يُنقل نحو 90 في المئة من السلع المتداولة عالميًا عن طريق البحر. وليست الاضطرابات الناجمة عن الحروب حول نقاط الاختناق البحرية ذات الأهمية الحيوية أمرًا جديدًا، كذلك آثارها الاقتصادية الكارثية. وقد حفزت حرب ترامب عودة إلى مرحلة سبقت قيام بريطانيا العظمى والولايات المتحدة بفرض حياد الممرات المائية العالمية الكبرى...

يعيد هذا المقال النظر في أزمة مضيق هرمز من زاوية تاريخية أوسع، إذ يرى الكاتب لوسيان ستايانو-دانييلز، في مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» أن إغلاق المضيق في سياق الحرب الأميركية على إيران لا يمثل مجرد اضطراب مؤقت في تجارة الطاقة والملاحة، بل يكشف هشاشة النظام الذي أبقى الممرات البحرية الدولية مفتوحة أمام التجارة طوال القرنين الماضيين. ومن خلال المقارنة بمضيقي الدردنيل وأوريسوند، يناقش الكاتب كيف يمكن للتحكم في نقطة اختناق بحرية أن يمنح حتى القوى الأضعف نفوذًا سياسيًا وماليًا واسعًا، محذرًا من عودة الممرات البحرية إلى ساحات للصراع والقسر الاقتصادي.

أزمة المضائق العالمية

في وقت كتابة هذه السطور، أدت هجمات الرئيس الأميركي دونالد ترامب العشوائية على إيران إلى مقتل 18 من أفراد القوات الأميركية، وعدد غير معروف من المدنيين والعسكريين الإيرانيين، وبلغت كلفتها عشرات المليارات من الدولارات. والأهم بالنسبة إلى بقية سكان العالم أنها أدت إلى إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

يُنقل نحو 90 في المئة من السلع المتداولة عالميًا عن طريق البحر. وليست الاضطرابات الناجمة عن الحروب حول نقاط الاختناق البحرية ذات الأهمية الحيوية أمرًا جديدًا، كما أن آثارها الاقتصادية الكارثية ليست جديدة كذلك. وقد حفزت حرب ترامب عودة إلى مرحلة سبقت قيام بريطانيا العظمى والولايات المتحدة بفرض حياد الممرات المائية العالمية الكبرى خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وكان ذلك وضعًا صُنع عمدًا، وورثه الأميركيون المعاصرون من دون أن يتذكروا أو يفهموا أنه كان وضعًا مصطنعًا، وأنه، مثل كل شيء مصطنع، يحتاج إلى الصيانة والاستمرار في حمايته.

في وقت كتابة هذه السطور، أدت هجمات الرئيس الأميركي دونالد ترامب العشوائية على إيران إلى مقتل 18 من أفراد القوات الأميركية، وعدد غير معروف من المدنيين والعسكريين الإيرانيين، وبلغت كلفتها عشرات المليارات من الدولارات. والأهم بالنسبة إلى بقية سكان العالم أنها أدت إلى إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

يُنقل نحو 90 في المئة من السلع المتداولة عالميًا عن طريق البحر. وليست الاضطرابات الناجمة عن الحروب حول نقاط الاختناق البحرية ذات الأهمية الحيوية أمرًا جديدًا، كما أن آثارها الاقتصادية الكارثية ليست جديدة كذلك. وقد حفزت حرب ترامب عودة إلى مرحلة سبقت قيام بريطانيا العظمى والولايات المتحدة بفرض حياد الممرات المائية العالمية الكبرى خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وكان ذلك وضعًا صُنع عمدًا، وورثه الأميركيون المعاصرون من دون أن يتذكروا أو يفهموا أنه كان وضعًا مصطنعًا، وأنه، مثل كل شيء مصطنع، يحتاج إلى الصيانة والاستمرار في حمايته.

إن أفعال ترامب الشنيعة لا تمثل تخليًا عن الإمبراطورية، كما يأمل بعض مؤيديه من أقصى اليسار وأقصى اليمين، بل تمثل انحطاطها. وما لم يُعكس مسار هذا الفشل، فستتحول الممرات المائية في العالم مرة أخرى إلى ساحات لصراعات وحشية، كما كانت عليه تاريخيًا.

لنتأمل مثالين: الدردنيل بين شرقي البحر المتوسط والبحر الأسود، ومضيق أوريسوند الذي يشكل مدخلًا إلى بحر البلطيق ومخرجًا منه.

