تخاطب الرسالة الإنسان الذي تراكمت في داخله الخيبات والجراح حتى فقد شيئًا من ثقته وطمأنينته ونظرته إلى نفسه والآخرين. وتعتذر نيابة عن الذين خذلوه أو استغلوا طيبته أو تركوه وحيدًا في ألمه، داعية إياه إلى عدم تحميل نفسه ذنب ما فعله الآخرون، وإلى مصالحة ذاته، واستعادة السلام الداخلي والرحمة...
قبل أن تبدأ القراءة، دعني أسألك سؤالًا واحدًا فقط: كم مرة متَّ من الداخل بينما كان الجميع يراك حيًّا؟ كم مرة دفنت وجعك في أعماقك، وخرجت للناس بوجه هادئ لأنك لم تجد من يحتمل سماع انهيارك؟ كم مرة عدت إلى سريرك ليلًا، تتظاهر بالقوة أمام العالم كله، ثم جلست وحيدًا تجمع بقايا قلبك المكسور وكأنك تنقذ ناجيًا أخيرًا من حريق هائل؟
هناك أشخاص لا تقتلهم الحروب ولا الأمراض ولا الكوارث... بل تقتلهم الخيبات الصغيرة التي تتراكم فوق أرواحهم عامًا بعد عام، حتى يتحولوا إلى أشباح تبتسم في النهار، وتبكي بصمت حين ينام الجميع.
وهذه الرسالة ليست لهم فقط، بل لك أنت. أنت الذي تألم أكثر مما تحدث، وصبرت أكثر مما يجب، وخسرت أشياء كثيرة ولم يعرف أحد حجم الكارثة التي وقعت في قلبك يوم رحلت.
في مكان ما داخل روحك، هناك إنسان مات منذ سنوات، ليس جسدك، بل ذلك الإنسان الذي كان يثق بسهولة، ويحب ببراءة، وينتظر الخير من الناس. مات يوم خذله أقرب الناس، ومات يوم عاد منكسرًا ولم يجد كتفًا يسند رأسه عليه، ومات يوم بكى بصمت ولم يسمع أحد استغاثته.
ومنذ ذلك اليوم، وأنت تعيش بنصف قلب، ونصف حلم، ونصف ابتسامة. لذلك، إن شعرت وأنت تقرأ هذه الكلمات أنها كُتبت عنك، فربما لأنها بالفعل كُتبت من أجلك. هذه رسالة اعتذار إلى كل روح هزمها الألم ولم تجد من يقول لها يومًا: لم يكن ذنبك أبدًا.
الحياة أثقلت قلبك أكثر مما ينبغي
أنا لا أعرف اسمك، ولا أعرف شكل وجهك، ولا أين تجلس الآن، ولا أعرف كم عمرًا أخذ منك الحزن قبل أوانه، ولا كم ليلة أغلقت فيها الضوء وأنت تتظاهر بأنك بخير، ولا ما الذي مررت به حتى وصلت إلى هذه اللحظة ووقفت أمام هذه الكلمات.
لكن رغم ذلك، أشعر أنني مدين لك باعتذار طويل جدًا، اعتذار لا يكفيه سطر ولا صفحة، اعتذار بحجم كل الدموع التي خبأتها عن الناس، بحجم كل الليالي التي نمت فيها متعبًا من الحياة نفسها، بحجم ذلك الخراب الصامت الذي يسكن في قلبك منذ سنوات ولا يعرف أحد عنه شيئًا.
نيابة عن الذين كسروا بداخلك شيئًا جميلًا ثم أكملوا حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث. أعتذر عن أول شخص علّمك أن الحب يمكن أن يتحول فجأة إلى غياب. وأن الكلمات التي كانت تطمئنك بالأمس تستطيع أن تتركك وحيدًا اليوم. أعتذر عن تلك المرة التي وثقت فيها بأحدهم بكل ما لديك من صدق، ثم اكتشفت أنه كان يحمل سكين الخذلان خلف ظهره طوال الوقت.
حقًا أعتذر لك، أعتذر منك نيابة عن كل الذين رأوا طيبة قلبك فرصة، ورأوا صدقك ضعفًا، ورأوا حبك شيئًا يمكنهم أخذه ثم الرحيل.
أعتذر نيابة عن ذلك الشخص الذي وعدك أن يبقى، ثم جعلك تتعلم كيف يبدو الغياب عندما يأتي من أكثر الناس قربًا.
