قد يخسر مكانٌ سياحي زائره قبل أن يعرف بوجوده؛ يكفي أن يطلب مسافر من مساعد ذكي برنامجاً لرحلته، فتظهر أسماء محددة بينما تُستبعد أخرى. التوصية الرقمية باتت باباً تعبر منه الحجوزات والأموال، لينتقل التنافس السياحي إلى مساحة تسبق المطار والطريق، حيث تُصنع الخريطة ويتشكل التصور الأول عن الوجهة...

قد يخسر مكانٌ سياحي زائره قبل أن يعرف الزائر بوجوده؛ يكفي أن يطلب مسافر من مساعد ذكي برنامجًا لرحلة، فتظهر أمامه أسماء محددة لفنادق ومعالم ومطاعم، بينما تبقى أماكن أخرى خارج الإجابة، ومع تكرار هذا الاختيار تصبح التوصية الرقمية بابًا تعبر منه الحجوزات والأموال والانتباه، ويغدو ترتيب الأماكن على الشاشة مسألة تمس أرزاق أصحابها وقدرة مجتمعاتها على الوصول إلى السوق. هكذا تنتقل المنافسة السياحية إلى مساحة تسبق المطار والطريق ومكتب الحجز، حيث يتشكل التصور الأول عن الوجهة، ويبدأ توزيع الفرص بين من يستطيع تقديم نفسه بصورة تفهمها الأنظمة الجديدة ومن يملك تجربة تستحق الزيارة، لكنه يفتقر إلى الحضور الذي يجعلها قابلة للاكتشاف، وهو تحول يفتح سؤالًا يتجاوز راحة المسافر: مَن يرسم الخريطة التي سيختار منها العالم رحلته المقبلة؟

تكتسب هذه الأسئلة وزنًا إضافيًا مع اليوم العالمي للسياحة، الموافق ٢٧ أيلول، وتناول رسالة الأمم المتحدة الخاصة بمناسبة عام ٢٠٢٦ موضوع الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة، بما يضع التحول الجاري داخل نقاش أوسع عن الطريقة التي يختار بها الناس وجهاتهم، وكيف تعمل الصناعة، وكيف تُصمَّم تجربة السفر نفسها. ويتيح هذا المدخل قراءة المناسبة بوصفها فرصة لفحص العلاقة بين ثلاثة وعود تتكرر في الخطاب السياحي: الذكاء الذي يجعل الرحلة أكثر سلاسة، والشمول الذي يوسع فرص المشاركة فيها والاستفادة منها، والاستدامة التي تحافظ على الموارد التي تقوم عليها؛ إذ قد تتقدم إحدى هذه الغايات بينما تتراجع أخرى، وقد يصبح السفر أسهل لشخص، فيما تزيد أعباؤه على مجتمع يستقبله، أو تصبح وجهة أكثر شهرة من قدرتها على استيعاب زوارها.

الخوارزمية التي توزّع الزوار والفرص

توضح التجربة الكورية أن النقاش انتقل إلى تفاصيل التنفيذ؛ فتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يعرض استخدام منصة المعلومات السياحية المحلية «كوريا غوسوك غوسوك» للذكاء الاصطناعي في تلخيص المحتوى، واقتراح الوجهات والبرامج، وتحسين التوصيات، مع إجراءات تستهدف الحد من تحيز البحث والاختيار. وتكمن أهمية المثال في اعترافه بأن الاقتراح السياحي يحتاج إلى مراجعة للكيفية التي تُوزَّع بها فرص الظهور، لأن النظام الذي يكرر الخيارات الأكثر تداولًا قد يضيق مساحة الاكتشاف حتى وهو يعرض نفسه بوصفه أداة لتوسيعها؛ ومن ثم يصبح السؤال عن جودة التوصية مرتبطًا أيضًا بتنوع ما تكشفه، وبقدرتها على إيصال الزائر إلى تجربة تناسبه خارج الدائرة التي يكررها الآخرون، وبإمكان مراجعة أسباب ظهور وجهة واختفاء أخرى.

وعلى امتداد الرحلة، تتوزع التطبيقات المحتملة بين مهام تختلف في طبيعتها، كما يوضح إصدار منظمة الأمم المتحدة للسياحة وجامعة ساكسيون عن اعتماد الذكاء الاصطناعي؛ فهناك أدوات لتخطيط السفر وخدمة العملاء، وأخرى لتوقع الطلب وإدارة المخزون، وأنظمة تساعد على تنظيم تدفقات الزوار أو توقع احتياجات الصيانة. وهذا التنوع مهم لفهم حدود الوعود المتداولة، لأن برنامجًا يكتب وصفًا جذابًا لمعلم أثري يؤدي وظيفة مختلفة عن نظام يتوقع ازدحام مدخله، ولكل منهما بياناته وشروط اختباره وطبيعة الخطأ الذي قد يرتكبه، فيما يحتاج دمج هذه الأدوات إلى تدريب العاملين وحماية البيانات واستمرار التفاعل البشري. ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة «سياحة ذكية» عنوانًا لمجموعة قرارات تشغيلية ومعرفية متصلة، تتحدد قيمتها بقدرتها على معالجة مشكلة واضحة يمكن ملاحظة تحسنها.

ولقياس هذا التحسن، يمكن تصور اختبار يبدأ من رحلة كاملة، ويلاحق نقاط تعثرها منذ السؤال الأول حتى عودة المسافر: كم مرة احتاج إلى إعادة البحث، وما المعلومات التي وجدها متناقضة، وهل اضطر إلى تغيير خطته بسبب بيانات قديمة، وهل استطاع الوصول إلى شخص مسؤول عندما أخطأت الخدمة؟ هذه أسئلة يقترحها التحليل لتقييم أي مشروع سياحي رقمي، وتمنح عبارة «تجربة أفضل» مضمونًا يمكن فحصه؛ فقد يكون الإنجاز الفعلي تقليل رحلة ضائعة إلى باب مغلق، أو تمكين عائلة من معرفة التكلفة قبل

الوصول، أو مساعدة عامل استقبال على حل مشكلة معقدة بعدما وفرت الأداة وقته في الإجابة عن الأسئلة المتكررة، وبذلك تُقاس التقنية بما تحرره من وقت وجهد، وبمدى قدرتها على التعامل مع اللحظة التي تخرج فيها الرحلة عن البرنامج المقترح.

