كمال الدين وتمام النعمة لا يتحولان إلى واقع في حياة الإنسان والأمة إلا بالسعي والعمل، والشكر الكثير، والاستقامة على منهج أمير المؤمنين. فالولاية مشروع بناء الإنسان الصالح. إنها مفتاح الهداية، وطريق النعمة، ونظام الأمة، وأمانها من الفرقة، وميزانها في العدل، ومصدر طمأنينتها في عالم مضطرب. وهم الطريق والنور والمخطط الإلهي...
الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين والأئمة المعصومين عليهم السلام، والحمد لله الذي جعل كمال دينه وتمام نعمته ورضاه بالإسلام مقرونًا بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.
تلك الولاية التي ليست حدثًا عابرًا في التاريخ، ولا عنوانًا مذهبيًا محدودًا، بل هي مفتاح الهداية، وميزان الحق، وطريق الاستقامة، وسرّ بقاء الدين حيًا في ضمير الأمة وحركتها.
إن الآية المباركة:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة/3.
تفتح أمامنا أفقًا عميقًا لفهم العلاقة بين ثلاثة معانٍ كبرى: الدين، والنعمة، والولاية. وهذه ليست مفردات منفصلة، بل هي منظومة واحدة، تتساند عناصرها ويتوقف بعضها على بعض. فالدين يكتمل بالولاية، والنعمة تتم بالهداية، والشكر يتحقق بالاستقامة، والاستقامة لا تكون إلا على طريق القيادة التي اختارها الله لحفظ الدين من التحريف، وصيانة الأمة من الضياع.
فالدين في ذاته كامل، لا نقص في تشريعه، ولا خلل في هدايته، ولا قصور في مقاصده. إنما الخلل يقع حين يُفصل الدين عن قيادته، وتُنتزع الشريعة من مرجعيتها، وتُترك الأمة بلا إمام هادٍ يشرح، ويبين، ويحفظ، ويقود. ومن هنا يُطرح السؤال الجوهري: إذا كان الدين كاملًا، فلماذا نرى التخلف والفساد والشقاء والفقر في حياة المسلمين؟ ولماذا لم تتحول هذه النعمة الكبرى إلى ازدهار وعدالة وطمأنينة؟
الجواب أن المشكلة ليست في الدين، بل في الإنسان الذي لم يحسن الانتفاع بالدين، وليست في النعمة، بل في كفرانها، وليست في الطريق، بل في الانحراف عنه. فالدين الكامل يحتاج إلى قيادة كاملة، والنعمة التامة تحتاج إلى شكر دائم، والشكر الحقيقي يحتاج إلى استقامة عملية على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.
ولكي يتضح المعنى، يمكن أن نضرب لذلك مثالًا قريبًا: لو أن إنسانًا أخذ سيارة كاملة المواصفات من شركة رصينة، سيارة متقنة لا خلل فيها ولا نقص، ثم سلّمها إلى سائق جاهل لا يعرف القيادة، فاصطدم بها وأتلفها؛ فهل يكون العيب في السيارة أم في السائق؟ لا شك أن الخلل في السائق لا في السيارة. وكذلك الدين؛ هو كامل في ذاته، ولكن الانتفاع به يحتاج إلى قائد ماهر، إلى ولاية هادية، إلى إمام معصوم يعرف الطريق ويهدي إليه.
ومثال آخر: رجل أراد أن يؤسس مشروعًا كبيرًا، فامتلك رأس المال، واستعان بالخبراء، ووضع المخططات، واختار الموقع، وهيأ الأسباب، حتى بدا المشروع مكتملًا من كل جهة. لكنه في النهاية سلّم إدارته إلى شخص غير كفوء، فخسر المشروع وانهار. فالمشكلة هنا ليست في أصل المشروع، ولا في رأس المال، ولا في التخطيط، بل في الإدارة السيئة. وهكذا الأمة حين ابتعدت عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، لم يكن تخلفها ناشئًا من نقص في الدين، بل من سوء القيادة، ومن الانحراف عن الطريق الذي جعله الله امتدادًا للرسالة.
