاملاتيَّة المعهودة، التي تمحورت تاريخيًّا حول تنظيم علاقة المكلَّف بربِّه (تعالى) من جهة، وبغيره من الأفراد من جهةٍ أخرى، في حدود مسائل محدَّدة. أمَّا هذا المشروع لم يقف عند أبواب الطَّهارة والصَّلاة والصَّوم والحج والخمس والزَّكاة؛ وإنَّما أعاد توزيع المادة الفقهيَّة على مجالات أوسع، من قبيل الاجتماع والإدارة والقانون والحريات العامَّة والنَّشاط الاقتصادي والبيئة وحقوق الحيوان، فضلًا عن المسائل المستحدَّثة وما اصطلح عليه بفقه المستقبل.

 وهذا التَّوسّع يعكس افتراضًا نظريًّا ضمنيًّا مفاده أنَّ الشَّريعة بما هي خطاب إلهي موجَّه للإنسان تؤسِّس لدائرة تنظيميَّة شاملة. فالقرآن الكريم حين يقرِّر: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)(1)، يُفهم منه احتواء الأصول والقواعد الكليَّة القادرة على استيعاب أنماط الحياة المختلفة. كما أنَّ قول الله (تعالى): (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(2) يربط بين الرِّسالة والتَّشريع وإقامة نظام العدل في المجتمع، وهو ما يدل على أنَّ الوظيفة التَّشريعيَّة تتجاوز التَّعبُّد الفردي إلى بناء العمران القائم على الأحكام الإلهيَّة.

 ومن هنا يبرز السُّؤال المنهجي المركزي: هل يمثِّل هذا الاتِّساع مجرَّد إضافة موضوعات جديدة إلى قائمة الفروع الفقهيَّة، أم أنَّه تعبير عن تحوّل في البناء يرى الفقه إطارًا مرجعيًّا لتنظيم مختلف مجالات الحياة؟

 إنَّ الإجابة الدَّقيقة تقتضي فحص الهيكليَّة المعرفيَّة التي يستند إليها المشروع؛ فإن كان الفقه يُفهم بوصفه علماً يضبط الأفعال الجزئيَّة، فإنَّ هذا التَّوسع سيبقى توسعًا عرضيًّا. أمَّا إذا فُهم باعتباره نظامًا تشريعيًّا يستند إلى مقاصد كليَّة وقواعد حاكمة ـ كحفظ النِّظام، ونفي الضَّرر، وتحقيق العدل ـ فإنَّ إدخال موضوعات الاجتماع والإدارة والبيئة وغيرها يصبح امتدادًا طبيعيًّا لوظيفته الأصيلة.

 وعليه، فإنَّ قراءة المشروع الفقهي للإمام الشيرازي تقتضي قراءةً تتجاوز ظاهر المتون إلى عمق الرُّؤية، فتُبرز تلك المحاولة الواعية لإعادة وصل الفقه بوظيفته الأصيلة في هندسة الحياة وصياغة مساراتها. إنَّه انتقالٌ بالفقه من كونه علمًا يُعنى بتقنين الأفعال وضبط الجزئيات، إلى كونه منظومةً متكاملة تُؤسِّس لنظامٍ حضاريٍّ يستمد معاييره من نور الوحي، ويُحسن في الوقت ذاته التَّفاعل مع تحوّلات الواقع واستحقاقاته المتجدِّدة.

المحور الأوَّل: إعادة تعريف الموضوع الفقهي

 استقرَّ في علم الأصول أنَّ موضوع الفقه هو (أفعال المكلَّفين) من حيث اتِّصافها بالأحكام الشَّرعيَّة الخمسة؛ أي: الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة. وهذا التَّعريف، من حيث الدِّقة المنطقيَّة، يعبِّر عن الإطار المعياري للفقه بوصفه علمًا يبحث في نسبة الحكم إلى فعل الإنسان المختار. غير أنَّ الممارسة التاريخيَّة للدَّرس الفقهي، في كثير من مراحله، جعلت هذا التَّعريف ينحصر تطبيقيًّا في نطاق الأفعال الفرديَّة، ولا سيَّما في أبواب العبادات والمعاملات ذات الطَّابع الشَّخصي.