ويظهر البعد الاقتصادي لهذا التحول بوضوح أكبر عند الاقتراب من القرى والمشروعات الصغيرة، حيث عرضت شبكة «أفضل القرى السياحية» التابعة لمنظمة السياحة إمكانات استخدام الذكاء الاصطناعي في التوصيات الشخصية والتحليلات التنبؤية وتحسين الكفاءة التشغيلية، ضمن نقاش عن تنمية السياحة الريفية. وتفتح هذه الإمكانات مجالًا أمام أصحاب التجارب المحلية لتقديم خدماتهم وفهم الطلب عليها، لكنها تثير أيضًا سؤالًا عن نقطة البداية: كيف يستطيع مشروع محدود الموارد أن يستفيد من أداة تتطلب وصفًا دقيقًا للخدمة وصورًا ومعلومات قابلة للتحديث؟ إن فرصة الوصول الرقمي تحتاج إلى عمل يسبق التوصية، ومنه توثيق ما يقدمه المكان فعلًا، وتحديد مواعيده وأسعاره ووسائل التواصل معه، حتى تصبح التجربة التي يعرفها أهل القرية قابلة للفهم والحجز لدى شخص يبعد عنها آلاف الكيلومترات.

ومن هنا يمكن اقتراح شكل للدعم يبدأ بفريق يساعد أصحاب مشروعات محلية على بناء ملفات معلومات موثوقة، ثم يختبر ما إذا كانت هذه الملفات قد حسنت وصول المسافرين إليهم، ويتابع الأثر بعد انتهاء التدريب. ولتكن حالة الاختبار بيت ضيافة أو ورشة حرفية أو خدمة إرشاد، على أن يُقاس التغير بعدد الاستفسارات الجادة والحجوزات المكتملة والدخل الذي وصل إلى صاحب المشروع، مع متابعة الوقت الذي يقضيه في إدارة حضوره الرقمي؛ فقد تتحول الأدوات إلى عبء إضافي إذا احتاجت إلى مهارات وصيانة تتجاوز قدرته. وبهذا يصبح نجاح التحول مرتبطًا باستقلال المشروع وقدرته على الاستمرار، ويغدو السؤال العملي: هل صار صاحبه أقدر على الوصول إلى زبائنه واتخاذ قراراته، أم أصبح يحتاج إلى وسيط جديد لكل خطوة؟

تمنح دراسة مشتركة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة السياحة، صدرت في آب ٢٠٢٦، أساسًا أوسع لهذا النقاش، إذ تناولت البحث والتطوير في السياحة المستدامة عبر مراجعة ممارسات وتجارب دولية وتحليل معمق لثلاث عشرة دراسة حالة، وربطت التحول بإدارة الوجهات وتمكين المجتمعات وسلاسل القيمة الدائرية وأنظمة البيانات والذكاء الاصطناعي. وتبرز في خلاصتها أهمية امتلاك المؤسسات القدرة على إدارة المكان، وإعطاء المجتمعات دورًا فعليًا، وتحويل البيانات إلى فعل جماعي، وهي عناصر تعيد مركز الاهتمام إلى السؤال عمن يستطيع التأثير في القرار؛ فالمجتمع الذي يستضيف الزوار يحتاج إلى موقع داخل عملية التخطيط وتحديد الأولويات، حتى تعكس الخدمة الرقمية احتياجاته، ويصبح وجوده في المنصة امتدادًا لمشاركته في إدارة السياحة، مع قدرة على مراجعة ما تقدمه عنه وما تستبعده من تجربته.

رحلة متاحة ومعلومة تستحق الثقة

أما بالنسبة إلى السائح نفسه، فإن أكثر الأسئلة بساطة قد يكون أشدها حسمًا: هل أستطيع دخول المكان واستخدام مرافقه والتنقل داخله؟ فمعيار المنظمة الدولية للتقييس الخاص بالسياحة المتاحة للجميع، الصادر عام ٢٠٢١، يربط الإتاحة بالسياسات والبنية التحتية والمنتجات والخدمات، ويشمل أطراف سلسلة السياحة من النقل والإقامة إلى المطاعم والأنشطة. وتكشف هذه النظرة الشاملة حدود الاكتفاء بواجهة سهلة الاستخدام؛ إذ يمكن لشخص يستخدم كرسيًا متحركًا أن يحجز غرفته خلال دقائق، ثم تتعطل رحلته عند وسيلة النقل أو مدخل المعلم، ويمكن لسائح أصم أن يجد وصفًا مكتوبًا للوجهة بينما تظل معلومات أساسية أثناء الزيارة متاحة صوتيًا فقط. ولذلك تحتاج التوصية التي تصف رحلة بأنها مناسبة إلى معرفة متصلة بحلقاتها المختلفة، وإلى معلومات تتجاوز العبارات العامة التي يصعب الاعتماد عليها عند التخطيط.

ويمكن تحويل هذا المبدأ إلى اختبار ميداني مقترح يشارك فيه مستخدمون ذوو احتياجات مختلفة، يطلب كل منهم برنامجًا للوجهة نفسها، ثم تُراجع صلاحية المسارات والمرافق التي اقترحتها الأداة، وتُسجل الفجوة بين الوصف والواقع، بما فيها تفاصيل صغيرة مثل وجود استراحة قريبة أو وضوح الإرشادات أو إمكان طلب مساعدة. ويتيح هذا الاختبار اكتشاف جانب يغيب عن العروض التقنية: قد تبدو الإجابة متكاملة لأنها مرتبة ومفصلة، بينما تفتقر إلى المعلومة الوحيدة التي يتوقف عليها قرار السفر. ومن ثم يمكن أن يصبح إعلان نقص البيانات علامة على جودة الخدمة، كأن تقول المنصة إن إتاحة المدخل تحتاج إلى تحقق مباشر، وتقدم وسيلة اتصال واضحة، حتى يتخذ المستخدم قراره على أساس يعرف حدود دقته، فالثقة تبدأ أحيانًا من معرفة ما يحتاج إلى سؤال إضافي.