إن الدين ينبوع النعم، ومصدر الازدهار، ومفتاح الهداية، وسبيل السعادة. لكنه لا يتحول إلى حياة عادلة راشدة إلا بقيادة ربانية تحفظ معناه، وتمنع تحريفه، وتكشف مقاصده، وتقود الإنسان إلى العمل به. فالنعمة لا تكفي أن تُعطى، بل لا بد أن تُشكر، والشكر لا يكون لفظًا مجردًا، بل إيمانًا وطاعة وعملًا واستقامة. ومن هنا كان التخلي عن الولاية كفرانًا بأعظم النعم، لأنه تركٌ لمفتاح الهداية، وابتعاد عن السبب الذي تحفظ به النعمة وتستمر.
الغدير بين الرسالة والولاية
إن آية إكمال الدين وتمام النعمة لا تنفصل عن واقعة الغدير، لأن الغدير كان إعلانًا إلهيًا بأن الرسالة لا تُترك بلا امتداد، وأن الدين لا يُسلّم إلى الأهواء، وأن الأمة لا تُهمل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا قيادة معصومة.
لقد نزل الأمر الإلهي:
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)المائدة/67.
فكان البلاغ في الغدير إعلان الولاية، حيث جرت عملية الاستلام والتسليم بين الرسالة والولاية؛ فالرسول صلى الله عليه وآله أدّى الرسالة، وأعلن من يحفظها بعده. وليس معنى إكمال الدين أن الحاجة إلى القيادة انتهت، بل معناه أن الدين اكتمل بإعلان القيادة التي تحفظه وتفسر وتمنع عنه عبث المتأولين وانحراف المتسلطين.
فلو لم تكن هناك ولاية، فمن يفسر الدين؟ ومن يبيّن أحكام القرآن؟ ومن يحفظ الشريعة من التحريف؟ ومن يقود الناس إلى الصراط المستقيم؟ إن الأمة لا يمكن أن تُترك بعد النبي بلا وصي، كما لا يمكن لمشروع إلهي عظيم أن يُترك بلا حارس أمين.
وقد ورد إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما دعا الناس إلى علي عليه السلام في غدير خم، وأخذ بيديه فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله صلى الله عليه وآله،
«من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله»
ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا)
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي»(1).
وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي، وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي علي بن أبي طالب عليه السلام، علمًا لأمتي يهتدون به من بعدي، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتم على أمتي فيه النعمة، ورضي لهم الإسلام دينًا»(2).
وهذه العبارة النبوية تكشف أن الآية تجمع ثلاث دلالات كبرى:
الأولى: إكمال الدين، أي إن الدين بلغ صورته التامة في التشريع والهداية والقيادة. فليس الدين أحكامًا مبعثرة، بل منظومة كاملة لها إمامها ومرجعيتها وحافظها.
الثانية: إتمام النعمة، أي إن النعمة الإلهية لا تبلغ تمامها إلا بوجود الولاية التي تصون الدين من الانحراف، وتحفظ الأمة من التمزق، وتدلّ الناس على معاني الهداية.
الثالثة: رضا الرب بالإسلام دينًا، أي إن الإسلام الذي ارتضاه الله هو الإسلام المتكامل بالرسالة والولاية، لا الإسلام المنزوع من قيادته، ولا الدين الذي يترك تفسيره لأهواء الناس وسلطات الظلم.
ومن هنا نلاحظ دقة التعبير القرآني: أكملت، أتممت، رضيت. إنها مراتب تأكيدية متتابعة، تكشف أن الولاية ليست إضافة جانبية إلى الدين، بل هي شرط ظهوره الكامل في حياة الأمة.
النعمة لا تتم إلا بالهداية
إن النعمة في منطق القرآن الكريم والروايات الشريفة ليست مجرد مال أو صحة أو وفرة مادية. النعمة أوسع من ذلك وأعمق؛ إنها الهداية، والإيمان، والبصيرة، والقيادة الصالحة، والأمن الداخلي، والبركة في الحياة، والقدرة على السير في الطريق الصحيح. وأعظم النعم هي نعمة الهداية، لأن الإنسان إذا فقد الهداية فقد معنى ما يملكه، ولو ملك الدنيا كلها.
وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى:
وقد روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام في قوله تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) الجن/16. قال: «يعني لو استقاموا على ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين والأوصياء من ولده عليهم السلام، وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم، لأسقيناهم ماءً غدقًا، يقول: لأشربنا قلوبهم الإيمان، والطريقة هي الإيمان بولاية علي والأوصياء»(3).
ان المقصود بالطريقة هو ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين والأوصياء من ولده عليهم السلام، وأنهم لو استقاموا عليها، وقبلوا طاعتهم في الأمر والنهي، لأسقاهم الله ماءً غدقًا.
وهذا الماء الغدق لا يختصر في الماء المادي، وإن كان الماء أصل الحياة، بل هو رمز للفيض المتدفق من النعم، وللحياة التي تنبع من الإيمان، وللبركة التي تسري في القلوب والمجتمعات حين تسير على الطريق المستقيم.
فكما أن الماء يحيي الأرض بعد موتها، فإن الولاية تحيي القلب بعد قسوته، وتغذي الروح بعد عطشها، وتفتح للإنسان أبواب النعم الظاهرة والباطنة. وقد ورد أن قلوبهم تتشرب بالإيمان، أي إن الإيمان لا يبقى فكرة عابرة في الذهن، بل يتغلغل في أعماق الإنسان، في قلبه، وروحه، وسلوكه، وبصيرته.
والطريق والطريقة يعنيان المنهج والنهج، الخريطة والمسار. فالإنسان لا يكفي أن يعرف وجود الطريق، بل عليه أن يستقيم عليه. وقد يحمل الإنسان الخريطة في يده، لكنه إذا انحرف عن المسار ضلّ، وإذا ضلّ لم ينتفع بالخريطة. وهكذا من يعرف الولاية ولا يستقيم عليها، فإنه لا ينال آثارها كاملة.
معاني إتمام النعم بولاية امير المؤمنين عليه السلام
وهنا لابد من محاولة فهم أعمق لمصطلح نعمة الولاية وكيف نفهم معنى هذه النعمة، لذلك يمكن تحليل المصطلح الى عدة معان قد تصل في النهاية الى معنى واحد مشترك، ولكن هذا التفكيك لعدة معان يعطينا معرفة اكبر لعظمة نعمة ولاية الغدير.
1- ان الولاية مفتاح كنوز النعم:
فالولاية هي أعظم النعم، لأنها مفتاح كل نعمة أخرى. فالنعم كنوز، ولكل كنز مفتاح، ومفتاح كنوز الهداية والبركة والطمأنينة هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.
قد يقف الإنسان أمام قصر عظيم مليء بالكنوز، لكن الأبواب مغلقة، ولا سبيل إليه إلا بمفتاح. وكذلك تقف الأمة أمام بركات السماء والأرض، لكنها لا تبلغها إذا كذّبت بالهداية، وانحرفت عن ولاية الحق، وسارت خلف القيادات السيئة التي تستهلك النعم وتحولها إلى نقمة.
قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) الأعراف/96.
فالبركات موجودة، وأبواب الخير واسعة، ولكن لماذا لا تُفتح؟ لماذا تعيش أمم كثيرة الفقر والبؤس والكوارث وهي تملك الموارد؟ لأن القضية ليست في وفرة الأشياء وحدها، بل في الإيمان والتقوى والهداية والقيادة. حين يغيب الشكر، ويحل التكذيب، وتُستبدل الولاية بقيادات ظالمة، تتحول النعم إلى أدوات فساد وبوار.
فالقيادة الحكيمة هي التي تفتح البركات، والقيادة الصالحة هي التي تعرف كيف تحفظ النعمة، وكيف تجعل المال عدالة، والقوة رحمة، والسلطة خدمة، والموارد ازدهارًا. أما القيادة السيئة فإنها تفسد كل شيء، تنشر الرشوة والظلم والاستبداد، وتبدد الثروات، وتترك الناس في الفقر رغم كثرة الموارد.
2- ان شرط تحقق النعمة هو شرط بقائها:
ليست الولاية سببًا لظهور النعمة فحسب، بل هي شرط لبقائها أيضًا. فقد تبدأ النعمة، ثم تزول إذا غاب الشكر، وقد ينال الإنسان خيرًا، ثم يفقده إذا استبدل الطاعة بالطمع، والاستقامة بالانحراف.
قال تعالى: (وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)البقرة/150
فالنعمة مرتبطة بالهداية، والهداية تحتاج إلى طريق، والطريق هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. وقد يؤمن الإنسان في بداية الطريق، ثم يتعب أو يطمع أو ينحرف. وربما تعاهد مع الله أن يجعل من رزقه نصيبًا للحق، فإذا فتح الله عليه أبواب المال نسي عهده، وقال: هذا جهدي، وهذا مالي، فلماذا أعطي؟ هنا يبدأ سقوط النعمة؛ لأن الإنسان قطع صلته بسببها، واستبدل الشكر بالطمع. وهذا معنى القيادة الهادية.
3- ان شرط بقاء النعم متوقف على الالتزام بالولاية:
قال تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) إبراهيم/28
تبديل النعمة كفرًا يعني ترك سبب النعمة، والذهاب خلف قيادة لا تهدي، بل تضل؛ قيادة ظالمة، طاغية، فاسدة، تجعل الأمة في دار البوار بدل دار العمران.
وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم فيها إلا كان حقيقًا أن يزيلها عنه»(4).
وهذا قانون دقيق: النعمة لا تجتمع مع الظلم. فمن استعمل النعمة في الظلم فقد حكم عليها بالزوال. ومن ترك ولاية أهل البيت عليهم السلام ترك ميزان العدل، ومن ترك العدل ظلم نفسه ومجتمعه. لذلك فإن القيادة العادلة شرط بقاء النعم، كما أن القيادة الجائرة سبب فنائها.
4- ان النعمة الحقيقية هي العبودية والطاعة وهي لا تتم الا بالولاية:
النعمة الحقيقية لا تنفصل عن الطاعة لله ولرسوله ولأوليائه. والطاعة هنا ليست خضوعًا جامدًا، بل انقياد للحق، وانتظام في مشروع الهداية. ولهذا قالت الصديقة الزهراء عليها السلام:
« فجعل اللّه.. وطاعتنا نظامًا للملة، وإمامتنا أمانًا من الفرقة»(5).
إن طاعة أهل البيت عليهم السلام تصنع النظام؛ لأنها ترد الأمة إلى مركز واحد من الهداية، وتمنعها من التمزق بين الأهواء والمصالح والسلطات. أما غياب القيادة الصالحة فينتج الصراعات الداخلية، ويزرع الانقسام، ويجعل الأمة شيعًا متنازعة.
قال تعالى:
(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران/103.
إن الذي يؤلف القلوب هو الله سبحانه وتعالى، ورسوله، وولاية أمير المؤمنين عليه السلام التي تجمع الناس على الحق. الطاعة لهم وحدة، وتركهم فرقة. والبحث عن الوحدة خارج قيادة الحق بحث عن صورة بلا روح، وعن اجتماع بلا محور.
ومن هنا نفهم أن الولاية ليست مجرد علاقة فردية بين الإنسان والإمام، بل هي نظام اجتماعي وأخلاقي وحضاري، تحفظ الأمة من التشتت، وتصنع لها ميزانًا في الحكم والسلوك والعلاقات.
وقال تعالى:
(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا، وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) الفتح1/3.
فالفتح، وإتمام النعمة، والهداية إلى الصراط المستقيم، كلها معانٍ متلازمة. ولا يكون الانتصار الحقيقي للأمة إلا حين تتحول الولاية إلى وحدة، والوحدة إلى قوة، والقوة إلى عدل، والعدل إلى عمران. فهنا النعمة هي القيادة الموحدة.