 إلَّا أنَّ قراءة المشروع الفقهي للإمام الشيرازي تكشف عن انتقال نوعي في تحديد (الموضوع)، لا على مستوى التَّعريف الأصولي النَّظري؛ بل على مستوى التَّفعيل المنهجي. فالفقه عنده لا يقف عند توصيف فعلٍ فردي بكونه واجبًا أو محرَّمًا؛ ولكن يتَّجه إلى دراسة البُنى التي تنتج الأفعال؛ أي: النُّظم الاجتماعيَّة والمؤسساتيَّة التي تشكِّل الإطار الحاكم لسلوك الأفراد.

 فعندما يعالج (الفقه: الاجتماع)، يكون البحث منصبًّا على الضَّوابط الشرعيَّة المنظِّمة للعلاقات الاجتماعيَّة بوصفها شبكة مترابطة من الحقوق والواجبات. وحين يكتب في (الفقه: الإدارة)، فإنَّ السُّؤال يتعلَّق بالإطار التَّشريعي الذي ينبغي أن تنتظم ضمنه المؤسَّسة الإداريَة، من حيث توزيع الصلاحيات، وضبط المسؤوليات، وتحقيق العدالة الوظيفيَّة. وكذلك في (الفقه: الحريات)، يمتد إلى تحليل الجذور الحقوقيَّة التي تضبط علاقة الفرد بالسُّلطة والمجتمع، وتوازن بين صيانة الكرامة الإنسانيَّة وحفظ النِّظام العام.

 وهذا التَّحول يكشف عن إعادة توجيه لموضوع الفقه من (الفعل المنعزل) إلى (النظام المنتج للأفعال). فالفقه، في هذا المنظور يسعى إلى تقويم البيئة التشريعيَّة التي تشكِّل شروط إمكان ذلك السُّلوك. ومن هنا يمكن الحديث عن انتقال منهجي من فقه الأفعال إلى فقه الأنظمة.

 ويجد هذا الامتداد سنده في النَّص القرآني؛ لأنَّ الخطاب التَّشريعي في القرآن الكريم يتَّجه إلى تأسيس أطر كليَّة تضبط الحياة العامَّة. فقوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)(3) قاعدة تحكم النِّظام الاجتماعي بأسره. وكذلك قوله (سبحانه): (وَأَمرُهُم شُورى بَينَهُم)(4) يؤسِّس لبناء عملي في إدارة الشَّأن العام، لا لمجرَّد توصية أخلاقيَّة معزولة. وفي ضوء هذا، فإنَّ البحث الفقهي في طبيعة الإدارة أو دائرة السُّلطة أو تنظيم الحريات هو توسيع لتطبيقاته في ضوء مقاصده الكليَّة.

 إنَّ النقلة المنهجيَّة الكبرى في هذا المشروع تكمن في اعتبار (النِّظام) موضوعًا قابلًا للبحث الفقهي، بوصفه مجموع العلاقات المنظِّمة التي تُنتج أفعال الأفراد. وبهذا يصبح الفقه علمًا معنيًّا بهندسة المجال الاجتماعي للحياة. وهذا التَّحول يعيد تفعيل التَّعريف الأصولي للفقه على مستوى أوسع؛ حيث تغدو الأنظمة الاجتماعيَّة نفسها مصاديق لأفعال المكلَّفين الجماعيَّة، وتصبح دراستها جزءًا من الوظيفة الأصيلة للفقه بوصفه علمًا شاملًا.

المحور الثَّاني: الفقه وبناء المجال العام

 إنَّ التَّأمل في عناوين من قبيل (الفقه: القانون)، و(الفقه: التجارة)، و(الفقه: البيئة)، و(الفقه: حقوق الحيوان وأحكامه) في مشروع الإمام الشيرازي يكشف عن تصور نظري يتجاوز فهم الفقه بوصفه علمًا لتحديد الأحكام الفرديَّة، إلى اعتباره مرجعيَّة لتنظيم مجالات الحياة الإنسانيَّة في أبعادها الكليَّة. فهذه العناوين تعكس إعادة تموضع للفقه في قلب التَّركيب الحضاري، بوصفه إطارًا حاكمًا للنِّظام الاجتماعي.

 فالبيئة، في الدِّراسات المعاصرة، تُعالج غالبًا ضمن حقول العلوم الطبيعيَّة، أو في سياق السياسات البيئيَّة الدوليَّة، حيث تُقرأ بوصفها مسألة موارد، وتوازنات مناخيَّة، وتشريعات تنظيميَّة ذات طابع تقني. غير أنَّ إدراجها ضمن حقل فقهي يعني إخضاعها لمعيار المسؤوليَّة الشرعيَّة، بحيث يصبح التَّعامل مع الطبيعة فعلًا مؤطَّرًا تشريعيًّا، لا مجرَّد خيار إداري. ويجد هذا الامتداد أساسه في النَّص القرآني، فيقول الله (عزَّ وجلَّ): (وَلا تُفسِدوا فِي الأَرضِ بَعدَ إِصلاحِها)(5)، وهو نهي ذو إطلاق يشمل كلّ ما يخلّ بتوازن العمران، سواء كان فسادًا أخلاقيًّا أو بيئيًّا أو عمرانيًّا. كما أنَّ مفهوم الاستخلاف في قوله (جلَّ جلاله): (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرضِ خَليفَةً)(6) يؤسِّس لاعتبار الإنسان مسؤولًا عن صيانة النِّظام الكوني، لا مستهلكًا مطلق التَّصرف فيه.

 وعلى نحو مماثل، فإنَّ تناول حقوق الحيوان ضمن نسق فقهي منظَّم يخرجها من دائرة التَّعاطف العاطفي إلى مجال الالتزام الشَّرعي. فقد ورد في الرِّوايات الشَّريفة ما يدل على أنَّ الإضرار بالحيوان أو إهماله يُعدُّ موجبًا للمؤاخذة، كما في الحديث المشهور عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: "إِنَّ امْرَأَةً عُذِّبَتْ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ عَطَشا"(7). وهذا يعني أنَّ دائرة التَّكليف تمتد إلى كلِّ ما يدخل في نطاق سلطة الإنسان واختياره. ومن هنا فإنَّ إدراج حقوق الحيوان في مدوَّنة فقهيَّة موسَّعة يعكس فهمًا للشَّريعة بوصفها نظامًا أخلاقيًّا قانونيًّا شاملًا، يضبط علاقة الإنسان بكلِّ ما يحيط به.

 أمَّا في مجال التِّجارة، فإنَّ البحث يتجاوز صحَّة العقد أو بطلانه بوصفه تصرفًا فرديًّا إلى النَّظر في التركيبة الاقتصاديَّة التي تنتج هذه العقود. فالقرآن الكريم حين يقرِّر: (وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)(8)، يرسم معالم نظام اقتصادي قائم على العدالة وتداول الثروة ومنع الاستغلال. كما أنَّ قوله (سبحانه): (كَي لا يَكونَ دُولَةً بَينَ الأَغنِياءِ مِنكُم)(9) يشير إلى مقصد توزيعي يمنع احتكار الموارد داخل طبقة محدودة. 

 وفيما يتَّصل بالقانون، فإنَّ إدراجه ضمن النسق الفقهي يدل على وعيٍ بأنَّ التَّقنين الحديث، بما يتضمَّنه من منظومات تشريعيَّة وإجرائية، لا يمكن أن يبقى بمعزل عن المرجعيَّة الشَّرعيَّة في المجتمعات الإسلاميَّة. فالفقه، في هذا الإطار يضطلع بوظيفة تضبط العلاقات المدنيَّة والجنائيَّة والإداريَّة وفق معايير العدالة التي قرَّرها الله (سبحانه وتعالى). وبهذا المعنى، يتحوَّل الفقه إلى علم لإدارة الحياة، بوصفه منظومة يوجّهها ويضبط غاياتها ضمن رؤية تجعل من العدالة، وصيانة الكرامة، وحفظ النِّظام، معايير عليا في بناء العمران الإنساني.