وتصل مسألة الشمول إلى اللغة والثقافة أيضًا، لأن المكان الذي تُختزل حكايته في وصف سريع قد يفقد جانبًا من المعنى الذي يمنحه خصوصيته، خصوصًا إذا اعتمدت الخدمة على معلومات شائعة دون مراجعة الاختلافات المحلية أو حساسية التسميات والروايات. وتضع توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المعتمدة عام ٢٠٢١، الكرامة الإنسانية والإنصاف والشفافية والاستدامة والإشراف البشري ضمن أسس التعامل مع التقنية، وتحذر من إعادة إنتاج التحيزات وتعميقها. وبالاستناد إلى هذه المبادئ، يمكن مساءلة المرشد الرقمي عن طريقة تمثيله لأهل الوجهة: هل تظهر أسماؤهم كما يستخدمونها، وهل يميز بين حقيقة تاريخية وتفسير مختلف عليه، وهل يستطيع أصحاب المعرفة المحلية تصحيح المعلومات؟ هذه الأسئلة تمس جودة التجربة نفسها، لأن التعرف إلى المكان يفقد قيمته إذا وصل إلى الزائر في صورة سلسة لغويًا ومشوّهة ثقافيًا.

وترتبط دقة الرواية بمسؤولية الجهة التي تقدمها، وهي نقطة يمكن فهمها عبر إطار المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يتناول إدخال اعتبارات الموثوقية في تصميم الأنظمة وتطويرها واستخدامها وتقييمها. وعند إسقاط هذا المنظور على السياحة، يصبح السؤال عن اسم الجهة المسؤولة عن تحديث معلومة ما أساسيًا لتقييم الخدمة؛ فموعد زيارة أو وصف طريق أو تفسير تاريخي قد يبدو تفصيلًا صغيرًا على الشاشة، بينما يترتب عليه قرار حقيقي. ويقترح هذا التقرير أن تتضمن الخدمات السياحية آلية ظاهرة للإبلاغ عن الخطأ، وسجلًا لتحديث المعلومات الأساسية، وطريقًا للوصول إلى موظف عند الحاجة، بحيث تستطيع المؤسسة اكتشاف مواطن التعثر ومعالجتها، ويعرف السائح مَن يرجع إليه عندما تتعارض الإجابة الرقمية مع ما يجده أمامه.

وتتسع المسؤولية عندما يطلب المسافر تخصيص رحلته، لأن فهم احتياجاته قد يدفعه إلى مشاركة معلومات تتصل بميزانيته وأسرته وقدراته على التنقل وتفضيلاته الشخصية، وهنا تضع ورقة مجموعة السبع ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن الذكاء الاصطناعي والسياحة حماية البيانات والمستهلك ضمن أولويات السياسات، إلى جانب إعداد العاملين ومساندة الشركات الصغيرة. ويعني ذلك أن جودة التخصيص تحتاج إلى علاقة واضحة بين المعلومة المطلوبة والخدمة المقدمة، مع قدرة المستخدم على فهم ما يحدث لبياناته، كما يحتاج صاحب المشروع إلى معرفة شروط الأداة التي يستخدمها وتبعات الاعتماد عليها. فالسائح الذي يريد رحلة هادئة أو إقامة ملائمة لأسرته يبحث عن خدمة تستجيب لرغبته، ويستحق أن تظل هذه الرغبة تحت سيطرته، وأن تكون الراحة التي يحصل عليها متناسبة مع المعلومات التي يشاركها.

وخلف الواجهات التي تخاطب المسافر، يقف عاملون تتغير تفاصيل أعمالهم، من معالجة الاستفسارات إلى إعداد العروض وتنظيم الحجوزات، وهو تغير يستدعي قراءة دقيقة لمعنى التأثر بالذكاء الاصطناعي؛ فدراسة منظمة العمل الدولية لعام ٢٠٢٥ تبني تقديرها على المهام المهنية، وتبين استمرار ارتفاع قابلية الأعمال الكتابية للتعرض لهذه التقنية، دون أن يجعل ذلك التعرض حكمًا آليًا بزوال كل وظيفة. وهذه نقطة ضرورية عند مناقشة السياحة، لأن الموظف يجمع عادة مهام متفاوتة، بعضها قابل للمساعدة الرقمية، وبعضها يحتاج إلى تقدير للموقف وتواصل ومسؤولية مباشرة.

لذلك يصبح السؤال عن طريقة إعادة تنظيم العمل والتدريب وتوزيع المهام أكثر دقة من إعلان نهاية مهنة كاملة، مع ضرورة الانتباه إلى أن الدراسة عالمية وعابرة للقطاعات، ولا تقدم بذاتها تقديرًا خاصًا لوظائف السياحة العراقية.

ومن الممكن، بوصفه خيارًا إداريًا مقترحًا، أن تُستخدم الساعات التي توفرها الأتمتة في تحسين الخدمة والتدريب، وأن يُطلب من العاملين تسجيل الحالات التي تحتاج إلى تدخلهم، بما يسمح بفهم المواضع التي تتطلب حكمًا بشريًا؛ فحالة حجز ملتبسة أو طلب استثنائي أو زائر يحتاج إلى شرح إضافي تكشف ما ينبغي للنظام أن يتعلمه وما ينبغي أن يبقى تحت تقدير الموظف. ويمكن تقييم المشروع بعد ذلك عبر عبء العمل ودقة المعالجة ورضا الزائر واستقرار الخدمة، مع سؤال العاملين عن مقدار السيطرة التي احتفظوا بها على قراراتهم. وتمنح هذه المقاربة المؤسسة فرصة لتطوير التقنية من داخل المهنة، بحيث يصبح موظف الاستقبال والدليل والمسؤول عن الحجوزات شركاء في تصميمها، ويظل ما يملكونه من معرفة يومية جزءًا من قيمة المؤسسة وقدرتها على الضيافة.

