ذكر ابن أبي شيبة حديث الغدير الأغر في مواضع متعدد من مصنَّفه؛ وبأسانيد مختلفة، وجميع الصحابة الذين ذكرهم ابن أبي شيبة في الحديث موثوق بروايتهم عند جميح المُحَدِّثين، ولا لأحدٍ في أحد من الرواة مطعن فيه أو في روايته، وهذا ما دعانا باختيار هذا السفر للبحث في غدير أمير المؤمنين...
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدِّمة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه وحافظ سرِّه محمد بن عبد الله وأتمَّها على آله الذين اصطفى من عباده المخلصين؛ الذين {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}{الأنبياء/27}.
وبعد
منذ أن حجَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجته الأخيرة وقفل راجعاً من مكة المكرمة إلى المدينة المنوَّرة وأوقف الحجيج في ذلك الهجير عند غدير خم ليُعلِمَ الناس بتمام النعمة وإكمال الدين، وأعلن عن ذلك صراحة برفع يد خليفة الله ورسوله أمام زرافات من المسلمين ونطق الذي {مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}{النجم/4}، بذلك الحديث؛ إذ ألزم به جميع الناس أن يكون الإمام عليٌّ (عليه السلام) المولى عليهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصار الحدث الأبرز والأهم في تاريخ السيرة النبوية والسيرة العلوية، فانتشر الناس في الأمصار يتحدَّثون به ويُذيعونه على الملأ، وقد عُرف ذلك الحديث (بحديث الغدير)، وهو قوله (صلى الله عليه وآله): "مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ"، ولمَّا دُوِّنت الأحاديث بعد مائة ونيِّف من السنين؛ تناقلته الألسن حتى صار من أصحِّ الأحاديث، فصُنِّفت المصنفات وأعتُمدت المؤلفات، وصارت الفرق الإسلامية تعتمد من المؤلفات ما تراه موافقاً لشروطها.
مصنف بن أبي شيبة هو من الكتب المعتبرة التي يستند إليها المسلمون من أهل الفرق الإسلامية، وقد أشار المصنِّف إلى صحته واختياره لما صحَّ من الأحاديث، فوقع الاختيار عليه في البحث، فرحنا نجمع ما ذكره من طرق للحديث الغديري المبارك فوجدناه قد ذكره بطرق وأسانيد مختلفة حتى بلغ حدُّه ما فوق التواتر (في مصطلح علم الحديث)، وقد قسَّمنا البحث على تمهيد: درسنا فيها ماهيَّة الحديث وطرق اسناده، ومكانة مصنف ابن أبي شيبة بين كتب الحديث، ومن ثم جاء بعده الطرق التي جاءت بذكر حديث الغدير بالاحتجاج والتثبت، لأنَّ هذه الشبهة قد ذكرها كثير من العلماء على أنَّ حديث الغدير لم يصح؛ لذا لم يكن الإمام أمير المؤمنين ذا حقٍّ بالخلافة، فعمد البحث إلى ذكر الطرق والأماكن التي احتجَّ بها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بحديث الغدير في المصنف.
وخُتم البحث بخاتمة، جاءت فيها أبرز النتائج، وبعدها قائمة بالمصادر والمراجع.
والحمد لله رب العالمين..
التمهيد.. ابنُ أَبِي شَيْبـَةِ ومُصَنّـَفهُ
توطئة
بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد الصحابة تدوين الحديث النبوي الشريف؛ إلَّا أنّ السلطة حالت دون ذلك بزعمها الحفاظ على القرآن الكريم من أن يختلط بالسنَّة، فضاع من الحديث الكثير الكثير، وحُفظَ أقلّه في صدور الصحابة لحين تدوينه بعد المائة الأولى أو بداية القرن الثاني، فجاء التدوين على يد التابعين وتابعيهم ومن نقله عن الصحابة.
اسمه ونسبه
هو عبد الله بن محمد بن «أبي شيبة» إبراهيم بن عثمان بن خُوَاسْتي العبسي مولاهم الكوفي(1) (159 هـ-235 هـ)؛ المُلقّب بـ"سيد الحُفّاظ"، أحد علماء ورواة الحديث عند أهل السنة والجماعة ومن أعلام المحدثين. وهو "صاحب كتاب مصنف ابن أبي شيبة. كما جمع مسندًا وصنف تفسيرًا للقرآن يكنى أبا بكر وقد اشتهر بكنيته منسوبا إلى جده مكنى فيقال فيه كثيرا غالبا: أبو بكر بن أبي شيبة"(2).
