يُمثل الإمام الحسن أنموذجاً فريداً في القيادة الإسلامية في حنكته المتعالية وأخلاقه العالية، حيث اتسم نهجه بـ "الحكمة الهادئة" التي تضع مصلحة الأمة العليا فوق كل اعتبار، فلم تكن حكمته مجرد ردود أفعال، بل كانت استراتيجية متكاملة للحفاظ على جوهر الدين وحقن دماء المسلمين وخلق توازنٍ بين أفراد المجتمع...

 يُعدُّ الأسلوب الحكيم من الأساليب البلاغية الخطابية الرائعة التي تعني: تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، أو إجابة السائل بغير ما يطلبه، بترك سؤاله والجواب عن سؤال لم يسأله ولكنه أولى به، ويهدف هذا الأسلوب إلى التربية، والتنبيه، والإيجاز، وإظهار الحكمة، وهو من أبرز الأساليب القرآنية والروائية والبيانية.

- حدُّه ومفهومه: هو نوع من أنواع المحسنات المعنوية، يعتمد على العدول عن المعنى الظاهر إلى معنى أعمق يراعي حال المخاطب.

أركانه:

1- مُخاطَب (سائل) يتوقع إجابة معينة.

2- مُجيب (حكيم) يعدل عن الإجابة المباشرة.

3- إجابة تحمل الحكمة والأولى بالاعتبار.

- أنواعه في البلاغة: تلقي المخاطب بغير ما يترقب: مثل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ...}(البقرة: 215)، حيث سألوا عن الكمية/النوع، فأجابهم بمصرف النفقة، وتلقي السائل بغير ما يتطلب: مثل السؤال عن "الأهلة" (ظاهرة طبيعية) والجواب بـ "منافعها" (حكم شرعي وفائدة).

- أغراضه البلاغية والتربوية:

1- التنبيه: لفت نظر السائل إلى ما هو أهم.

2- الإصلاح والتربية: تصحيح مفاهيم السائل وتوجيهه للأولويات.

3- التخلص من الإحراج: الإجابة بذكاء لتفادي الصدام أو الإحراج.

4- الإيجاز والبيان: تقديم الإجابة الأكثر إيضاحاً وفائدة.

 ويُمثل الإمام الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام) أنموذجاً فريداً في القيادة الإسلامية في حنكته المتعالية وأخلاقه العالية، حيث اتسم نهجه بـ "الحكمة الهادئة" التي تضع مصلحة الأمة العليا فوق كل اعتبار، فلم تكن حكمته مجرد ردود أفعال، بل كانت استراتيجية متكاملة للحفاظ على جوهر الدين وحقن دماء المسلمين وخلق توازنٍ بين أفراد المجتمع بالمنهج العملي.

أسباب استعمال الأسلوب الحكيم عند الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

هناك مجموعة من الأسباب:

1. تقديم المصلحة العليا، (شجاعة القرار الصعب): يظن كثير من الناس أن الشجاعة تكمن فقط في استلال السيوف، واقتحام الحروب، وليّ الأعناق، لكن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) أثبت أن الشجاعة في اتخاذ قرار السلام ونشر المحبَّة والمرحمة بمجابهة الأخلاق الرديئة، قد هذا الأمر يكون أصعب وأمرّ. في لحظة تاريخية فارقة، اختار "الصلح" وهذا ليس ضعفاً، بل بصيرةً؛ ليقينه أن استمرار الحرب سيؤدي إلى استئصال خلَّص الأمة وخيرة رجالها.

 الحكمة هنا: القدرة على التمييز بين "النصر العسكري المؤقت" وبين "البقاء الاستراتيجي" للمبدأ، فانتهت الحروب وبقيَ الإمام الحسن (عليه السلام) بأسلوبه الحكيم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

2. الحلم وامتصاص الإساءة: لُقّب الإمام الحسن بـ "كريم أهل البيت"، ولم يكن كرمه محصوراً في المال فقط، بل كان كريماً في أخلاقه وحلمه. واجه الكثير من الجفاء، سواء من الأعداء أم من بعض الأصحاب الذين لم يستوعبوا عمق خطته السياسية، فكان يقابل الإساءة بالإحسان، والجهل بالحلم. فكانت من حِكَمِهِ التي لا توزن بمال: "إنّ الحلم زينة، والوفاء مروءة." 