5- ان بقاء النعم او تحققها يرتبط بالشكر، والشكر يكون بالالتزام بالولاية:
فالشكر روح النعمة وسبب زيادتها، وإذا أردنا أن نفهم دوام النعمة، فعلينا أن نفهم الشكر. فالشكر في القرآن والروايات ليس كلمة عابرة، ولا أدبًا لفظيًا فحسب، بل هو موقف وجودي كامل. الشكر بالقلب معرفة، وباللسان إقرار، وبالجوارح عمل، وبالسلوك التزام، وبالمسار استقامة.
قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
فالشكر باب الزيادة، وكلما ازداد الإنسان شكرًا ازدادت النعمة عليه، وكلما ترقى في الشكر فتحت له أبواب جديدة من البصيرة والبركة والاطمئنان.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «من أُعطي الشكر أُعطي الزيادة».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «من شكر الله سبحانه وجب عليه شكر ثانٍ، إذ وفقه لشكره».
وهذا من أعمق معاني الشكر؛ فحتى التوفيق للشكر نعمة تحتاج إلى شكر. فإذا شكرت الله، فاشكره لأنه وفقك للشكر. وهكذا يدخل الإنسان في حركة لا تنتهي: نعمة تستدعي شكرًا، وشكر يفتح نعمة، ونعمة جديدة تطلب شكرًا جديدًا.
وعن الامام الصادق عليه السلام: «تمام الشكر اعتراف لسان السر خاضعًا لله تعالى بالعجز عن بلوغ أدنى شكره، لأن التوفيق للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها».
لكن الشكر له مفتاح، كما أن النعمة لها مفتاح. وأول الشكر وأعظمه هو شكر الله على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، فالالتزام بالولاية شكر، لابد ان يلحقه شكر على هذا الشكر بالاستقامة على الولاية، لتكون الاستقامة المفتاح الذي يفتح للإنسان ابواب الرزق، ومن الالتزام والاستقامة والطاعة هو معرفة الرزق الحلال من الحرام.
قال تعالى: (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) {المائدة/6}
فالرزق ليس كل مال يقع في اليد، الرزق الحقيقي هو الرزق الطاهر الحلال. والإنسان لا يعرف الحلال والحرام إلا من طريق القيادة الطاهرة النزيهة، حيث بيّنوا الشريعة وحفظوا معانيها. قد يملك الإنسان مالًا كثيرًا، لكنه لا يملك الطمأنينة، ولا يعرف كيف يستعمل ماله، ولا أين يضعه، ولا كيف يجعله طريقًا إلى الله تعالى. أما الولاية فتمنحه البصيرة؛ تعطيه خارطة للحياة، وتعلمه كيف يتصرف بنفسه وماله وعمره، فتكون حياته نزيهة طاهرة وهذا من اعظم النعم، حيث يرتقي بشخصيته من خلال تزكية نفسه.
قال تعالى:
(وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)النمل: 40
فالإنسان حين يشكر لا يزيد في ملك الله عزوجل شيئًا، بل يفتح لنفسه أبوابًا من الوعي والرشد والسكينة. ومن يكفر فإنما يحجب نفسه عن النعمة، ويقود حياته ومجتمعه نحو الانحدار.
ومن أوضح صور كفران النعمة في الحياة الاقتصادية الربا؛ فقد حرمه الله لأنه يفسد المال، ويفسد العلاقات، ويصنع الأزمات، ويزيد الفقر والبؤس. فإذا استعمل الإنسان المال فيما حرّم الله، فهذا ليس شكرًا، بل كفران عملي بالنعمة. إن المال نعمة حين يكون في طريق الحلال والعدل، ونقمة حين يتحول إلى أداة استغلال وظلم.
الاستقامة: الشكر العملي لنعمة الولاية
الاستقامة هي المظهر العملي للشكر، ومن شكر النعمة حقًا استقام عليها، ومن عرف الولاية صدقًا سار في طريقها. لذلك نقرأ في كل صلاة:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾،
والصراط المستقيم هو طريق الحق، طريق علي عليه السلام، طريق الولاية التي تجمع بين الإيمان والعمل، وبين البصيرة والسلوك.
وقد قال تعالى:
﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾.