استدامة تُقاس بما تتركه الرحلة وراءها

عند الانتقال إلى الاستدامة، تتغير زاوية النظر من شاشة السائح إلى الموارد التي تستهلكها الرحلة، ومن بينها الطعام الذي يُشترى ويُحضَّر ثم يغادر المطبخ دون أن يؤكل؛ ولهذا تقدم خارطة الطريق العالمية لتقليل هدر الغذاء في السياحة إطارًا لتسريع العمل داخل القطاع، وربطه بالغاية الدولية الخاصة بخفض الهدر وبالعمل المناخي. وتبدو هذه المساحة ملائمة لأسئلة تشغيلية محددة: كيف يقدّر الفندق احتياجاته، وكيف يتعامل مع تفاوت الإشغال، وما الذي يعرفه عن الأصناف التي يتكرر فائضها؟ وتفتح الإجابة عنها مجالًا لتوظيف البيانات والتوقعات، مع بقاء القياس الفعلي ضروريًا للحكم على النتيجة؛ إذ يستطيع أي مشروع أن يعد بتقليل الهدر، بينما يحتاج إثبات ذلك إلى متابعة ما يُستهلك وما يُتلف، وفهم الأسباب التي صنعت الفارق بين التقدير الأول والطلب الحقيقي.

ويضيف تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة عن التقنيات الخضراء والرقمية وتقليل هدر الغذاء أن معالجة المشكلة تجمع بين السلوك والحلول التقنية والمبادرات العامة والخاصة، وهي رؤية تساعد على تجنب تحميل الأداة وحدها مسؤولية النتيجة. ويمكن، على سبيل المثال التحليلي، أن يقدم نظام التنبؤ تقديرًا أقرب إلى الطلب، ثم يستمر الفائض لأن طريقة الشراء أو التحضير أو عرض الوجبات بقيت على حالها، فتتحسن المعلومة دون أن يتغير القرار الذي تصدر من أجله. ولهذا تتطلب السياحة المستدامة سلسلة عمل تستقبل التوقع وتختبره وتترجمه إلى إجراء، مع إشراك العاملين الذين يرون حركة الاستهلاك يوميًا، وتسجيل الفروق بين الأيام العادية والمواسم، حتى يصبح التعلم من البيانات ممارسة مستمرة داخل المنشأة، وتظهر فائدته في الموارد التي جرى الحفاظ عليها وفي التكلفة التي أمكن تجنبها.

ويمنح إعلان غلاسكو للعمل المناخي في السياحة هذا النقاش اتجاهًا يتجاوز تحسين تشغيل منشأة واحدة، فقد أُطلق خلال مؤتمر المناخ عام ٢٠٢١ لدفع القطاع إلى التزامات أكثر طموحًا ومساندة مسار خفض الانبعاثات. وعلى ضوء هذا الاتجاه، يحتاج الادعاء بأن خدمة سياحية أصبحت «أكثر خضرة» إلى تفسير لما تغير بالفعل، وهل يتعلق بموارد أقل لكل زيارة أم بانخفاض الأثر الإجمالي، لأن نمو عدد الرحلات قد يرافق تحسن الكفاءة، فتبدو الوحدة الواحدة أفضل بينما يستمر الضغط الكلي في الارتفاع. وهذه قراءة تحليلية تستدعي نشر مؤشرات يمكن مقارنتها عبر الزمن، وتحديد حدود الحساب، وإظهار ما يدخل فيه وما يبقى خارجه، بحيث يصبح التحول الرقمي وسيلة لخدمة هدف بيئي معلن، وتستطيع المؤسسة والسائح والجهة المنظمة معرفة المسافة المتبقية بين الوعد والنتيجة.

وتفرض البنية التي تشغّل الذكاء الاصطناعي سؤالًا إضافيًا على هذا الحساب، إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية أن مراكز البيانات استهلكت نحو ٤١٥ تيراواط ساعة من الكهرباء عام ٢٠٢٤، بما يقارب ١٫٥ في المئة من الاستهلاك العالمي، ويتوقع تقريرها الصادر عام ٢٠٢٥ أن يزيد الطلب إلى نحو ٩٤٥ تيراواط ساعة بحلول ٢٠٣٠ في السيناريو الأساسي، مع دور مهم للذكاء الاصطناعي في هذا النمو. وهذه الأرقام تخص مراكز البيانات إجمالًا، وليست استهلاك التطبيقات السياحية وحدها، لكنها تذكر بأن الخدمة الرقمية تعمل فوق بنية مادية لها احتياجاتها؛ وفي المقابل يناقش التقرير إمكانات الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة المباني والنقل والطاقة، ما يجعل الحكم البيئي مرتبطًا بالموازنة بين منفعة التطبيق وتكلفته، وباختيار الأداة المناسبة للمهمة، وبالقدرة على قياس الوفورات خارج الواجهة التي يراها المستخدم.

ويظهر من ذلك معيار عملي يمكن اقتراحه قبل شراء أي نظام جديد: ما المشكلة التي يحتاج إلى حلها، وما أبسط وسيلة موثوقة لمعالجتها، وما البيانات المتاحة للحكم على نجاحه؟ فقد يحتاج مرفق سياحي إلى تحديث جدول مواعيده وتنظيم سجلاته أولًا، بينما يحتاج آخر إلى نموذج توقع بسبب تعقيد الطلب عليه، ويحتاج ثالث إلى تحسين التواصل بين وحداته قبل إضافة خدمة جديدة للجمهور. وتساعد هذه الأسئلة في توجيه الاستثمار نحو الحاجة الفعلية، وتجنب بناء منظومة يصعب تشغيلها وصيانتها بعد انتهاء مرحلة الإطلاق؛ كما تتيح تخصيص الموارد البشرية والمالية بصورة أكثر اتزانًا، بحيث يظل المشروع قادرًا على العمل عندما يتغير مزود الخدمة أو يغادر الموظف الذي يعرف تفاصيله، ويستمر التحسن بوصفه قدرة مؤسسية يمكن الحفاظ عليها ومراجعتها وتطويرها.