المحور الثَّالث: الاستجابة للمتغيِّرات المعاصرة وبناء البعد الاستشرافي في الفقه

 من السِّمات المنهجيَّة البارزة في المشروع الفقهي للإمام الشيرازي إدراج عناوين ذات طبيعة استشرافيَّة، مثل (الفقه: المسائل المتجدِّدة) و(فقه المستقبل). وهذه التَّسمية في حدِّ ذاتها تعبِّر عن تحوّل في زاوية النَّظر إلى وظيفة الفقه؛ إذ لم يعد مقتصرًا على معالجة الوقائع بعد تحقّقها، وأصبح معنيًا بتشييد أطر قادرة على استيعاب التَّحولات قبل أن تتحوَّل إلى إشكالات أو أزمات عمليَّة.

 لقد اعتاد الفقه، في كثير من مراحله التَّاريخيَّة، أن يتحرَّك في إطار (الواقعة المستفتى عنها)؛ أي: أنَّ السُّؤال يسبق التَّنظير. غير أنَّ مفهوم (فقه المستقبل) يكشف عن إرادة منهجيَّة لتوسيع دائرة الاجتهاد من الاستجابة إلى المبادرة. وهذا التَّوجّه يفترض أنَّ النُّصوص الشرعيَّة تتضمَّن أصولًا وقواعد كليَّة قابلة لإعادة التَّفعيل في سياقات لم تكن معروفة زمن التَّشريع.

 ويجد هذا المنحى سنده في القرآن الكريم حينما يقدِّم نفسه بوصفه هداية مستمرة لا تنحصر في ظرف تاريخي محدَّد، كما في قوله (تعالى): (إِن هُوَ إِلَّا ذِكرٌ لِلعالَمينَ)(10)، وقوله (سبحانه): (وَنَزَّلنا عَلَيكَ الكِتابَ تِبيانًا لِكُلِّ شَيءٍ)(11). والظَّاهر أنَّ المراد من (تبيان كلِّ شيءٍ) بيان الأصول الكليَّة التي يُرجع إليها في تفريع الأحكام على المستجدات. ومن هنا ورد عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السلام) قوله: "إنَّما علَينا أنْ نُلْقيَ إلَيكُمُ الأصولَ، وعلَيكُم أنْ تُفَرِّعوا"(12)، وهو نصٌّ يؤسِّس لمنهج يجعل الاجتهاد عمليَّة مستمرة في تفعيل الأصول ضمن سياقات متغيِّرة.

 إنَّ إدراج موضوعات معاصرة كالعولمة، والأنظمة الحديثة، والتَّقنين القانوني، يدل على إدراكٍ بأنَّ الفقه إذا انكفأ عن الحوار مع التَّحولات العالميَّة فسيفقد فاعليته التَّنظيميَّة. فالعالم المعاصر تحكمه شبكات اقتصاديَّة وقانونيَّة وإعلاميَّة عابرة للحدود، ولا يمكن لفقهٍ يقتصر على المعالجة الفرديَّة أن يضطلع بوظيفة توجيه المجتمعات ضمن هذا التَّعقيد. ومن ثمَّ، فإنَّ إدخال هذه الموضوعات في دائرة البحث الفقهي يعني الاعتراف بأنَّ الشريعة معنيَّة بإنتاج موقف معياري من الظواهر الكونيَّة، لا الاكتفاء بضبط السُّلوك المحدود.

