يؤدي الاعتماد على القوة العسكرية والإكراه بدل الدبلوماسية إلى تقويض الاستقرار وتآكل الهيمنة الأميركية، فيما لا يضمن وقف إطلاق النار إنهاء المواجهات المتكررة. وتتواصل الأزمات في إيران وغزة ولبنان واليمن، بينما تبرز مبادرات إقليمية للتفاوض وبناء ترتيبات أمنية مشتركة. ويطرح النص تعددية دولية قائمة على احترام السيادة والحقوق...
بقلم: بيدرو أبراموفاي و جوليا ساكر-تيرني
نيويورك- منذ لحظة إعلانه، اتسم وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بنمط مختلف من المواجهة: سلام على حافة الحرب، وحرب على شفا الحل.
كان المفترض أن تؤذن مذكرة التفاهم التي وقّعتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو/حزيران ببدء 60 يومًا من المفاوضات، تبلغ ذروتها بتحقيق سلام شامل. ولكن بدلًا من ذلك، تبعها استمرار القتال، بما في ذلك ضربات أميركية وإيرانية على مضيق هرمز، واستيلاء الحوثيين على ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر، الأمر الذي يهدد بتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب.
فشلت عشرات الآلاف من الغارات الجوية في إجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز. وتقول إيران إنها سترفع الحصار مقابل إنهاء عقوبات دامت أربعين سنة. من جانبها، تفعل الولايات المتحدة العكس: فتضاعف شدة عقوبات بلغت بالفعل حدها الأقصى. لكن إيران لم تصبح أقرب إلى الإذعان، وهذا يؤكد عجز أميركا عن إدارة التداعيات التي خلّفها غضبها.
في مختلف أنحاء المنطقة، لم يعد استخدام القوة دليلًا على المنعة، بل بات مؤشرًا لعدم الاستقرار. في غزة، الحرب ليست وسيلة لتحقيق هدف سياسي؛ بل هي الهدف أو الغاية. بموجب عقيدة غزة المتمثلة في استخدام القوة المفرطة وإحداث الدمار على نطاق غير متناسب، تشن إسرائيل حربًا ليس فقط على حماس، بل على النظام القانوني الدولي برمته. طبّقت إسرائيل العقيدة ذاتها في جنوب لبنان، حيث استمرت الغارات الجوية دون انقطاع، على الرغم من وقف إطلاق النار مرتين واتفاق السلام الذي يجعل من السيادة اللبنانية مهزلة.
كثيرًا ما يُقال إن النهج السافر المتمثل في شعار «القوة تخلق الحق» استولى على السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو ما يتجلى في التسليم الاستثنائي للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو والحرب ضد إيران. لقد تخلت الولايات المتحدة حتى عن الثناء المنافق الذي كانت تغدقه في السابق على القوانين والمؤسسات الدولية. ففي حين ساقت إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الحجج والمبررات لغزو العراق أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن إدارة ترمب تتصرف على أساس الإكراه المحض، دون أي تظاهر بالتشاور (باستثناء التنسيق التام مع إسرائيل).
لكن هذا لا يمثل انقطاعًا بقدر ما يشكل تصعيدًا. فمن عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء بواسطة طائرات مسيّرة آليًا إلى الاحتجاز لأجل غير مسمى في خليج جوانتانامو، أمضت الولايات المتحدة جيلًا كاملًا تعمل منهجيًا على إلغاء النظام الدولي «القائم على القواعد» الذي وضعته بنفسها بعد الحرب، ولم تكتفِ بتضييق الأسس العالمية التي تقوم عليها هذه القواعد، بل جعلتها في الأساس شيئًا يمكن التخلص منه. وقد مهدت الإدارة السابقة الطريق إلى عقيدة ترمب في الهيمنة العالمية من خلال تواطؤها في الإبادة الجماعية في غزة.
مع ذلك، أحدث التبني الصريح للنزعة العسكرية القسرية فارقًا واضحًا، وإن لم يكن ذلك الذي توقعه ترمب. فبدلًا من تعزيز الهيمنة الأميركية، كان هذا النهج سببًا في تآكلها. عندما يتلاشى الحد الفاصل بين الحرب والسلام، فيتحول إلى وقف لإطلاق النار لا يضمن سلامًا ولا يمنع حربًا، وتفشل أشهر من القصف في تحقيق أي شيء يشبه النصر، فإن استخدام القوة يبدو أقل شبهًا بالمنعة وأقرب إلى الدمار العبثي.