وهذا الانتقال من الأداة إلى القدرة المؤسسية حاضر في مسار التحول السياحي الذي نشرته المفوضية الأوروبية عام ٢٠٢٢، وحدد سبعة وعشرين مجالًا للعمل نحو التحول الأخضر والرقمي وزيادة قدرة القطاع على الصمود، مع اهتمام بتبادل البيانات وتحسين إتاحة الخدمات والممارسات الأكثر مراعاة للبيئة. وتكمن دلالة هذا المسار في اتساع الأطراف التي يشملها، لأن تجربة الزائر تجمع خدمات تقدمها مؤسسات متعددة، وتتأثر بقرارات في النقل والإدارة المحلية والاتصالات والضيافة، فلا تستطيع جهة واحدة ضمان انسجامها بمجرد تطوير تطبيق. ومن ثم يحتاج بناء السياحة الذكية إلى اتفاقات عمل تحدد مَن ينتج المعلومة ومَن يحدثها ومَن يستخدمها، وإلى استمرارية في التعاون تسمح بإصلاح الخلل بين المؤسسات، حتى تصبح سهولة الرحلة التي يراها السائح نتيجة تنظيم واضح خلفها.

وبالمثل، يضع مؤشر تنمية السفر والسياحة الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي عام ٢٠٢٤ تطور القطاع داخل إطار أوسع لبناء اقتصادات ومجتمعات أكثر استدامة وشمولًا وقدرة على الصمود، بما يساعد على النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها جزءًا من شروط نجاح الوجهة. وتسمح هذه الزاوية بطرح سؤال يغيب أحيانًا عن المنافسة على إطلاق المنصات: ماذا سيجد المسافر بعدما يصل؟ فإذا كانت التوصية الرقمية بداية العلاقة مع المكان، فإن جودة الخدمات وطريقة التعامل ووضوح المعلومات واستقرار التجربة هي ما يختبر تلك العلاقة، وقد يكشف نجاح الترويج عن اختناقات كانت أقل ظهورًا قبل زيادة الاهتمام. ولذلك يحتاج الاستثمار في الحضور الرقمي إلى صلة مستمرة بالقدرة على تقديم الخدمة، وإلى قراءة للمشكلات التي يبلغ عنها الزوار والسكان، حتى تنمو سمعة الوجهة مع قدرتها الفعلية على الوفاء بها.

العراق.. قبل التطبيق تأتي المعلومة والقدرة على الخدمة

يدخل العراق هذا النقاش من موقع يحتاج إلى وصل الأصول السياحية بمقومات إدارتها، إذ تتضمن خطة التنمية الوطنية للأعوام ٢٠٢٤–٢٠٢٨ اهتمامًا بالثقافة والسياحة والآثار، وبحماية التراث وإعادة تأهيل المعالم، إلى جانب التنسيق بين الجهات التنفيذية والمؤسسات الأكاديمية والبحثية لتطوير القطاع. وتوفر هذه الأولويات إطارًا يمكن أن تُناقش داخله الأدوات الرقمية، عبر سؤال محدد عن المشكلة التي ستساعد في حلها، سواء تعلقت بتوثيق المعلومات أو تحسين الوصول أو تنظيم الخدمات أو دعم أصحاب الأعمال. والأهم أن وجود الخطة يتيح تقييم أي مبادرة مقترحة وفق صلتها بأهداف تنموية معلنة، وبقدرتها على بناء عمل مستمر بين المؤسسات، وربط التحول بصيانة الموقع وتأهيل العاملين وتحسين التجربة التي يمر بها الزائر فعليًا، حتى تستند الصورة التي نقدمها عن الوجهة إلى قدرة واقعية على استقبال من يأتي إليها.

ويمكن أن يبدأ مسار عراقي قابل للاختبار من سجل سياحي موثوق لعدد محدود من الوجهات، يتضمن الاسم المعتمد وموقع الدخول ومواعيد الزيارة والخدمات المتاحة ووسائل التواصل وتاريخ آخر تحقق، مع إسناد مسؤولية التحديث إلى جهة معروفة، ثم إتاحة هذه المعلومات بصيغ تستطيع المواقع والتطبيقات الاستفادة منها. وهذا مقترح ينطلق من الحاجة إلى أساس معرفي يمكن الاعتماد عليه، دون افتراض وجوده حاليًا بالصورة المطلوبة؛ فإجابة فصيحة عن رحلة إلى العراق تحتاج وراءها معلومات مستقرة وقابلة للتصحيح، كما تحتاج إلى بيان ما يتغير وما يستدعي اتصالًا مباشرًا. ويمكن قياس نجاح المرحلة الأولى بعدد البيانات التي بقيت صحيحة عند التحقق الميداني، وسرعة تصحيح الأخطاء، ومدى استفادة الزوار ومقدمي الخدمات منها، قبل التوسع نحو وظائف أكثر تعقيدًا وكلفة.

ويضيف المناخ العراقي سببًا عمليًا لجعل التخطيط السياحي أكثر استجابة لظروف المكان؛ فقد حذر البنك الدولي، عند عرض تقرير المناخ والتنمية الخاص بالعراق في تشرين الثاني ٢٠٢٢، من أثر ارتفاع درجات الحرارة وشح المياه في مسار التنمية، وربط مواجهة هذه الضغوط بالتنويع الاقتصادي وتحسين إدارة الموارد. وتكتسب هذه الخلفية أهمية سياحية عند التفكير في المواقع المكشوفة والمنشآت التي تحتاج إلى التبريد والمياه، لأن جاذبية الوجهة تتصل أيضًا بالوقت المناسب لزيارتها وبقدرة مرافقها على تلبية الاحتياجات الأساسية. ولا يقدم التقرير قياسًا خاصًا بخسائر السياحة العراقية، لكنه يضع القطاع، عند تحليله، داخل بيئة اقتصادية ومناخية تفرض إدخال الموارد والطقس في حسابات التطوير، وتمنع التعامل مع زيادة أعداد الزوار بوصفها هدفًا منفصلًا عن القدرة على خدمتهم.