نسبته
هو واسطي الأصل ونزل الكوفة ومات بها واشتهرت نسبته إليها، قال الحافظ ابن حجر: «الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي»، أصله من واسط وسكن الكوفة، ويقال له العبسي بموحدة مولاهم كما في الخلاصة وكذا نسبه إلى عبس نسبة ولاء(3).
نشأ في بيت علم فطلب العلم وهو صبي، ونشأ هو وأخواه (الحافظ عثمان بن أبي شيبة، والقاسم بن أبي شيبة) على طلب الحديث وروايته. وكذلك كان ولده الحافظ إبراهيم بن أبي بكر، وابن أخيه الحافظ أبو جعفر محمد بن عثمان. وكان أبو بكر هو أشهر أهل بيته وأوسعهم علمًا، وكان مضرب الأمثال في قوة الحفظ وسعته(4).
وكان من أقران أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني في السن والمولد والحفظ. سمع من عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وخلق كثير غيرهم بالعراق والحجاز وغير ذلك. وروى عنه الحديث: الشيخان (البخاري ومسلم، وأبو داود، ومحمد بن ماجه، وروى النسائي عن بعض أصحابه.
كما روى عنه أيضًا: أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، وابن أبي عاصم، وبقي بن مخلد، وأبو يعلى الموصلي، وصالح جزرة، وأبو القاسم البغوي، وغيرهم الكثير(5).
وقال الذهبي: صاحب المسند والمصنف وغير ذلك. وقال في العـبر: صاحب التصانيف الكبار، وقال الخزرجي في الخلاصة: صنّف التفسير وغيره وقال الحافظ في التقريب: صاحب تصانيف وقال الخطيب في تاريخه: صنّف المسند والأحكام والتفسير، وقال ابن كثير صاحب المصنّف الذي لم يصنّف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده انتهى، وقد تم طبع أجزاء من كتابه المصنّف، ومن مؤلفاته كتاب الإيمان يوجد مخطوطا في المكتبة الظاهرية في دمشق تحت رقم 279 حديث وقد طبع في المطبعة العمومية بدمشق بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني وكتاب الأدب يوجد مخطوطا في الظاهرية في المجموع 78 وهو ناقص(6).
وفاته
توفي ابن أبي شيبة في الكوفة، يوم الخميس لثمان خلون من محرم سنة خمس وثلاثين ومائتين، أرخ وفاته بهذا البخاري فيما نقله ابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين ونقل تاريخ وفاته بهذه السنة عن البخاري أيضا الذهبي في التذكرة والخزرجي في الخلاصة وأرخ وفاته بهذه السنة الذهبي في الميزان والعبر والنووي في شرح صحيح مسلم وابن حجر في تقريب التهذيب وابن كثير في البداية والنهاية وابن العماد في شذرات الذهب ونقل الخطيب في تاريخه عن إبراهيم ابن محمد بن عرفة أنه توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين ثم قال الخطيب: هذا وهم لأنه مات في سنة خمس وثلاثين ومائتين ونقل عن عـبيد الله بن محمد بن خلف البزار ومحمد بن عبد الله الحضرمي أنه مات لثمان خلون من المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين وقد ذكر الخطيب تاريخ سنة ولادته فقال: ولد سنة تسع وخمسين ومائة، فمدة عمره ست وسبعون سنة(7).
الذين ترجموا له
* ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/2/160.
* الذهبي في تذكرة الحفاظ 2/20، وفي الميزان 2/490، وفي العبر 1/421.
* ابن حجر في التقريب 1/445 وتهذيب التهذيب 6/2.
* الخزرجي في الخلاصة 179.
* ابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين 259.
* النووي في شرح صحيح مسلم 1/64.
* ابن كثير في البداية والنهاية 10/315.
* الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 10/66.
* ابن العماد في شذرات الذهب 2/85.
* كحالة في معجم المؤلفين 6/107.