3. الأسلوب التربوي والرفق أداة للتغيير: اتخذ الإمام المجتبى (عليه السلام) من التربية والرفق أداة لاستجلاب الآخر، وقد اشتهرت قصة تعامله مع الرجل الذي لم يُحسن الوضوء، حيث لم يواجهه بالتخطئة المباشرة التي تجرح الكبرياء، بل لجأ هو وأخوه الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أسلوب المحاكاة التعليمية (الطلب من الرجل أن يحكم بين وضوئهما). الدرس والتربوي المستفاد منها: الحكمة في الدعوة تتطلب الرفق، فالتصحيح غير المباشر أسرع نفاذاً إلى القلوب من النقد اللاذع.

4. التوازن بين الزهد والمسؤولية الاجتماعية: عاش الإمام الحسن (عليه السلام) حياةً تميزت بالزهد الشخصي العميق، فقد قاسم الله ماله ثلاث مرات، وتصدق بماله كله مرتين. ومع ذلك، لم ينعزل عن المجتمع، بل كان مرجعاً للناس في شؤونهم، وملاذاً للفقراء، مما جعل من حكمته سلوكاً عملياً يراه الناس في إطعام الجائع وإغاثة الملهوف.

سُنن تطبيقية للأسلوب الحكيم في حياة الإمام المجتبى (عليها السلام)

 روي: إنّ شامياً رأى الإمام الحسن (عليه السلام) راكباً فجعل يلعنه، والإمام الحسن (عليه السلام) لا يردّ.

 فلمّا فرغ أقبل الإمام (عليه السلام) عليه وضحك، وقال: "أيّها الشيخ أظنّك غريباً ولعلّك شُبِّهت - أي ألتبس عليك الأمر-، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت إرتحالك كان أعود عليك لأنّ لك موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالا كبيراً"، فلمّا سمع الرجل كلامه بكى ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، كنت أنت وأبوك أبغض الخلق إليّ والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ، وحوّل رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبّتهم.

 فكان الشامي يتوقَّع ردَّة فعل الإمام الحسن (عليه السلام) بالغضب والنَّهَر والعراك، ولكنَّه تفاجئ بردَّة فعل غير متوقعة بضحك وكلامٍ ينم عن أخلاق أهل بيت النبوَّة ومهد الرسالة، وهذه طريقة استدعت الشامي إلى إعادة النظر في حساباته وإشعاره بالذنب فصار يتفصد عرقاً من الخجل، فقد استعمل الإمام المجتبى (عليه السلام) الأسلوب الحكيم في استدعاء نفوس الآخرين، فصار أحد الأدوات المستعملة في جلب الآخر باللاعنف.

 وفي رواية ثانية جاءت عن أبي حمزة الثُّمالي عن الإمام محمد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، قال: "جاء رجل من أصحاب الحسن (عليه السلام) يقال له سفيان بن أبي ليلى وهو على راحلة له فدخل على الحسن وهو محتب في فناء داره فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين! 

 فقال له الحسن (عليه السلام): انزل ولا تعجل، فنزل فعقل راحلته في الدار وأقبل يمشي حتى انتهى إليه. 

 قال: فقال له الحسن (عليه السلام): ما قلت؟ 

 قال: قلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين! 

 قال: وما علمك بذلك؟ 

 قال: عمدت إلى أمر الأمة فخلعته من عنقك وقلدته هذا الطاغية يحكم بغير ما أنزل الله.

 قال: فقال له الحسن (عليه السلام): سأخبرك لم فعلت ذلك..."، حاكم الدولة الإسلامية الكبرى وقتئذٍ وهكذا يُجابه من كلام من قبل الرعيَّة، ولم يستعمل العنف أو الصدَّ -على أقلِّ التقادير- ولم يأمر العسس باعتقاله أو النيل منه ؛ وإنَّما ردَّ عليه بالأسلوب الحكيم الذي يجعل الإنسان يخضع من دون استعمال القوَّة، وهذا هو سؤدد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي ألبسه ولده الحسن المجتبى (عليه السلام)، فارتدَّ الرجل - الذي انتهك حرمة الإمام الحسن- القهقرى، فسلَّم إليه بعد ذلك تسليماً بعد أن عرف أن الصُّلح ما هو إلَّا حفاظاً عليه وعلى أمثاله ممن يدينون للإسلام بالانتماء، وقد عُرف الإمام الحسن (عليه السلام) بهذا الأسلوب في حياته الشريفة. 

 إن الأسلوب الحكيم في حياة الإمام الحسن (عليه السلام) يتلخص في "بناء الإنسان قبل خوض المعارك". لقد أسس بصلحه وبأخلاقه قاعدة صلبة حفظت للمسلمين كيانهم، وأثبت أن القائد الحكيم هو من يقرأ المستقبل بعين البصيرة، لا بعين العاطفة العابرة.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

اضف تعليق