بقلم: هارولد جيمس

برينستون ــ أصبح سكان مدينة نيويورك يتوقعون حدوث فوضى مرورية عندما تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر/أيلول من كل عام. لكن في عامنا هذا، ينطوي الأمر أيضا على ازدحام شديد مُـحـبِـط داخل إذهان الحاضرين. يبدو الأمر وكأن الجميع تخيم عليهم سحابة من الإحباط واليأس، مع وجود ممثلين من مختلف أنحاء العال يتنافسون في الأساس لتحديد أي بلد هو الأسوأ.

الولايات المتحدة، على سبيل المثال، منهكة في حديث عن حرب أهلية وليدة. لا تزال مجموعات كبيرة من أعضاء الحزب الجمهوري ترفض الالتزام بقبول نتائج الانتخابات. مع ذلك، في حين كان من المنطقي أن تمنح المخاوف من التضخم والركود الجمهوريين ميزة على الديمقراطيين الذي يشغلون مقاعد السلطة حاليا في انتخابات التجديد النصفي، يركز الحزب الجمهوري بدلا من ذلك على حشد قاعدته الصغيرة من المتشددين حول أجندة تفتقر بشدة إلى الشعبية تتلخص في حظر الإجهاض، والمعاملة غير الإنسانية للمهاجرين.

من ناحية أخرى، تصارع المملكة المتحدة فوضى ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي وتَـزَعـزُع الاستقرار المالي الذي من المتوقع أن يزداد سوءا مع تنفيذ الحكومة الجديدة لأجندتها المزعومة الداعمة للنمو. أما إيطاليا، التي أزالت حكومة مقتدرة تتمتع بمصداقية عالية بقيادة رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراجي، فهي تستعد الآن لانتخاب حكومة يمينية متطرفة لن تجدي البلاد نفعا ــ ولن تفعل شيئا غير تعميق الانقسامات في إيطاليا.

في فرنسا، تملك اليأس من المعلقين إزاء عجز الرئيس إيمانويل ماكرون عن إطلاق أجندة إصلاحية جديدة. وفي ألمانيا، أعلنت حكومة جديدة بجرأة عن تحول تاريخي، لكنها تناضل الآن في محاولة تنفيذ الجزء الأكثر إلحاحا من أجندتها: إصلاح سياستها الدفاعية. في انتخابات السويد هذا الشهر، كان المنتصر الرئيسي أحد أحزاب اليمين المتطرف الذي يكرس جهوده لمهاجمة الركائز الأساسية للإجماع السياسي السابق. وفي أوروبا في عموم الأمر، يجد صناع السياسات، المنهكون فكريا بعد عقد من الزمن من المناقشات حول التفاعلات بين السياستين النقدية والمالية، أنه من المستحيل تقريبا ابتكار استراتيجية مشتركة في التعامل مع قضية الطاقة.

ولم يكن أداء الدول الاستبدادية في العالم أفضل. في الواقع، يبدو أنها تواجه قدرا أعظم من الصعوبات مقارنة بالدول الديمقراطية في محاول التعلم من الكوارث الأخيرة وعكس المسار. فقد تبين للصين استحالة الخروج من استراتيجية خفض الإصابات بمرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) إلى الصـفر المتزايدة التكلفة. وتُـعَـد روسيا مثالا رهيبا ومرعبا على مدى السرعة التي قد تنزلق بها الأنظمة الاستبدادية غير الخاضعة للمساءلة إلى حماقة تدمير الذات. كل هذه البلدان عالقة في فخاخ من صنع هواجسها التاريخية ــ سواء كانت ذكريات المذلة من الماضي، أو ادعاءات العظمة، أو كلا الأمرين. بدأ شارل ديجول مذكراته عن الحرب بادعائه بأن فرنسا من غير الممكن أن تكون فرنسا بدون عظمتها. ولكن إذا كانت العظمة تعني أن تفرض نفسك على جيرانك، فهذه ليست الصفة التي ينبغي لأي بلد أن يتطلع إلى اكتسابها؛ وفي عالم اليوم الشديد الترابط، أصبح هذا غير وارد على أية حال. وكما يتعلم القادة الروس بسرعة، فإن أحلام الهيمنة تقود حتما إلى المقاومة، والفوضى، وتدمير الذات.