المُصنَّف بين الجرح والتعديل
مصنف ابن أبي شيبة هو أحد كتب الحديث عند أهل السنة والجماعة، والذي جمعه الحافظ أبو بكر ابن ابي شيبة (159 هـ-235 هـ). ويعد الكتاب من الكتب الهامة التي يعول عليها في معرفة الأحاديث والآثار عندهم. يعد الكتاب أصلًا من الأصول التي يرجع إليها في معرفة الأحاديث والآثار، لسعة ما يحتوي عليه، مع تقدم مؤلفه في الزمن، وقد رتب المؤلف هذا الكتاب على الكتب الفقهية التي اندرج تحت كل منها عدد من الأبواب، وتحت كل باب عدد من النصوص، وقد بلغت نصوص الكتاب في جملتها (37.251) نصًّا مسندًا، منها ما هو مرفوع، ومنها ما هو موقوف، ومنها المقطوع، والمؤلف يحرص على حشد ما يجد من النصوص التي تطابق الترجمة الموضوعة للباب، بصرف النظر عن صحة هذه النصوص أو ضعفها، إلا إذا كانت ظاهرة الوضع(8).
ترتيبه
رتب المؤلف الكتاب على طريقة السنن، حيث رتب الأحاديث والآثار على الأبواب الفقهية المختلفة، فبدأ بكتاب الطهارات وانتهى بكتاب الجمل وصفين والخوارج. للكتاب عدة طبعات، حيث طبعته الدار السلفية الهندية القديمة، وكذلك دار القبلة، كما حققه الأستاذ محمد عوامة. كذلك صدر المصنف بتحقيق سعد بن ناصر الشثري من دار كنوز اشبيليا للنشر والتوزيع(9).
موضوعه
كسائر المصنفات الحديثية، يتركز موضوع المصنف عن الآثار الموقوفة على الصحابة أو من دونهم من التابعين وأتباعهم من الفقهاء في الفتاوى والأحكام ورواية ذلك بالأسانيد إليهم، مع ترتيب هذه النصوص على الأبواب والكتب الفقهية، وقد يذكر في كل باب حديثا مرفوعاً أو عدة أحاديث، ولما كان الأصل في المصنف ألا يرد فيه شيء من الزهد أو التاريخ أو الفضائل أو الفتن أو الأوائل ونحوها، نجد أن مصنف ابن أبي شيبة اشتمل على هذه الكتب، وقد قيل: إنها ليست منه، لكن أدخلها بعض تلاميذ ابن أبي شيبة في المصنف، وقد رويت على حدة منفردة، ورويت مع كتاب المصنف، وكلها في الكتاب من رواية بقي بن مخلد عدا كتاب الأوائل فمن رواية ابن عبدوس. لم يرتب الكتاب كما رتبت الكتب الفقهية فقد ذكر كتاب الزكاة ثم ذكر كتاب الجنائز، ثم كتاب الأيمان والنذور، ثم كتاب الحج(10).
أسلوبه
في صيغ التحمل ينبه ابن أبي شيبة على صيغ التحمل والأداء عند رواة السند أو الرواة إذا اختلفوا، ويضبط لفظ كل واحد، كما حرص على التنبيه على الزيادة والنقص في السند من قبل الرواة، وكذا التنبيه على وقف الحديث ورفعه. إتبع أسلوب عرض الرواية بالمعنى وهذا يظهر في أمور منها: اختصاره للمتن في بعض المواضع، جمعه بين عدة آثار بمتن واحد، إحالته في المتن على ما قبله بقوله: بمثله أو بنحوه، تقطيعه للمتون حسب الأبواب وهذه تملأ المصنف، كما تلاحظ الدقة في تحرير لفظ الراوي، وايضا في شرح المقصود بالمتن، وفي شرح الغريب من الألفاظ(11).
الغدير في مصنَّف ابن أبي شيبة
ذكر ابن أبي شيبة حديث الغدير الأغر في مواضع متعدد من مصنَّفه؛ وبأسانيد مختلفة، وجميع الصحابة الذين ذكرهم ابن أبي شيبة في الحديث موثوق بروايتهم عند جميح المُحَدِّثين، ولا لأحدٍ في أحد من الرواة مطعن فيه أو في روايته، وهذا ما دعانا باختيار هذا السفر للبحث في غدير أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولذلك سندكر الروايات بحسب الأسناد الواردة في المصنف.
1. جابر بن عبد الله الأنصاري
صحابي جليل عمَّر بعد رسول لله للستينات من القرن الأول الهجري، روى حديث الغدير وذكر روايته ابن أبي شيبة بسنده، إذ قال:
"حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا بِالْجُحْفَةِ بِغَدِيرِ خَمٍّ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»"(12).