وعلى هذا الأساس، يمكن اقتراح برنامج رحلة عراقي يراعي، بعد ربطه ببيانات موثوقة، توقعات الطقس ومواعيد فتح المواقع ومسافات المشي وتوافر الظل والاستراحات ووسائل النقل، ويتيح للمسافر تعديل يومه وفق قدرته وتفضيلاته، مع الرجوع إلى التعليمات الرسمية عندما تؤثر الظروف الجوية في الزيارة. وتنبع قيمة الفكرة من أنها تمنح معلومة صغيرة أثرًا مباشرًا في جودة التجربة؛ فمعرفة المسافة على الخريطة تحتاج إلى معرفة ما ينتظر الإنسان أثناء قطعها، كما أن ترتيب مواقع كثيرة في يوم واحد قد يصنع برنامجًا جذابًا على الشاشة ويصعب تنفيذه ميدانيًا. ويظل هذا تصورًا لتطوير الخدمة، يحتاج إلى اختبار مع زوار وأدلاء وإدارات مواقع، وإلى تحديث مستمر، حتى تصف الخطة يومًا يمكن عيشه فعلًا.

وتقدم تجربة إقليم كردستان مادة مؤسسية يمكن الاستفادة منها في فهم متطلبات هذا المسار، فقد أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تموز ٢٠٢٣ إطلاق خارطة لإصلاح السياحة، بالتعاون مع الجهات المعنية وبدعم الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، تناولت تطوير المواقع والمنتجات والتسويق وتشجيع الاستثمار وتحسين الأطر المنظمة للقطاع. وتظهر هذه المحاور أن تطوير السياحة يحتاج إلى معالجة علاقات متداخلة بين الخدمة والقواعد والجودة والتمويل، وهي علاقات سيعمل أي نظام ذكي داخلها ويتأثر بوضوحها. ويتيح الرجوع إلى الخارطة طرح أسئلة متابعة عن التقدم في التنفيذ، وعن نوع البيانات التي أصبحت متاحة، وعن قدرة المشروعات الصغيرة على الانتفاع بالتطوير؛ أما إعلان تطبيقات للذكاء الاصطناعي استنادًا إلى وجود الخارطة وحده، فسيتجاوز ما توثقه المادة، التي تتناول الإصلاح السياحي ومتطلباته.

وعلى مستوى أقرب إلى أصحاب الأعمال، وثق البرنامج الإنمائي في كانون الثاني ٢٠٢٥ إكمال برنامج لتطوير المشروعات السياحية في إقليم كردستان، شمل تدريب مئة وسبعين مشاركة ومشاركًا من النساء والشباب في تسعة مواقع، مع اهتمام بإنتاج حرف سياحية تعكس الثقافة والتراث المحليين وتدعم سبل العيش. وتمنح هذه التجربة سؤال الشمول أشخاصًا ومنتجات يمكن متابعة مسارها بعد التدريب: هل وجدت طريقها إلى السوق، وما الصعوبات التي واجهتها، وهل استطاع أصحابها الاستمرار؟ كما تتيح التفكير في دور لاحق للأدوات الرقمية في وصف المنتجات وترجمتها وتنظيم الطلب عليها، مع الفصل بين ما نفذه البرنامج فعلًا وما يمكن اقتراحه لتطوير أثره، لأن بناء مهارة إنتاجية خطوة مهمة، بينما وصول المنتج إلى السائح واستمرار الطلب عليه يحتاجان إلى حلقة أخرى من العمل والمتابعة.

ومن الممكن اقتراح تجربة متابعة مع مجموعة صغيرة من هؤلاء المنتجين، تبدأ بتحديد ما يستطيع كل مشروع توفيره ومواعيد التسليم وقدرته على استقبال الطلبات، ثم إعداد وصف دقيق بلغات مناسبة واختبار وسائل الوصول إلى الزوار، على أن تبقى ملكية الصور والمعلومات والحسابات واضحة لأصحابها. وتكتسب هذه التفاصيل قيمة لأن نجاح العرض قد يخلق طلبًا يفوق قدرة المشروع، أو يرفع توقعات الزبون فوق ما يستطيع المنتج تلبيته، فتحتاج التوصية إلى معرفة حدود الخدمة بقدر معرفتها بمزاياها. ويمكن أن يُقاس الأثر بالدخل الصافي واستمرار الطلب ورضا الطرفين، مع توثيق العمولة وكلفة الإدارة والوقت المطلوب، حتى نعرف إن كانت التقنية قد وسعت الفرصة الاقتصادية فعلًا، وإن كان صاحب الحرفة قد احتفظ بقدرته على تحديد السعر وشروط العمل وطريقة تقديم منتجه.

من بابل والأهوار إلى الموصل ومدن الزيارة

تقدم بابل اختبارًا عراقيًا بالغ الدلالة للعلاقة بين تقديم الموقع وحمايته؛ ففي قرار لجنة التراث العالمي بشأنها عام ٢٠٢٥، سجلت اللجنة تقدمًا في أعمال الصون والإدارة والعرض، وكررت طلب استكمال خطة شاملة للحفاظ على الموقع، ومعالجة عوامل الخطر، وتحديد التدخلات ذات الأولوية والصيانة الدورية، كما طلبت تقديم معلومات وتقييمات للأثر التراثي بشأن مشروعات قد تؤثر في قيمته العالمية الاستثنائية. وتكشف هذه الوثيقة أن تطوير التجربة السياحية يجري داخل مسؤولية تتعلق بأصل أثري لا يمكن تعويضه، وأن تحسين العرض يحتاج إلى انسجام مع مقتضيات الحماية. ومن هنا تكتسب أي أداة رقمية مقترحة قيمتها حين تساعد الزائر على فهم حدود الزيارة وتاريخ المكان، وتساند الإدارة في تقديم معلومات دقيقة، مع بقاء قرارات الصون والتدخل من اختصاص الجهات المعنية والخبراء.