يوضح المثال الأول كيف يمكن للسيطرة على الجغرافيا أن تجعل حتى قوة ضعيفة عنصرًا حيويًا في صناعة القرار الدولي. أما المثال الثاني فيقدم نموذجًا للمكاسب المالية التي يمكن أن تترتب على السيطرة على نقطة اختناق ملاحية، وهو أمر يصبح مقلقًا عندما نطبقه على الحرس الثوري الإسلامي الإيراني وسيطرته على مضيق هرمز.

منذ عام 1453، عندما تم الفتح النهائي للقسطنطينية، إسطنبول حاليًا، سيطرت الإمبراطورية العثمانية على كامل المضائق التركية، أي الممر الممتد من البحر المتوسط إلى البحر الأسود، بما فيه الدردنيل والبوسفور.

ولأن منفذ بحر البلطيق إلى المحيط المفتوح كان خاضعًا لهيمنة الدنمارك، ظلت روسيا لقرون تميل إلى البحث عن منفذ إلى البحر المتوسط عبر المضائق التركية.

ومع تهاوي الإمبراطورية العثمانية، أصبحت السيطرة على هذا الممر المائي المهم هدفًا متكررًا للحروب في شرقي البحر المتوسط، بين روسيا والجميع تقريبًا.

وبعد الحروب النابليونية، أخذت السيطرة على المضائق التركية تنتقل من طرف إلى آخر، حتى بلغت ذروتها في حرب القرم، التي دعم خلالها تحالف أوروبي العثمانيين من أجل منع روسيا من السيطرة على مضيق البوسفور.

ويربط مضيق أوريسوند بحر البلطيق ببحر الشمال، وكان منذ أواخر العصور الوسطى مركزًا حيويًا للملاحة بالنسبة إلى مجموعة واسعة من مجتمعات شمال أوروبا، امتدت من موسكوفي إلى إنجلترا.

وهذا الاتصال هو، على سبيل المثال، ما جعل شكسبير يعرف ما يكفي عن الروس حتى يجعل بعض شخصيات مسرحيته «خاب سعي العشاق» تتنكر في هيئة سكان موسكوفي.

وكانت تجارة البلطيق تقوم على سلع حيوية لكنها غير براقة، مثل الأخشاب والمنتجات الخشبية، والقنب والكتان، والحديد والنحاس، والحبوب والبيرة والملح والأسماك، إلى جانب منتجات فاخرة أكثر وضوحًا مثل الفراء والعنبر، ثم الأسلحة النارية بعد تبني البارود في أوروبا.

ومنذ عام 1429، أصبح المضيق خاضعًا لسيطرة اتحاد كالمار ثم الدنمارك، ومعه الرسوم المربحة التي كانت تُفرض على المرور عبر المضيق، إذ كانت السفن تدفع ما بين 1 و2 في المئة من قيمة حمولتها مقابل السماح لها بالعبور.

وليس تقارب هذا التاريخ مع تاريخ سقوط القسطنطينية مصادفة؛ إذ اتسمت بدايات العصر الحديث في مختلف أنحاء أوراسيا بتطور قوة الدولة، بما في ذلك قدرتها على شن الحرب واستخلاص الإيرادات.

ولم تكن هذه الأموال تذهب إلى الحكومة الدنماركية الناشئة، التي كانت تتمثل آنذاك في مجلس المملكة، بل كانت تذهب إلى ملك الدنمارك بوصفها موردًا شخصيًا.

وفي عام 1625، مكّنت السيطرة على هذه الإيرادات المستقلة، التي كانت تعادل ثُمن دخل الدولة الدنماركية، الملك كريستيان الرابع من التدخل في حرب الثلاثين عامًا من دون استشارة مجلسه، وكان ذلك قرارًا كارثيًا بالنسبة إلى الدنمارك.

وهذا يثير تشابهًا غير مريح عندما يتعلق الأمر بإيران: هل تذهب هذه الأموال إلى الحكومة الإيرانية بوصفها حكومة، أم تذهب مباشرة إلى الحرس الثوري الإسلامي، وهو قوة مسلحة موازية تتمثل وظيفتها في الحفاظ على النظام الديني؟

وقد أتاحت هذه المهمة للحرس توسيع نطاق صلاحياته بصورة كبيرة.

فعلى سبيل المثال، الحرس الثوري، وليس القوات المسلحة الإيرانية النظامية، هو الذي يسيطر على الصواريخ الباليستية. كما أن الحرس الثوري يمثل تكتلًا اقتصاديًا ضخمًا.

وحتى قبل عام 2026، كان الحرس الثوري يزداد قوة بالفعل على حساب كيانات أخرى داخل بنية السلطة الإيرانية، مثل المؤسسة الدينية. وخلال الهجمات الأميركية هذا العام، عمل بسرعة على ترسيخ سلطته.