 كما أنَّ هذا التَّوجُّه يعكس فهمًا حركيًّا للشَّريعة، بوصفها منظومة تتفاعل مع الزَّمن دون أن تفقد ثوابتها. فالثَّابت فيها هو الأصول والمقاصد الكليَّة، كتحقيق العدل، وصيانة الكرامة، وحفظ النِّظام، وهي مقاصد دلَّت عليها نصوص قطعيَّة مثل قوله (تعالى): (لَقَد أَرسَلنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وَأَنزَلنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقومَ النّاسُ بِالقِسطِ)(13). أمَّا المتغيِّر فهو صور التَّنزيل والتَّطبيق، التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأنظمة.

وعليه، فإنَّ (فقه المستقبل) يعني بناء قدرة استيعابيَّة في الفقه، تجعله قادرًا على التَّعامل مع التحولات التقنيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة ضمن إطار منضبط بالأصول. وبهذا يتحوَّل الفقه من خطابٍ ينتظر الأسئلة ليجيب عنها، إلى منظومة معرفيَّة تستشرف مسارات التَّحول، وتضع قواعد عامَّة تحول دون انفصال المجتمعات المسلمة عن مرجعيتها التَّشريعيَّة في خضم التَّغيُّرات المتسارعة.

المحور الرَّابع: تكامل المستويات

 إنَّ التأمل في الامتداد الكمِّي لـ(موسوعة الفقه)، ولا سيَّما في أبواب الطَّهارة والصَّلاة والزَّكاة والصَّوم وسائر العبادات والمعاملات، يكشف التزامًا واضحًا بالمنهج الاستدلالي التَّفصيلي المعهود في المدرسة الإماميَّة؛ حيث يقوم البحث على استقراء الأدلة من الكتاب والسُّنة، وتحليل الدلالات اللغويَّة والأصوليَّة، ومناقشة الأقوال، ثمَّ التَّرجيح وفق الضوابط الاجتهاديَّة. وهذا الامتداد يؤكِّد رسوخ المشروع في التَّكوين الاجتهادي الموروث.

غير أنَّ إضافة مجلدات مستقلة لموضوعات معاصرة، ذات طابع مؤسسي أو حضاري، يكشف عن بعدٍ آخر يتجاوز مجرد التفصيل في الفروع، ليشير إلى محاولة واعية لبناء منظومة فقهيَّة شاملة متعدِّدة المستويات. فالموسوعة تُقرأ بوصفها نسقًا مترابطًا تتوزع فيه الموضوعات على طبقات تنظيميَّة متكاملة.

ويمكن رصد هذه المنظومة في ثلاثة مستويات مترابطة:

المستوى الأول: هو المستوى الفردي، ويتعلَّق بتنظيم علاقة الإنسان بربِّه (سبحانه) وبغيره في إطار العبادات والمعاملات. وهنا يتجلَّى البعد الذي يهتم بتزكية النَّفس وصيانتها، كما في قوله (تعالى): (إِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ)(14)، حيث تُقدَّم العبادة أداة لإصلاح الإنسان. كما أنَّ تشريعات المعاملات تضبط سلوك الفرد في المجال الاقتصادي والاجتماعي، بما يمنع الظُّلم والاعتداء.

المستوى الثَّاني: هو المستوى الإداري، ويشمل موضوعات الإدارة والقانون والتجارة بوصفها أنظمة منظِّمة للعمل الجماعي. ففي هذا المستوى يكون البحث في الآليات التي تنتظم بها المؤسَّسة. ويجد هذا الامتداد جذوره في النُّصوص التي تؤسِّس لمعياريَّة العمل العام، كما في قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)(15). وهو توجيه يشمل كلَّ موقع مسؤوليَّة داخل البناء الاجتماعي، ولا يقتصر على الأمانة الفرديَّة. وكذلك ما ورد عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) من تأكيد على معايير اختيار العمَّال ومراقبة أدائهم، وهو نصٌّ يكشف عن وعيٍ مبكر بأهميَّة الأصول الإداريَّة العادلة.