ويلفت القرار نفسه إلى ضرورة توضيح استبعاد إضافات القرن العشرين من الموقع المدرج، وهي نقطة تفتح سؤالًا عن الصورة التي تنتجها الأدوات الذكية عندما تصف بابل أو تعيد بناء مشاهدها بصريًا: هل تميز بين الأثر الأصلي والإضافة الحديثة والتصور الافتراضي؟ ويمكن اقتراح دليل رقمي يضع هذه الفروق أمام الزائر بوضوح، ويبين مصدر الرواية وتاريخ الصورة وطبيعة أي إعادة بناء، مع مراجعة أثرية قبل نشر المحتوى. وتنبع أهمية الفكرة من أن الصورة المقنعة قد تترك في الذاكرة يقينًا أقوى من النص الذي يشرح حدودها، ولذلك يحتاج استخدام الذكاء الاصطناعي في عرض التراث إلى علامات تفسيرية تحفظ الفارق بين ما نعرفه وما نستنتجه وما نتخيله، وتجعل متعة المشاهدة متوافقة مع أمانة المعرفة.

وفي جنوب العراق، يقدم مشروع «سومريين» خلفية تجمع التنمية الاقتصادية بالتراث والسياحة البيئية، إذ توضح ورقته التعريفية المنشورة عام ٢٠٢٠ أنه استهدف دعم النمو الاجتماعي والاقتصادي في ذي قار، مع اهتمام بالبنية السياحية في أور والأهوار وبناء القدرات وفرص العمل، خصوصًا للشباب والنساء. وتساعد هذه التجربة على صياغة السؤال الرقمي انطلاقًا من مكان محدد وأطراف محددين: ما المعلومات التي يحتاجها الزائر لتنظيم تجربة مناسبة، ومَن يقدمها ويحدثها، وكيف تصل الحجوزات إلى العاملين المحليين، وما الذي يلزم لضمان أن زيادة الاهتمام تسند أعمالهم؟ فالمادة المتاحة توثق أهداف مشروع تنموي، وتفتح بابًا لمتابعة أثره ودراسة ما يمكن إضافته إليه، دون أن تسمح بتحويله إلى دليل على تشغيل منظومة ذكاء اصطناعي في تلك المواقع، أو على تحقق جميع النتائج التي استهدفها.

وتفرض الأهوار طبيعة خاصة على أي محاولة لتوسيع حضورها السياحي، فملف اليونسكو يصف موقعًا يجمع أربعة مكونات من الأراضي الرطبة وثلاثة مواقع أثرية، هي أور وأوروك وإريدو، بما يصل بين التنوع الحيوي وآثار المدن الرافدينية ضمن بيئة شديدة الحرارة والجفاف. وتمنح هذه الخصوصية الترويج مسؤولية مضاعفة، لأن الصورة التي تجذب الزائر تعتمد على استمرار الحياة الطبيعية والثقافية التي جاء لرؤيتها، وعلى قدرة النشاط السياحي على التعايش معها.

ومن ثم يبرز سؤال إدارة الزيارة قبل زيادة أعدادها: ما المسارات المناسبة، وما الخدمات المطلوبة، وكيف تُراعى احتياجات السكان وحماية المكان؟ وتظل الإجابة بحاجة إلى معرفة ميدانية ومشاركة الجهات المختصة والمجتمع المحلي، حتى تعكس التوصيات الرقمية شروط الموقع وتغيراته، وتساعد على تقديم تجربة يمكن للمكان الاستمرار في استقبالها.

وبوصفه مشروعًا تجريبيًا مقترحًا، يمكن اختيار مسار محدود في الأهوار يجري الاتفاق عليه مع أهل المنطقة والجهات المختصة، وتوثيق شروط الزيارة والخدمات والطاقة المتاحة لاستقبال الزوار، ثم دراسة إمكان استخدام البيانات في توزيع المواعيد وإبلاغ المسافر بالتغيرات التي تؤثر في رحلته. وتحتاج التجربة إلى تسجيل أثرها على دخل مقدمي الخدمات وعلى ضغط الزيارات وإدارة المخلفات ورضا السكان، مع حق واضح في تعديل المسار أو تقليل استقبال الزوار عندما تستدعي ظروف المكان ذلك. ومثل هذا التصميم يمنح النظام هدفًا يمكن اختباره، ويجعل نجاحه مرتبطًا بقدرة المجتمع على إدارة الزيارة، كما يحافظ على مسافة ضرورية بين ما تقترحه الأداة وما يقرره أصحاب المعرفة الميدانية، لأن تغيرًا صغيرًا على الأرض قد يجعل برنامجًا كاملًا بحاجة إلى المراجعة.

أما الموصل، فتمنح التقرير مدخلًا إلى العلاقة بين إحياء التراث واستعادة قدرة المدينة على تقديم نفسها، إذ توثق اليونسكو ضمن مبادرة «إحياء روح الموصل» إعادة بناء معالم دينية وبيوت تراثية، وربط العمل بفرص تدريب وتشغيل محلية، في إطار يجمع التراث والتعليم والحياة الثقافية. وتظهر هنا قيمة المعرفة التي يحملها العاملون في الترميم وسكان الأحياء والأدلاء، بوصفها مادة يمكن أن تثري تجربة الزائر وتساعده على فهم المكان خارج الصورة المختصرة. وتتيح الأدوات الرقمية، كاحتمال للتطوير، تنظيم هذه المعرفة وتقديمها بلغات متعددة وربطها بمصادرها، لكن فائدتها تتوقف على دقة ما يُنسب إلى المدينة وأهلها، وعلى مشاركة أصحاب الرواية في مراجعتها، حتى تظل الزيارة اتصالًا بتاريخ عاشه الناس وأسهموا في استعادته، مع حضور واضح لمن صنعوا هذا التعافي.