في هذه الرواية لم يذكر الراوي التفاصيل كاملة وسبب قول النبي الأعظم هذا الحديث، وإنَّما اكتفى بذكر الحديث فقط، يبدو أنَّ هذا الموقف جاء جواباً لسؤال (هل سمعت رسول الله قال هذا الحديث؟) فرواه، وإلَّا ما السبب الذي يجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو يدفعه لرفع يد المولى أمير المؤمنين (عليه السلام)؟!، هذا يستلزم واجب القول أو موجب له، فإمَّا أن يكون بأمر من الله عزَّ وجل؛ أو لموقف استدعى انتفاض النبي الأكرم لقول الحديث.
2. رباح بن الحارث(13)
جاءت رواية حديث الغدير الأغر عن هذا الصحابي الذي كان ملازما للخلفاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ينقل عن الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، وذكر ذلك ابن أبي شيبة في قوله:
"حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَنَشِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ رَبَاحِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: بَيْنَا عَلِيٌّ جَالِسًا فِي الرَّحْبَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلَايَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا، فَقَالُوا: هَذَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»"(14).
يبدو أنَّ الصحابة بعد حدث الغدير وموقفه صار يُنادون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بــ(مولاي).
لذا لم تكون الرواية الواردة عن الخليفة الثاني إذ ورد:
"إنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ [وآله] وسلَّمَ - لما نزل بغديرِ خُمّ؛ أخذ بيدِ عليٍّ فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!، قالوا: بلى، قال: ألستُم تعلمون أني أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسه؟!، قالوا: بلى، قال: اللهمَّ! من كنتُ مولاه؛ فعليٌّ مولاه، اللهمَّ! والِ من والاه، وعادِ من عاداه، فلقيه عمرُ بعد ذلك، فقال له: هنيئًا يا ابنَ أبي طالبٍ! أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ."(15).
مما يؤكد مناداة المسلمين بهذا اللفظ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومما رواه رباح بن الحارث يُشعر القارئ باستغراب واضح في النص، لماذا سألوا عن الرجل الذي نادى الإمام أمير المؤمنين بكلمة (مولاي) وهي كلمة بعد يوم الغدير أصبحت مسلماً بها؟!!، هذا يكشف عن تعتيم أو اقصاء لتلك الكلمة فكان التابعون يسألون عن القائل ولماذا قال هذا اللفظ.
3. سعد بن أبي وقاص(16)
ذكر ابن أبي شيبة حديث الغدير عن لسان سعد بن أبي وقاص في قوله:
"حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فِي بَعْضِ حَجَّاتِهِ، فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرُوا عَلِيًّا، فَنَالَ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فَغَضِبَ سَعْدٌ فَقَالَ: تَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ لَأَنْ تَكُونَ لِي خَصْلَةٌ مِنْهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ[وآله] وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»"(17).
لو لم يكن لهذا الحديث الأهميَّة الكبرى لما تمنَّاه سعد بن أبي وقَّاص، فتمنَّى أن تكون له واحدة من الثلاثة المجتمعة في أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا يكشف عن عدم مبايعته للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو الحسد والغيلة، ولذا قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا}{النساء/54}، فلقد آتاه الله تعالى من فضله ما لم يُؤتَ أحد من الصحابة، ولله در القائل(18):
حقدٌ إلى حسدٍ وخسَّة معدنٍ --- مـطـرت عـليـكَ وكـــلهـنَّ هـتونُ
راموا بها أن يدفنوكَ فهالهم --- عـاد سـعـيـهمُ هــو الـمـدفونُ
وتوهموا أن يُغرقوكَ بشتمهم --- أتخافُ من غرقٍ وأنتَ سفين؟!
نعم: مهما حاول المرجفون ومهما حاول الطغاة طمس نور الله تعالى؛ يأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، أرادوا دفن اسمه فانمحت أسماؤهم، وأردوا تغييب فضائله، فطفحت رذائلُهم، وأرادوا سرقة ألقابه فترهلت أمجادهم، فصار المصداق الأوفى والسراج الأسنى لــ(ما كانَ للهِ ينمو) فلا يجتهدنَّ أحد في النيل من الحلقة الإلهيَّة فهي تسمو وهو يندثر.
4. زيد بن يُثيع أو أثيع(19)
ذكر ابن أبي شيبة حديث الغدير عن زيد في قوله:
"حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قَالَ: بَلَغَ عَلِيًّا أَنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ فِيهِ ; قَالَ: فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "أنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا وَلَا أَنْشُدُهُ إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ شَيْئًا إِلَّا قَامَ، فَقَامَ مِمَّا يَلِيهِ سِتَّةٌ، وَمِمَّا يَلِي سَعْدَ بْنَ وَهْبٍ سِتَّةٌ فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و[له] وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»"(20).
الرواية لم تذكر ماذا قالوا في أمير المؤمنين (عليه السلام)، إلّا أنَّنا نأتي بهذا القول من لسان أمير البلاغة والكلام الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وذلك في قوله:
"... يا أشباه الرّجال و لا رجال، و يا طغام الأحلام، و يا عقول ربّات الحجال و اللّه لقد أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان و لقد ملئتم جوفى غيظا حتّى قالت قريش إنّ ابن أبي طالب شجاع و لكن لا رأي له في الحرب، للّه درّهم و من ذا يكون أعلم بها و أشدّ لها مراسا منّي، فو اللّه لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين، و لقد نيفت اليوم على السّتّين، و لكن لا رأي لمن لا يطاع..."(21).
وهذا ما دعا الإمام أمير المؤمنين من إثبات ولايته على الجميع وهو أهل لها، إلَّا أنَّ الناس لا يقبلون بعدله وهو يعرف ما يُصلحهم إلّا أنَّه لا يُريد إصلاحهم بالقهر والقوَّة لأنَّ ذلك يُفسد الدين.
ورواية زيد هذه فيها زيادة: (اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ)، والدعاء هنا أريد منه التحذير من جهة، إذ مَن لم يوالِ عليَّا لم يوال الله ورسوله، ومَن يُعاديه يعاد الله ورسوله، مما يكشف معاداة مَن خرج على أمير المؤمنين لله ورسوله دون أدنى شكٍّ؛ ومن جهة أخرى حمل الدعاء الحذ إلى الالتفاف حول أمير المؤمنين (عليه السلام) ونصرته وعدم التخلِّي عنه، لأنَّه لا يُخرج الناس من هدى ولا يُقعهم في ضلال، فكان عمار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليه) ملازما لسيد الوصيين ملازمة الظل لشخصه، لأنَّه تمسَّك بإرشاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) له.
5. أبو هُريرة(22)
روى ابن أبي شيبة حديث الغدير من طريق أبي هُريرة في قوله:
"حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي يَزِيدِ الْأَوْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْمَسْجِدَ فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ شَابٌّ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ الشَّابُّ: أَنَا مِنْكَ بَرِيءٌ، أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ عَادَيْتُ مَنْ وَالَاهُ وَوَالَيْتُ مَنْ عَادَاهُ، قَالَ: فَحَصَبَهُ النَّاسُ بِالْحَصَى"(23).
هذه الرواية تكشف الحسيكة التي كانت في قلوب بعض الصحابة تجاه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهم يعلمون علم اليقين أنَّ الراد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) رادٌّ على الله عزَّ وجلَّ، وعلى الرغم من ذلك لا يقبلون رأي رسول الله في وصيِّه وخليفته ووزيره وحامل لوائه وكبش كتيبته وهارونه ويده وسمعه ولسانه الناطق وقلبه النابض، هذا وأمثاله ممن وقف ندَّا لأمر الله ورسوله وأزاحوا المركب عن جادَّة الصواب فتاح المسلمون كتيه بني إسرائيل وإلى اليوم.
تبرأ الرجل من أبي هريرة الذي أكَّد صدور الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانبرى لحرب الله ورسوله فوالى مَن عادى عليَّاً وعادى مَن والى علياً، فأصبح مصداقاً لقول الإمام الصادق (عليه السلام): "من روى عن مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقطه من أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان، كما يقول القرآن الكريم: {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ} [الحشر: 16]."(24)، فكيف إذا كان هتك حرمة أمير المؤمنين؟؟!!.