فالاستقامة ليست مجرد معرفة الطريق، بل الثبات عليه. قد يعرف الإنسان الطريق ولا يسلكه، وقد يعلن الولاية ولا يلتزم بأخلاقها، وقد يحب أهل البيت عليهم السلام حبًا عاطفيًا، لكنه لا يحول هذا الحب إلى سلوك وعدل وطهارة.
الشيعي الحقيقي هو السائر في طريق الغدير، لا بمجرد الشعار، بل بالقلب والعمل والبصيرة. هو الذي تتشرب روحه الإيمان، فلا تكون الولاية عنده ذكرى موسمية، بل منهج حياة. إنه لا يعيش لحظة خارج هذا المعنى، لأن الإيمان إذا دخل القلب حقًا انعكس على اللسان، واليد، والعلاقة، والمال، والموقف، والاختيار.
وللاستقامة على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام آثار كبرى في الفرد والمجتمع، منها:
أولًا: الدين الصحيح
أول آثار الاستقامة أنها تكشف الدين الصحيح. إن أخطر ما يواجه الناس ليس غياب الدين بالضرورة، بل حضور الدين المزيف؛ الدين الذي ينطق باسم الله عزوجل وهو بعيد عن هدايته، والدين الذي يستعمل النصوص لتبرير الظلم، والدين الذي يفصل الشريعة عن الإمام، والقرآن عن الولاية.
الدين أعظم نعمة لأنه يربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى، ويمنحه منظومة الأخلاق والسلوك والعبادة والعدل والمعنى. لكنه لا يُفهم كاملًا إلا من طريق أهل البيت عليهم السلام، لأنهم أمناء الوحي، وحفظة المعنى، وورثة علم النبي صلى الله عليه وآله.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«إن الناس أخذوا يمينًا وشمالًا، وإن شيعتنا هدوا إلى الصراط المستقيم»(6).
فالطريق ليس غلوًا ولا تقصيرًا، وليس انحرافًا إلى يمين أو شمال، بل هو الوسط الحق. وقد قال تعالى:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة/143.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «كيف يستقيم من لم يستقم دينه؟».
وقال عليه السلام: «اعلموا أن الله تبارك وتعالى يبغض من عباده المتلون، فلا تزولوا عن الحق وولاية أهل الحق، فإن من استبدل بنا هلك»(7).
وهذه العبارة تختصر قانون النجاة: الثبات على الحق وولاية أهل الحق. أما التلون، والتنقل بين الأهواء، واستبدال الهداة بغيرهم، فطريق الهلاك.
وقال عليه السلام: «من استقام فإلى الجنة، ومن زل فإلى النار»(8).
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «المؤمن له قوة في دين، وبر في استقامة».
فقوة الدين في الاستقامة، وخير الإنسان في ثباته، وصدق الولاية يظهر في السلوك قبل الادعاء.
ثانيًا: القيادة الصالحة والإدارة الرشيدة
الأثر الثاني للاستقامة على الولاية هو الارتباط بالقيادة الصالحة التي تصنع النظام، وتمنع الفوضى، وتحفظ النعمة من الضياع. فالزهراء عليها السلام قالت: «وجعل الله.. وطاعتنا نظامًا للملة».
والنظام هنا ليس نظامًا إداريًا محدودًا، بل انتظام الحياة كلها على محور الحق. فالقيادة الصالحة تبني، والقيادة الفاسدة تهدم. الأولى تجعل السلطة خدمة، والثانية تجعلها استبدادًا. الأولى تحفظ الموارد، والثانية تسرقها. الأولى تصنع العدالة، والثانية تولد الفقر والحروب والعنف.
إن النعم تحتاج إلى قائد حكيم يعرف كيف يديرها، وكيف يحفظها، وكيف يوزعها بعدل، وكيف يمنع استنزافها. وكم من بلاد تملك الموارد والثروات، لكنها تعيش البؤس، لأن الثروة بلا قيادة حكيمة تتحول إلى فتنة، والموارد بلا عدالة تصبح سببًا للصراع.
فالقيادة الحكيمة هي التي تحقق معنى الماء الغدق؛ تجعل النعم تتدفق حياة وعدلًا وكرامة، لا فسادًا واحتكارًا وخرابًا.
ثالثًا: الوفرة المستمرة والبركة المتجددة
من آثار الاستقامة على الولاية أنها تفتح باب الوفرة المستمرة. قال تعالى:
(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) النحل: 18
النعم كثيرة، ظاهرة وباطنة، ونحن لا نحيط بها. وقد تكون النعم الباطنة أعظم من الظاهرة؛ لأن الإنسان قد يمتلك المادة ويفقد المعنى، وقد يملك المال ويخسر السكينة، وقد تكثر الأشياء في يده ويضيق قلبه.
أما الاستقامة على الولاية فتفتح للإنسان معنى النعمة الباطنة: نور القلب، وراحة الضمير، وقوة اليقين، ولذة العبادة، وبصيرة الحياة، والطمأنينة العميقة.
(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) لقمان/20.
وقد قال الإمام الصادق عليه السلام في وصيته لابن جندب:
«لو أن شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة، ولأظلهم الغمام، ولأشرقوا نهارًا، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولما سألوا الله شيئًا إلا أعطاهم»(9).
هذا النص يكشف أن الولاية إذا تحولت إلى استقامة، فإنها تفتح للإنسان أبوابًا لا يتصورها. لكنها ليست ولاية لفظية، ولا حبًا عاطفيًا بلا التزام، بل سير دائم على طريق الغدير، قلبًا وقالبًا، عملًا وفكرًا وسلوكًا.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾المائدة: 66.
فالعمل السيئ يحجب البركة، وسوء الاستقامة يغلق أبواب النعمة، أما إقامة الطريق فإنها تفتح الخير من فوق الإنسان ومن تحت قدميه.
رابعًا: التوازن والاعتدال
من آثار الاستقامة أنها تمنح الإنسان حياة متوازنة. والتوازن من أعظم أسرار السعادة، لأن الإنسان بلا توازن يبقى بين إفراط وتفريط، وبين غلو وتقصير، وبين شهوة تكبله وخوف يشله.
الولاية تمنح الإنسان ميزانًا. تجعله يعرف كيف يوازن بين الدنيا والآخرة، وبين المادة والمعنى، وبين العمل والعبادة، وبين الحق والرحمة، وبين الحزم والرفق. ولذلك كان طريق أمير المؤمنين عليه السلام طريق الاعتدال والوسطية الحقة، لا طريق الغلو ولا طريق الجفاء.
وقد ورد عن الامام علي عليه السلام: (هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ مُحِبٌّ غَالٍ وَمُبْغِضٌ قَالٍ).
كما ورد عنه عليه السلام: (وَسَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَمُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَخَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالًا النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ)(10).
فالغلو خروج عن الحق، كما أن البغض خروج عنه. والولاية ليست غلوًا في الأشخاص، بل طاعة لله من طريق أوليائه، واستقامة على منهجهم، واعتدال في الفهم والعمل.
قال تعالى:
(وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) {الأعراف/31}
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن تستقيموا تفلحوا».
فالاستقامة فوز وانتصار، لأنها تحفظ الإنسان من الانحراف، وتجعله يحصل النعم الظاهرة والباطنة معًا. فالمادة وحدها لا تكفي، والمعنى إذا انفصل عن العمل قد يضعف أثره. ولا بد من توازن يجعل النعمة المادية في خدمة النعمة المعنوية، لا أن تطغى عليها.
خامسًا: الأمن النفسي والاجتماعي والطمأنينة
من أعظم آثار الاستقامة على الولاية أنها تمنح الإنسان الأمن الداخلي. فالإنسان في عالم مضطرب، مليء بالضغوط والصراعات والمخاوف، يحتاج إلى يقين يحميه من القلق، وإلى معنى ينقذه من الحزن، وإلى بصيرة تكشف له وجه الطريق.
قال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)الأحقاف: 13
الخوف هنا ليس مجرد خوف عابر، بل قلق على المستقبل، واضطراب أمام المجهول. والحزن ليس دمعة عابرة، بل انكسار داخلي قد يتحول إلى كآبة وضياع. أما المستقيم على الولاية فإنه يعيش الطمأنينة؛ لأنه يعرف الطريق، ويعرف الغاية، ويعرف أن الدنيا ليست نهاية المطاف.
وقال تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) فصلت/30}.
وهذا الوعد له أثر في الآخرة، وله ظلال في الدنيا أيضًا. فالإنسان الذي يحمل ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بمعرفة وصدق واستقامة لا يعيش فراغًا داخليًا؛ لأنه يرى الحياة بعين أخرى، ويفهم حقيقتها، ويعرف أن قيمته ليست بما يملك فقط، بل بما يكون عليه عند الله.
أما الإيمان الظاهري وحده فلا يكفي. الولاية تحتاج إلى سعي، والشكر يحتاج إلى عمل، والاستقامة تحتاج إلى مجاهدة. لا يكفي أن يقول الإنسان إنه مؤمن أو محب، ثم لا يظهر ذلك في سلوكه، وماله، وأخلاقه، وعلاقاته، ومواقفه.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من لزم الاستقامة لزمته السلامة».
وهذه السلامة شاملة: سلامة في العقيدة، وسلامة في النفس، وسلامة في الأخلاق، وسلامة في السلوك، وسلامة في المصير. فمن لزم الاستقامة حصّن نفسه من الانحراف، وبنى داخله على الطمأنينة.
كذلك الاستقامة لا تمنح الإنسان الطمأنينة فحسب، بل تقوي يقينه، وتثبت إيمانه، وتجعله أكثر قدرة على مواجهة الفتن. فالذي يسير على طريق معتدل، ملتزم، واضح، تتماسك شخصيته، وتستقيم أخلاقه، وتصفو رؤيته. أما الذي يعيش التناقض بين الإيمان والسلوك، فإنه يبقى قلقًا، ناقص اليقين، سريع الاهتزاز.
فالإنسان يحتاج إلى أن يعدّل نفسه دائمًا، وأن يراقب سلوكه، وأن يجعل الولاية نورًا عمليًا في حياته. فكل نقص في الأخلاق ينعكس على الإيمان، وكل ضعف في السلوك يضعف اليقين، وكل انحراف صغير إذا تُرك قد يفتح بابًا لانحراف أكبر.
ومن هنا، فالاستقامة ليست حالة جامدة، بل سعي دائم. هي بناء يومي للنفس، ومحاسبة مستمرة، وشكر متجدد، وعودة متكررة إلى خط أمير المؤمنين عليه السلام.
خاتمة: من الغدير إلى بناء الإنسان
إن كمال الدين وتمام النعمة لا يتحولان إلى واقع في حياة الإنسان والأمة إلا بالسعي والعمل، والشكر الكثير، والاستقامة على منهج أمير المؤمنين عليه السلام.
فالولاية مشروع بناء الإنسان الصالح. إنها مفتاح الهداية، وطريق النعمة، ونظام الأمة، وأمانها من الفرقة، وميزانها في العدل، ومصدر طمأنينتها في عالم مضطرب.
أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من أهل البيت عليهم السلام هم الطريقة، وهم النور الحقيقي، وهم المخطط الإلهي لهداية الإنسان. هم النقاء والطهارة، ومن خلالهم يعرف الإنسان كيف يستقيم، وكيف يشكر، وكيف يحفظ النعمة، وكيف يسير إلى الله بقلب مطمئن وعمل صالح.
فمن أراد الدين الصحيح فليأخذه من طريقهم، ومن أراد النعمة الباقية فليشكر الله عليهم، ومن أراد الطمأنينة فليستقم على نهجهم، ومن أراد رضوان الله فليجعل الولاية عملًا في حياته.
وبذلك يصل الإنسان إلى الغاية العظمى: رضوان الله سبحانه وتعالى، والفوز بجنته، والنجاة بنور الولاية التي بها كمل الدين، وتمت النعمة، ورضي الله الإسلام دينًا.



اضف تعليق