ويمكن أن يتخذ ذلك شكل دليل رقمي مقترح يميز بين المعلومة التاريخية الموثقة والشهادة الشخصية والتفسير المختلف عليه، ويتيح للزائر التعرف إلى صاحب الشهادة وتاريخ تسجيلها وحدود استخدامها، مع مراجعة الترجمات من أشخاص يفهمون السياق المحلي. وتمنح هذه الطريقة الدليل البشري دورًا في الإضافة والتفسير، كما تسمح بتحديث المسارات وفق ما يمكن زيارته فعليًا، وإظهار أثر أعمال الترميم مع مراعاة خصوصية السكان. ويحتاج نجاح التجربة إلى اتفاق على حقوق المحتوى وعلى طريقة تقديم البيوت والأزقة والمرافق التي يستمر الناس في استخدامها، حتى يحافظ التطوير السياحي على العلاقة بين المدينة بوصفها مكانًا للزيارة والمدينة بوصفها مكانًا للحياة اليومية والعمل والذاكرة، وتبقى رواية أهلها جزءًا من سلطتهم على تقديم أنفسهم، لا مادة يمكن استخدامها دون علمهم أو مراجعتهم.

وتتيح كربلاء والنجف، بوصفهما مدخلًا مقترحًا لدراسة السياحة الدينية، طرح أسئلة مختلفة عن الرحلة التي تتغير فيها كثافة الطلب وتتشابك خلالها حركة الزائر مع خدمات المدينة؛ ويمكن أن يبدأ أي اختبار تقني بتوقع احتياجات منشآت محددة، أو تحسين إرشادات الوصول، أو تنظيم المعلومات متعددة اللغات، مع استخدام بيانات مناسبة ومراجعة بشرية ومقارنة النتائج بما حدث فعليًا. وهذه إمكانات يستند تصورها إلى الاستخدامات العامة التي يناقشها تقرير اعتماد الذكاء الاصطناعي في السياحة، ولا تمثل إثباتًا لتطبيقها في المدينتين؛ كما أن أي نموذج لتوقع الحركة يحتاج إلى التحقق من دقته وحدود استخدامه، وإلى جهة تملك صلاحية تحويل المعلومة إلى إجراء. فالتنبؤ الذي يبقى على شاشة داخل مكتب يختلف في أثره عن معلومة تصل في الوقت المناسب إلى من يستطيع تحسين خدمة الزائر والسكان.

وعبر هذه الحالات العراقية، يمكن بناء سؤال بحثي جامع عن «رحلة المعلومة» قبل رحلة السائح: مَن يجمعها، ومَن يراجعها، وكم تبقى صالحة، ومَن يستطيع تصحيحها، وما الطريق الذي تسلكه حتى تظهر في إجابة أداة عالمية؟ ويقترح هذا التقرير أن تبدأ الإجابة بتعاون محدود وواضح المسؤوليات بين جهة سياحية ومؤسسة أكاديمية ومقدمي خدمات محليين، يجري خلاله توثيق عينة من المواقع وفحص طريقة ظهورها في أدوات التخطيط، ثم نشر الفروق بين الإجابات والواقع دون تعميم نتائج العينة على البلاد كلها. وتكمن قيمة هذا العمل في أنه ينتج معرفة قابلة للمراجعة، ويكشف الأخطاء التي يمكن إصلاحها محليًا، ويميزها عن المشكلات التي تحتاج إلى التواصل مع المنصات، ويجعل تحسين صورة العراق الرقمية مرتبطًا بتحسين دقة ما يستطيع المسافر معرفته عنه.

ويحتاج تقييم تلك التجارب إلى ميزان يتسع لما بعد عدد المستخدمين والتنزيلات، فيسأل عن الوقت الذي وفرته الخدمة، ودقة المعلومات التي قدمتها، وحصة المشروعات المحلية من الحجوزات، وقدرة أشخاص ذوي احتياجات مختلفة على إكمال رحلاتهم، والموارد التي أمكن الحفاظ عليها، والشكاوى التي وجدت طريقًا للحل. وهذه مؤشرات مقترحة يمكن اختيار المناسب منها لكل مشروع، مع إعلان نقطة البداية وطريقة القياس والفترة الزمنية وحدود البيانات، حتى يصبح التوسع مبنيًا على أثر قابل للفحص. كما ينبغي أن يمتلك المجتمع المضيف صوتًا في التقييم، لأن زيادة الحركة قد تكون نجاحًا لدى منصة، بينما يشعر السكان بنتائجها بصورة مختلفة، ولأن الوجهة التي تريد الحفاظ على جاذبيتها تحتاج إلى فهم تجربة من يستقبلون الزائر بقدر اهتمامها بانطباع من يغادرها.

وقد يكون الاختبار الأخير للسياحة الذكية هو ما يحدث بعد أن يغلق السائح هاتفه، ويقف أمام المكان الذي اختارته له الشاشة: هل يجد المعلومة صحيحة، والخدمة متاحة، والسعر مفهومًا، وأهل الوجهة حاضرين في التجربة وعائداتها، وهل يترك وراءه أثرًا يستطيع المكان تحمله؟ بالنسبة إلى العراق، تمنح هذه الأسئلة التحول الرقمي معنى يمكن العمل عليه، يبدأ من معرفة موثوقة ويصل إلى فرصة اقتصادية وتجربة إنسانية وموارد مصانة، مع قدرة مستمرة على التصحيح. وعندئذ تصبح قيمة الذكاء الاصطناعي ظاهرة في الفارق الذي يصنعه بين وعد الرحلة وحقيقتها؛ فقد تعثر الخوارزمية على طريق إلى موقع يستحق الزيارة، لكن نجاح السياحة يتحدد بما إذا كان ذلك الطريق قد وسّع فرصة الناس الذين يعيشون هناك، وحافظ على ما يجعل العودة إليه جديرة بالانتظار.

اضف تعليق