أعتذر عن الرسائل التي كنت تنتظرها ولم تصل، وعن الأبواب التي وقفت أمامها بقلب مليء بالأمل، ثم فُتحت لتخرج منها خيبة جديدة.
أعتذر نيابة عن كل يد أمسكت يدك فقط حتى تعبر بها إلى مصلحتها، ثم تركتك في منتصف الطريق وحيدًا.
أعتذر عن تلك اللحظة التي اكتشفت فيها أن بعض الناس كانوا يحبون ما تقدمه لهم، لا ما أنت عليه.
وعن ذلك الانهيار الصامت الذي حدث بداخلك ولم يره أحد.
حين عدت إلى غرفتك، وجلست على طرف السرير، تحدق في الفراغ، وتحاول أن تفهم ماذا فعلت لكل هذا الأذى.
حين راجعت كلماتك مرة بعد مرة، ومواقفك مرة بعد مرة، تبحث عن خطأ واحد يبرر لك لماذا تم التخلي عنك بهذه القسوة، ولم تجد شيئًا سوى أنك كنت مخلصًا أكثر مما يجب.
أعتذر لأنك اضطررت أن تتعلم كيف تخفي دموعك، وكيف تبتسم بينما قلبك ينزف، وكيف تجيب: «أنا بخير»، بينما داخلك كان يصرخ طالبًا النجدة.
أعتذر لأن أحدهم أخذ الجزء الأكثر نقاءً منك ورماه بلا رحمة، ذلك الجزء الذي كان يثق بسهولة، ويحب من كل قلبه، ويصدق الكلمات الجميلة، ويمنح الأمان للآخرين قبل أن يشعر به هو.
أعتذر لأنهم كسروا فيك شيئًا جميلًا لم يكن يستحق الكسر، ولأنهم جعلوك تشك بنفسك، بعد أن كنت واثقًا من روحك، وجعلوك تخاف من التعلق، بعد أن كنت تؤمن أن الحب وطن، وجعلوك تحسب خطواتك نحو الناس، بعدما كنت تركض إليهم بقلب مفتوح.
أما الذين كسروا بداخلك شيئًا جميلًا، فليحملوا هم ثقل ذلك الكسر إلى آخر العمر. لأن بعض الجروح لا تبقى في قلب الضحية فقط، بل تلاحق الذين صنعوها أيضًا، مهما تظاهروا بالنسيان.
حين تصبح أنت الغائب عن نفسك
أعتذر عن تلك الليلة تحديدًا. نعم، تلك الليلة التي تتذكرها جيدًا. الليلة التي جلست فيها وحدك بعد أن نام الجميع. وحين لم يعد هناك أحد يراك، انكسر الشيء الذي كنت تحاول إنقاذه داخلك.
تلك الليلة التي نظرت فيها إلى هاتفك للمرة الألف، وأعدت قراءة الكلمات نفسها، وأعدت استرجاع المواقف نفسها. تسأل نفسك: أين أخطأت؟ ماذا فعلت؟ لماذا أنا؟ لكنك لم تجد جوابًا، لأن المشكلة لم تكن فيك أبدًا. كانت في الذين لم يعرفوا قيمة القلب الذي بين أيديهم.
أعتذر لأنك اضطررت يومًا أن تبكي بصمت حتى لا يسمعك أحد، لأن بعض الأحزان لا نخبر بها أحدًا. بعض الأحزان كبيرة جدًا لدرجة أننا نخجل من وصفها، فنقول فقط: «أنا بخير»، بينما في الداخل مدن كاملة تنهار.
أعتذر لأنك كنت الشخص الذي يبقى، دائمًا يبقى، يبقى عندما يتعب الجميع، ويبقى عندما يرحل الجميع، ويبقى عندما تنتهي الحاجة إليه، ثم يكتشف في النهاية أنه بقي وحده.
أعتذر عن كل مرة ركضت فيها نحو شخص لتحميه من الحزن، بينما لم يكن هناك أحد يركض نحوك حين كنت تسقط.
أعتذر عن كل مرة مسحت فيها دموع الآخرين، بينما كنت تنام ودموعك على الوسادة. وعن كل مرة كنت فيها الملاذ للجميع، دون أن يكون لك ملاذ.
أعتذر لأن الحياة وضعتك أمام بشر أخذوا أجمل ما فيك، أخذوا عفويتك، وثقتك، وطمأنينتك، وحسن ظنك، ثم تركوك تتعامل وحدك مع بقايا الحطام.
أتعلم ما هو أكثر الأشياء وجعًا؟ ليس الرحيل، وليس الفراق، وليس حتى الخذلان.