6. البراء بن عازب(25)
أورد ابن أبي شيبة حديث الغدير الأغر من طريق البراء بن عازب في قوله:
"حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ[وآله] وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ; قَالَ: فَنَزَلْنَا بِغَدِيرِ خُمٍّ، قَالَ: فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَكُسِحَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ[وآله] وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ»، قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»، قَالَ: فَلَقِيَهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: هَنِيئًا لَكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ"(26).
في هذا الحديث المبارك نجد أنَّ فيه إشارات قرآنية من قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}{الأحزاب/6}، ليؤكد على السامعين ويُشهدهم على أنفسهم حتى لا يكون لهم حجَّة عليه بعدئذٍ، وكرر عبارة (أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، إذ التكرار "خاصيَّة لغوية بلاغية من خصائص اللغة العربية تُستخدم للتأكيد وإثارة انتباه المتلقي"(27)، ولو فككنا عبارته (صلى الله عليه وآله) من الوجهة البلاغية نجده ابتدأ بالاستفهام التقريري بقوله (أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وهم قد أقرَّوا بذلك بقولهم (بلى) إذ يكشف أنَّهم قد سلَّموا له تسليماً ليس له نظير إبَّان القول، وبعد الاستفهام التقريري جاء بالجملة الخبرية الطلبي الذي حمل مؤكداً واحداً لأنَّ ذهن المتلقي لا يحتاج إلى أكثر من مؤكد؛ وقد يكون هذا الأمر ممهداً للتكرار للجملة الثانية التوكيدية فحصل الخبر الإنكاري بالمعنى لا بالسياق، فكانت شهادتهم على أنفسهم من أعظم ما يُلزم به المؤمن لأنّ القاعدة العقلية تقول: (إقرار العقلاء على أنفسهم حُجَّة)، فأشهدهم (صلى الله عليه وآله) علىى أنفسهم قبل أن يُبادرهم بالتبليغ الأهم كي لا يكون لهم الخيرة من أمرهم ب ذلك.
إذن: الجملة التقريرية والخبر الطلبي وتكرار الجملة جاءت بقصدية من الباث _ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) _ وهو تمهيد لأمر جبب وتهيأة الأسماع والقلوب لهذا الأمر فاحاج السياق القرع بالحجج البلاغية من المُرسِل، ومن جهة المتلقي؛ لقد تهيَّأ لاستقبال الخبر بكل جوارحه لأن الباث أرسل إليه محفزات لتلقي الخبر فكان مهيَّئاً لاستلامه.
أمَّا من جهة الرسالة؛ فكانت مدعومة بسياق توليفي من القرآن الكريم وكلام النبي العظيم، حيث صاغ (صلى الله عليه وآله) حديثه مستسقياً ألفاظه من القرآن الكريم بتغيير وجهة الخطاب من الغائب إلى المخاطب فأقرَّهم بأسلوبٍ لم يكن يخطر ببالهم حتى يأتي بعد ذلك بعنصر المفاجئة بلا تردد ولا يخشى المعارضة، فقال (صلى الله عليه وآله): "اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ"(28)، والشرط في الجملة الأخيرة كشف عن تهديد وإرشاد في الوقت نفسه؛ فهو تهديد لمن لا يرضى بهذه الولاية لأنَّه يرفض ولاية رسول الله الذي أشهده على نفسه، وإرشاد للآخر الذي يُسلِّم لما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنَّ التسليم له من أوجب الواجبات؛ إذ عندم التسليم يُخرج عن الإيمان بمحكم قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}{النساء/65}، فصار من الواجب أن لا يكون للناس الخيرة من أمرهم إذا قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمراً فيهم، وهذا ما يكشف عنه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}{الأحزاب/36}، وكل هذه التهديدات أشار إليها النبي العظيم في سياق حديث الغدير الأغر بطريقة الرمز تارة والتلويح تارة أخرى والذكر المباشر ثالثة، فأي خطابٍ بعد ذلك يُريدون؟؟!!.
والجدير بالذكر في هذه الرواية ما جاء في ذيلها من خطاب الخليفة الثاني الذي لقي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال له: "هَنِيئًا لَكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ"(29)، ليكون التوكيد بطريقة الإيغال؛ إذ صارت هذه التهنئة مهراً لتصديق ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فمن رضي بها؛ صار مُطيعاً لله ولرسوله، وإلَّا تنطبق المفاهيم المذكورة آنفاً عليه فلا يلومنَّ إلَّا نفسه.