الحرب الدائمة تجعل فرض أي نظام عالمي في حكم المستحيل. فاستخدام القوة الغاشمة لا بد أن يُفضي إلى المقاومة؛ وجرائم الحرب تؤدي حتمًا إلى وصمة دولية. وفي حين يتسبب الإكراه في جعل السيادة مشروطة، فإنه من غير الممكن أن يضمن استمرار الهيمنة. السؤال إذن هو: ما الذي قد يحدث بعد ذلك؟
كانت النزعة العسكرية القسرية سببًا في إثارة فترة من انعدام الاستقرار العميق. لكن فشلها قد يؤذن بعلاقات أكثر توازنًا بين الدول: تعددية جديدة ترتكز على السيادة وتعززها آليات إقليمية وعالمية تعزز الحقوق العالمية، وضبط النفس المتبادل، واتخاذ القرارات الجماعية بشأن الموارد والمعايير والقيم المشتركة. لا شك أن مثل هذه التعددية عالية الطموح. لكن كل دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، لها مصلحة في بنائها.
لن تكون الأمم المتحدة عديمة الأهمية في هذا النظام الجديد. لكن بما أن الأمم المتحدة أصدرت قرارًا واحدًا فقط بشأن الحرب على إيران (ينتقد الردود الانتقامية الإيرانية، ولكن ليس الهجمات الأميركية-الإسرائيلية التي حرّضتها)، فإن الدبلوماسية تحتاج إلى مدافعين آخرين عنها. وتكتسب المبادرات الإقليمية هنا أهمية خاصة، وقد بدأت نتائجها الواعدة تتجلى بالفعل.
لنتأمل هنا مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. جرت المفاوضات بوساطة تحالف غير متوقع بقيادة باكستان وقطر، وبدعم من مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا. ويمثل هذا تحولًا كبيرًا عن المفاوضات التي أفضت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فضلًا عن ألمانيا والاتحاد الأوروبي).
ويزداد هذا الاختلاف وضوحًا عندما نعلم أن الدول التي وقّعت في وقت لاحق على خطة العمل الشاملة المشتركة رفضت في عام 2010، على الفور، مقترح تبادل الوقود النووي الذي تفاوضت عليه البرازيل وتركيا مع إيران. وكما أعرب وزير الخارجية البرازيلي آنذاك، أموريم، آسفًا، فإن «مراكز القوة التقليدية لن تتقاسم مكانتها المتميزة مع غيرها بسرور».
من الأمثلة الأخرى الإطار التشاوري غير الرسمي بين مصر وباكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا، الذي يهدف إلى تشييد بنية أمنية إقليمية أكثر استقرارًا تستند إلى معايير مشتركة، بما في ذلك الالتزام بنبذ استخدام القوة. كما أبرمت باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا اتفاقية دفاع مشترك رسمية، تُعرف بمسمى «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي لا تحدد عدوًا معينًا وتبقي الباب مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى. ورغم أن أهمية هذا الاتفاق تخضع للاختبار في ظل الهجمات التي يشنها الحوثيون على المملكة العربية السعودية، فإن الاتجاه الأعرض لا يمكن إنكاره: ظهور نظام إقليمي أكثر تعددية، تتحمل بموجبه الدول قدرًا أعظم من المسؤولية عن أمنها، بدلًا من السماح للولايات المتحدة بفرض إرادتها.
مثله كمثل مضيق هرمز، أصبح مضيق باب المندب مغلقًا فعليًا الآن، بسبب القوة غير المتكافئة التي أُطلقت ردًا على التصعيد الأميركي. ما نشهده في الشرق الأوسط ليس عنفًا متطرفًا فحسب، بل هو أيضًا تجاوز مفرط لكل الحدود والأعراف. لكن الحرب التي تحفز تفكك النظام المتعدد الأطراف الذي تقوده الولايات المتحدة تفتح أيضًا المجال أمام تعددية أكثر استدامة تمتد جذورها إلى الحقوق، وضبط النفس، والكرامة، والدبلوماسية، واحترام السيادة.



اضف تعليق