إنما أن تستيقظ ذات صباح وتدرك أنك لم تعد الشخص نفسه، أن تنظر إلى نفسك وتفتقد نفسك، أن تشتاق لذلك الإنسان الذي كنت عليه قبل أن تكسره الأيام، أن تفتقد ضحكتك القديمة، وقلبك القديم، وثقتك القديمة، ونومك الهادئ القديم، أن تشتاق إلى نسخة منك ماتت بصمت ولم ينتبه أحد لوفاتها.
أعتذر لأن أحدًا لم يعتذر لك عندما كان يجب عليه ذلك. لأن بعض الناس يتركون جروحًا عميقة ثم يرحلون دون حتى أن يلتفتوا خلفهم. يواصلون حياتهم، يضحكون، ينجحون، ينامون بسلام.
بينما أنت تحمل آثارهم في قلبك سنوات طويلة، كأنك المقبرة الوحيدة لذكريات لم يعد أصحابها يتذكرونها.
وأعتذر أكثر عن تلك اللحظات التي شعرت فيها أنك غير مهم، أن وجودك لا يصنع فرقًا، أن غيابك لن يلاحظه أحد، أنك مجرد شخص زائد في حياة الجميع.
يا صديقي: لا يوجد ألم أشد من أن يشعر الإنسان أنه قابل للاستبدال، أن كل ما قدمه، وكل ما ضحى به، وكل ما أحبه، يمكن أن يُنسى بهذه البساطة، كأنه لم يكن هنا أبدًا.
وأعتذر عن الأعياد التي مرّت وأنت حزين، وعن المناسبات التي اضطررت أن تبتسم فيها مجاملة، بينما كان قلبك يختنق، وعن الصور التي التقطتها مبتسمًا لكي لا يعرف أحد أن روحك كانت تبكي خلفها.
وعن الرسائل التي كتبتها ثم مسحتها، وعن المكالمات التي كنت تتمنى أن تأتي ولم تأتِ، وعن الأشخاص الذين انتظرت منهم سؤالًا واحدًا فقط: «كيف حالك؟»، لكن السؤال لم يصل، ولم يصل معه أحد.
وأعتذر عن كل قبر دفنته داخلك دون جنازة. نعم، لأننا لا ندفن الناس فقط، نحن ندفن الأحلام أيضًا، وندفن الثقة، وندفن الأمان، وندفن النسخ القديمة من أنفسنا.
كم شخصًا دفنت داخل قلبك ولم يعلم أحد؟ كم حلمًا دفنت؟ كم مرة وقفت فوق أنقاض نفسك وأجبرت روحك على النهوض مرة أخرى؟ وكم مرة قلت: «سأكون بخير»، فقط لأنك لم تملك خيارًا آخر؟
لم يكن ذنبك أبدًا
أيها الغريب: لو كان بإمكاني أن أجلس بجوارك الآن، لما سألتك عن أسباب حزنك. ربما سأقول لك فقط: تعبت كثيرًا... أليس كذلك؟ تعبت من أن تكون قويًا، تعبت من أن تفهم الجميع بينما لا يفهمك أحد، تعبت من أن تمنح الحب بينما لا تجد من يضمّد جراحك، تعبت من أن تحمل العالم على كتفيك بينما بالكاد تستطيع حمل قلبك.
وأعرف أن هناك أماكن في روحك لم تعد تنفع معها الكلمات، أماكن موجوعة إلى درجة أن الألم صار جزءًا من هويتها. أماكن لا تريد حلًا، بل تريد فقط من يفهم حجم الوجع.
لذلك دعني أقول لك شيئًا أخيرًا: إن كان في هذا العالم شخص يستحق الاعتذار حقًا فهو أنت.
أنت الذي قاتلت معاركك وحدك، وأنت الذي بكى في الظلام حتى لا يراه أحد، وأنت الذي حمل ذكرياته كأنها جمر مشتعل داخل صدره، وأنت الذي فقد أشياء كثيرة ولم يتحدث عنها، وأنت الذي في بعض الليالي كان يتمنى فقط أن ينام دون أن يطارده الماضي.
من أعماق القلب، أعتذر لك نيابة عن كل الذين هدموا شيئًا جميلًا في داخلك، أعتذر عن الطفل الذي كان يسكن روحك ولم ينجُ من قسوة الناس، أعتذر عن القلب الذي أحب بصدق فدفع الثمن ألمًا. أعتذر عن السنوات التي أخذت منك أكثر مما أعطتك، وأعتذر عن كل مرة وقفت فيها أمام المرآة تحاول أن تبدو بخير.