أمَّا المستوى الثَّالث: فهو المستوى الحضاري، الذي يتناول الحريات، والبيئة، والمسائل المتجدِّدة، وفقه المستقبل. وفي هذا الحقل يمتد الحكم الفقهي إلى تحديد الإطار الذي يحكم المجتمع في شموليته، ويضبط علاقته بالتَّحولات العالميَّة. فالحديث عن الحرية يرتبط بكرامة الإنسان، والحديث عن البيئة يرتبط بمسؤوليَّة الاستخلاف ومنع الفساد في الأرض. والجمع بين هذه المستويات الثَّلاثة ضمن إطار موسوعي واحد يدل على رؤية تعدُّ الفقه نظامًا متكاملًا لإدارة الحياة في أبعادها المختلفة: فهو يوجِّه الإنسان في باطنه عبر التَّشريع التَّعبدي والأخلاقي، وينظِّم المؤسَّسة عبر الضَّوابط الإداريَّة والقانونيَّة، ويؤسِّس للمجتمع إطارًا حضاريًّا يحدِّد غاياته الكبرى ومسارات تطوره. وبهذا المعنى، يتحوَّل الفقه إلى منظومة شاملة، تتكامل فيه الطبقات الفرديَّة والاجتماعيَّة والحضاريَّة ضمن رؤية واحدة تستمد مرجعيتها من الوحي وتستجيب في آنٍ واحد لمتطلبات الواقع.

المحور الخامس: استعادة مركزيَّة الفقه

 إنَّ إدراج موضوعات من قبيل الإدارة والبيئة والأنظمة القانونيَّة والاقتصاديَّة ضمن الأحكام الفقهيَّة يكشف عن موقف معرفي ناقد للتَّجزئة الحديثة التي فصلت بين الحقول العلميَّة وأقصت البعد القيمي عن كثير من البنى الاجتماعيَّة. 

 غير أنَّ المشروع الفقهي للإمام الشيرازي ينطلق من افتراض مغاير؛ فهو يعتبر الفقه إطارًا أعلى يوجِّه مختلف التَّخصصات، من دون أن يصادر استقلالها المنهجي. فالفقه، في هذا التَّصور، لا يحلّ محلَّ العلوم الإداريَّة أو الاقتصاديَّة أو البيئيَّة، ولا يدَّعي امتلاك أدواتها التقنيَّة؛ لكنَّه يضطلع بوظيفة ضبط الغايات والمعايير التي ينبغي أن تتحرَّك ضمنها هذه العلوم.

 إنَّ المشروع الفقهي للإمام الشيرازي (قدِّس سرُّه) يتجاوز مفهوم الفقه التَّقليدي المحصور في دراسة الأفعال الفرديَّة، ليقدِّم رؤية موسوعيَّة شاملة تعتبر الفقه إطارًا معرفيًّا لبناء النِّظام الاجتماعي والحضاري. فالموسوعة الفقهيَّة تعيد هندسة العلاقة بين الإنسان وبيئته والمؤسَّسة والمجتمع، مع مراعاة الثَّوابت الشَّرعيَّة والغايات العليا للشَّريعة. وهكذا يصبح الفقه منظومة متكاملة، توازن بين النُّصوص الخالدة ومتطلبات الواقع المتغيِّر، وتضع الإنسان في قلب عمليَّة البناء الحضاري، مسترشدًا بالقيم الإلهيَّة، ومستجيبًا لتحديات العصر الحديث.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

............................................

الهوامش:

1. سورة الأنعام/ الآية: 38.

2. سورة الحديد/ الآية: 25.

3. سورة النحل/ الآيتان: 90، 91.

4. سورة الشورى/ الآية: 38.

5. سورة الأعراف/ الآية: 56.

6. سورة البقرة/ الآية: 30.

7. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ص278.

8. سورة البقرة/ الآية: 275.

9. سورة الحشر/ الآية: 7.

10. سورة ص/ الآية: 87.

11. سورة النحل/ الآية: 89.

12. مستطرفات السرائر: ص110.

13. سورة الحديد/ الآية: 25.

14. سورة العنكبوت/ الآية: 45. 

15. سورة النساء/ الآية: 58.

اضف تعليق