7. ابن عباس وبريدة(30)
ذكر صاحب المصنِّف الموضع الأخير من المواضع التي ذكر فيها الغدير المبارك عن عبد الله بن عباس (حبر الأمَّة) وبريدة الأسلمي، والمتحدِّث بريدة، فجاء في قول المصنِّف:
"حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنِ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ فَرَأَيْتُ مِنْهُ جَفْوَةً، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ: ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَنَقَصْتُهُ، فَجَعَلَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ يَتَغَيَّرُ فَقَالَ: «أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟»، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»"(31).
هذا الحديث يكشف تعدد المواضع التي قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا القول، فتارة يجمع الناس ويُشهدهم على أنفسهم، وأخرى يكون القول مخصص لبريدة الأسلمي، هذا يكشف مدى أهميَّته لدى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والسياق هو هو في كل موضع، يبدأ بالاستفهام التقريري ليُقرَّ الناس على أنفسهم؛ وبعد ذلك يُلزمهم بالولاية حتى يخضعوا ويركنوا لقول رسول الله الذي هو بالأصل مستسقى من القرآن الكريم، نسأل الله عزَّ وجل أن يكتبنا ممن سمع القول وسلَّم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) تسليماً لولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ورحم الله السيد رضا الهندي الذي قال في قصيدته التي عنوانها (رضي الله عليَّا): [من الرمل]
أيُّ عيد مثل هذا اليوم فينا --- رضي الله به الإسلام دينا
بَلَّغ الهادي به ما أنزل الله في --- شان أمير المؤمنينا
قائلاً إن عليّاً وارثي --- ووزيري وإمامَ المسلمينا
أيّها الناس أطيعوا واسمعوا --- إنّني لست على الغيب ضنينا
لست من تلقاء نفسي قلته --- إنّما أتَّبِعُ الوحي المبينا
فاستجابوا قوله الشافي الذي --- هاج من بعضهم الداء الدفينا
إن نوى أعداؤه العصيان وال --- غدرَ إنّا قد أجبنا طائعينا
إنه من ينقلب ليس يضرُّ الله --- شيئاً وسيجزي الشاكرينا
رضي الله عليّاً هادياً --- بعد طه فسمعنا ورضينا
هو حبل الله لم يختلف ال --- ناس لو كانوا به معتصمينا
قد أطعناه يقيناً إنه --- في غد من لهب النار يقينا
ويميناً بهداه بَرَّةً --- تمنع المؤلي بها من أن يمينا
لا نبالي بعد أن لذنا به --- أن لقينا بولاه ما لقينا
قد بدا الحق لنا فيه كما --- لابن عمران بدا في طور سينا
وصمونا فيه بالرفض وذو ال --- حلمِ لا يعنيه قول الجاهلينا
عَيَّرونا غير أن العارفينا --- لم يروا من موضع للعار فينا
أيّ عيب في الذي خاف من ال --- يَمِّ فاختار بأن يأوى السفينا
من صبا للعاجل الفاني فإنَّا --- نؤثر الباقي عليه ما بقينا
بأبي من أظهر الحق وما --- زال للهادي ظهيراً ومعينا
ثم بعد المصطفى قد قاتل ال --- ناكثين القاسطين المارقينا(32)
الخاتمة
بعد هذه الرحلة في رحاب عيد الله الأكبر الذي حثَّ أهل البيت (عليهم السلام) الناس على استذكاره والجهر به في كل موقف يقف فيه المعصوم، فتمخض البحث بالنتائج الآتية:
1. يُعدَّ مصنَّف ابن أبي شيبة من المصنَّفات المعتمدة عند مدرسة الصحابة، ومن الكتب حديثية الرئيسة.
2. حرص ابن أبي شيبة بذكر الطرق الصحيحة والصريحة التي جاء بها حديث الغدير، ولم يذكر الطرق التي فيها شائبة جرح في الرواة أو المتن، مما حدا بنا الأمر باختياره موضوعاً للبحث.
3. مجموع الطرق التي جاء بها المصنَّف هي سبعة طرق، وكلها متصلة عن الصحابة.
4. حرص البحث بالتعريف للراوي الأخير للحديث والنظر في حاله بالجرح والتعديل فوجدنا رواته في الطرق السبعة كلهم ثقاة عدول مقبولي الرواية عند جميع علماء مدرسة الصحابة.



اضف تعليق