لكن اسمعني يا صديقي... كل الذين آذوك لم يكونوا دليلًا على أن فيك عيبًا، بل كانوا دليلًا على أن فيك جمالًا لم يعرفوا قيمته. فالشيء الثمين لا يؤلم لأنه سيئ، بل لأنه ثمين حين يُفقد.
وأنت خسرت كثيرًا، نعم، لكن الذين خسروا قلبًا مثلك خسروا أكثر. فإذا مررت اليوم بجانب مرآتك، ورأيت ذلك التعب في عينيك، فلا تكره نفسك، لا تحمل نفسك ذنب ما فعله الآخرون. ولا تعتذر عن طيبة كانت حقيقية، ولا تخجل من قلب أحب بصدق.
يكفي أنك حاولت أن تكون إنسانًا جيدًا في عالم لم يكن لطيفًا معك. ويكفي أنك ما زلت هنا، رغم كل الذين رحلوا، ورغم كل الذين خذلوك، ورغم تلك الكسور التي لا يراها أحد.
فإن كان أحد يستحق الاعتذار في هذه الحياة فهو أنت. أنت الذي حمل الأذى بصمت، وأنت الذي بكى وحده، وأنت الذي نام مرات كثيرة وهو يتمنى فقط أن يعود شخص واحد كما كان. وأنت الذي ما زال حتى هذه اللحظة يحمل قلبه المكسور بين يديه، ويحاول أن يعيش وكأن شيئًا لم يحدث.
لذلك... من أعماق القلب، سامح هذا العالم قليلًا إن استطعت، وسامح نفسك كثيرًا. وبينما كان هناك في أعماقك إنسان صغير يجلس وحيدًا وسط الركام، يبكي بصمت، وينتظر منذ سنوات طويلة شخصًا واحدًا فقط... يربت على كتفه ويقول له: «لم يكن ذنبك أبدًا... لم يكن ذنبك أبدًا».
نسخة ماتت ولم ينعها أحد
وربما بعد أن تنتهي من قراءة هذه الرسالة، لن يتغير شيء. سيبقى بعض الذين خذلوك نائمين بسلام، وسيبقى الذين كسروك يعيشون أيامهم كأن شيئًا لم يحدث. وستبقى هناك أسماء لا تزال تؤلمك كلما مرّت في ذاكرتك مصادفة، وستبقى في قلبك غرف مغلقة لا تجرؤ على فتحها لأنك تعرف أن خلف أبوابها وجعًا لم يلتئم أبدًا.
لكن أكثر ما يؤلمني، وأكثر ما أخشاه عليك، ليس الجرح نفسه، بل أن تعتاد عليه. أن تمضي السنوات، وتتعلم كيف تبتسم فوقه، وكيف تتحدث فوقه، وكيف تعيش فوقه، حتى يظن الجميع أنك تعافيت، بينما الحقيقة أن جزءًا منك ما زال جالسًا هناك.
في تلك الليلة القديمة، عند ذلك الموقف الذي غيّرك، عند تلك الكلمة التي كسرتك، عند ذلك الشخص الذي رحل وأخذ معه شيئًا منك لم يعد أبدًا. وإذا سألك أحد يومًا: ما أكثر الأشياء التي خسرتها في حياتك؟ فقد لا تتذكر مالًا ضاع، ولا فرصة ضاعت، ولا حلمًا تأخر، ربما ستتذكر نفسك.
تلك النسخة الجميلة منك التي كانت تؤمن بالناس أكثر، وتضحك أكثر، وتطمئن أكثر. تلك النسخة التي خرجت ذات يوم لملاقاة الحياة بقلب أبيض، فعادت منها مثقلة بالندوب.
وإن كان لي دعاء أخير لك أيها الغريب، فليس أن تنسى ما حدث، بل أن يجد ذلك الإنسان الصغير المختبئ في أعماقك، والذي ظل يبكي كل هذه السنوات بصمت، شيئًا من السلام قبل أن تنتهي الرحلة.
لأن بعض البشر لا يموتون حين تتوقف قلوبهم عن النبض، بل يموتون يوم يتوقف أحد عن احتضان جراحهم. ويا لها من مأساة، أن يقضي الإنسان عمرًا كاملًا ينتظر كلمة واحدة فقط: «كان يجب أن أحبك أكثر... وكان يجب أن أؤذيك أقل».



اضف تعليق