ومن شأن حصوله على إيرادات مستقلة أن يعزز الأموال التي يحصل عليها من عملياته الاقتصادية داخل المجتمع الإيراني، وأن يمنحه مزيدًا من التمويل لتمويل الحرب، وكذلك لدعم وكلاء مثل حماس وحزب الله والميليشيات الشيعية في العراق، من دون الحاجة إلى مشاركة بقية صانعي القرار الإيرانيين في هذه القرارات.

ومن شأن ذلك أن يقرب إيران مما أعتقد أنه أحد الأشكال المحتملة لتحلل الثورة الإسلامية: فبدلًا من جمهورية إسلامية يهيمن عليها رجال الدين، قد تصبح إيران طغمة عسكرية يقودها الحرس الثوري.

وقد فُتحت المضائق التركية وأوريسوند وغيرها من الممرات المائية بالقوة أمام الملاحة والتجارة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بفعل الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة.

وفي عام 1841، منعت اتفاقية لندن للمضائق جميع السفن الحربية من المرور عبر البوسفور، وهو ما أفاد القوة البحرية البريطانية على حساب روسيا.

ورغم أن عدم الرضا عن رسوم أوريسوند كان يتنامى داخل الدنمارك نفسها طوال أوائل القرن التاسع عشر، فإن الولايات المتحدة فرضت حسم القضية عندما رفضت دفع الرسوم عام 1856.

وردًا على ذلك، عقدت الدنمارك قمة لوضع أساس لحياد المضيق.

وقد ورثت الولايات المتحدة الحديثة هذه البنية الإمبراطورية التي لا تزال تقف في خلفية اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تحمي حق «المرور البريء» في الممرات المائية الضيقة والمناطق الساحلية.

وحتى هذا العام، كان ضمان الولايات المتحدة للتجارة الدولية هو الكيفية التي عمل بها العالم.

لكن ترامب تخلى عن ذلك مقابل لا شيء، ولا حتى من أجل النزعة السلمية.

ففي عام 2026 وحده حتى الآن، قصف إيران والصومال والبحر الكاريبي والمحيط الهادئ والعراق وسوريا ونيجيريا وفنزويلا.

وكان النظام العالمي الذي تفرضه الولايات المتحدة أمرًا غير مقبول أخلاقيًا بالنسبة إلى كثير من الناس في اليسار الأميركي.

لكن عندما تخيل الانعزاليون عالمًا بلا هيمنة أميركية، تصوروا نظامًا عالميًا يقوم على ضبط النفس المتبادل، من دون أن يفكروا في الجهة التي قد تتولى فرض هذا الوضع.

وكما نرى الآن، فإن البديل عن وجود نوع من فرض نظام عالمي ثابت ليس عالمًا بلا رأس تتعامل فيه الدول بعضها مع بعض باحترام متبادل، بل حروب متكررة ومدمرة.

وفي عالم أكثر ميلًا إلى الحرب كهذا، من المرجح أن تتذكر كل قوة تطل على قناة ملاحية مهمة أنها تمتلك قبضة محتملة على عنق الاقتصاد العالمي، وفي نهاية المطاف ستتصرف بناءً على ذلك.

وقد بدأ الحوثيون المتحالفون مع إيران في اليمن بالفعل محاولة تحدي المرور عبر باب المندب، الذي يصل بحر العرب بالبحر الأحمر.

ولو كنت واحدًا من أعداء روسيا، لفكرت بجدية في الأهمية القديمة لمضيق أوريسوند والمضائق التركية.

فإذا أغلقت فنلندا وإستونيا خليج فنلندا، فلن تستطيع روسيا تصدير النفط عبر هذا الطريق أو إعادة إمداد كالينينغراد.

وفي الصراع الإيراني عام 2026، نواجه النتيجة نفسها التي توصل إليها تي. آر. فيهرنباخ، ضابط المشاة والكاتب، بشأن الحرب الكورية:

«أعاد الأميركيون في عام 1950 اكتشاف شيء كانوا قد نسوه منذ هيروشيما: يمكنك أن تحلق فوق أرض إلى الأبد؛ ويمكنك قصفها، وتذريرها، وسحقها، ومحو الحياة عنها، لكن إذا أردت الدفاع عنها، وحمايتها، والإبقاء عليها من أجل الحضارة، فعليك أن تفعل ذلك على الأرض، كما كانت تفعل الجحافل الرومانية... في الوحل».

إن ما يحسم التاريخ هو جغرافيا الأرض والماء، والبشر الذين يعيشون فوقها.

اضف تعليق