ولكن في حين تسعى القوى التاريخية الكبرى جاهدة لإيجاد طرق للخروج من مآزقها السياسية، تبدو بعض الدول الأصغر حجما أكثر سعادة، وقدرة على الصمود، واستقرارا بالمقارنة. لجمع هذه الدول معا كثِـقَـل موازن لمجموعة السبع، ومجموعة العشرين، وغيرهما من التجمعات المتصلبة، تحاول مبادرة جديدة مقرها سويسرا إنشاء رابطة من الدول الصغيرة، تعرف باسم مجموعة الثماني.

يبلغ عدد سكان أربعة من البلدان الأعضاء التأسيسية الثمانية ــ الدنمارك، وفنلندا، وأيرلندا، وسنغافورة ــ من 5 إلى 6 ملايين نسمة، وربما كان بوسع المنظمين أن يضموا أيضا دولا أخرى مرنة بشكل مذهل من ذات الحجم، مثل كوستاريكا، والنرويج، وسلوفاكيا. على أية حال، تمثل مجموعة الثماني وجهة نظر مفادها أن التحديات الواضحة التي تواجه الدول الصغيرة يجب أن يُـنـظَـر إليها على أنها حافز لتقديم حلول منتجة، وليس كذريعة للانغماس في اليأس.

لنتأمل هنا حالة أوكرانيا، التي من الواضح أنها شديدة العُـرضة للخطر (وإن لم تكن صغيرة بالمعنى المعتاد). لقد نجحت أوكرانيا في الاستثمار في ضعفها لتحويله إلى سلسلة رائعة من الردود على العدوان الروسي. فبينما يعمل قادتها السياسيون على حشد الدعم العسكري والمالي من الأصدقاء والحلفاء في مختلف أنحاء العالم، يعكف مطورو البرمجيات الموهوبون لديها على التصدي للهجمات السيبرانية الروسية على مدار الساعة، وإطلاق الهجمات من جانبهم. من منظور البلدان الصغيرة الضعيفة التي لا تتمتع بموقع جغرافي مميز بشكل فريد (كما في حالة سويسرا)، تخلق التهديدات الأمنية الحاجة إلى إنشاء تحالفات قوية، والتي بدورها من الممكن أن تعمل على تعزيز الاستقرار على المستويين السياسي والاقتصادي. علاوة على ذلك، من غير المرجح أن تنزلق دولة تركز على تهديد خارجي حاد إلى الاقتتال الداخلي. فلا توجد فريسة أكثر سهولة لدولة معتدية أكبر حجما من دولة صغيرة منقسمة سياسيا. تستند سياسة الإجماع في سويسرا والدول الإسكندنافية إلى أسس أرسيت في الاستجابة للتهديد الذي فرضته ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن العشرين. نظرا لأن البلدان الصغيرة لا تستسلم لأي أوهام حول قدرتها على فرض إرادتها على آخرين، فإنها تشترك في استعدادها لاحتضان المرونة والتغيير في عالم يتطلب القدرة على التكيف.

بقدر ما قد تكون البلدان الصغيرة "عظيمة"، فإن هذا يرجع إلى أنها تقدم أمثلة ملموسة وعملية حول كيفية تحسين السياسة والحكم. على سبيل المثال، بينما عملت إستونيا على تعزيز الشرعية الديمقراطية من خلال التصويت الإلكتروني، كانت كل من كولومبيا وجامايكا في مقدمة المنحنى في تبني العملات الرقمية الجيدة التصميم التي تصدرها البنوك المركزية. لكن إذا كان العالم يتحرك بعيدا عن التعددية ويتجه نحو نظام يتألف من كتل متنافسة، فسوف تجد الدول الأصغر حجما نفسها تحت ضغوط أكبر من جانب القوى الكبرى.

لتجنب وقوعها تحت أحجار الرحى الجيوسياسية، ينبغي لهذه البلدان أن تواصل الإبداع والابتكار، سواء في عالم السياسة أو التكنولوجيا. يتعين عليها أن تجعل الحكومة التمثيلية حقيقة واقعة وليست مجرد رمز، لتثبت للعالم أن القيادة بالقدوة أفضل من القيادة بمحاولة فرض الهيمنة الاستراتيجية.

* هارولد جيمس، أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون، وهو زميل أقدم في مركز الابتكار الدولي للحكم ومتخصص في التاريخ الاقتصادي الألماني والعولمة، ومؤلف مشارك لكتاب: اليورو ومعركة الأفكار ومؤلف كتاب إنشاء وتدمير القيمة: دورة العولمة
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق