يتناول الكاتب في هذا المقال التحولات المتسارعة في التعاطي النيابي والسياسي مع ملف مجالس المحافظات في العراق خلال آب 2026. ويسلط الضوء على المفارقة القائمة بين التحركات التشريعية لـ تجميد عمل المجالس وموازناتها، وبين التوجهات الحكومية السابقة التي كانت تدعو لتعديل قانونها وتطوير اللامركزية، مما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الحكم المحلي والاستقرار المؤسسي....
لم يكن الحديث عن مجالس المحافظات في العراق خلال آب 2026 مجرد نقاش عابر حول مؤسسة محلية أو بند من بنود الإنفاق العام؛ فالمقترح النيابي الداعي إلى تجميد عمل مجالس المحافظات وموازناتها للدورة الحالية أعاد فتح ملف ظل منذ عام 2003 واحداً من أكثر ملفات الدولة العراقية التباساً: كيف يمكن بناء إدارة محلية تمتلك صلاحيات حقيقية، من دون أن تتحول اللامركزية إلى ساحة جديدة للصراع السياسي؟ وفي 9 آب 2026 تقدم النائب محمد هلال الشمري بطلب إلى رئاسة مجلس النواب لإدراج مقترح تجميد عمل مجالس المحافظات وموازناتها على جدول أعمال المجلس تمهيداً للتصويت عليه، مستنداً إلى الصلاحيات الرقابية والتشريعية للمجلس وإلى قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل. بحسب كوردستان 24.
المهم هنا أن ما يجري حتى الآن ينبغي التعامل معه بوصفه مقترحاً وتحركاً نيابياً يحتاج إلى مسار تشريعي وتصويت قبل أن يصبح نافذاً. وهذه النقطة ضرورية مهنياً؛ لأن تداول عبارة "تم تجميد مجالس المحافظات" يعطي انطباعاً بصدور قرار نهائي، بينما المعطيات المنشورة تتحدث عن طلب لإدراج المقترح على جدول أعمال مجلس النواب والتصويت عليه. الفارق بين الأمرين كبير، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسات منتخبة دستورياً وقانونياً.
المفارقة التي تستحق التوقف
المفارقة الأكثر إثارة في المشهد أن الخطاب الرسمي والنيابي قبل أسابيع كان يسير في اتجاه مختلف. ففي 9 تموز 2026 كشفت اللجنة النيابية الفرعية المختصة عن مقترحات لتعديل قانون مجالس المحافظات، وقالت إن الهدف هو تعزيز مبادئ اللامركزية الإدارية والانسجام مع الدستور والقوانين النافذة، مع بحث صلاحيات المجالس في إصدار التشريعات المحلية، وتمثيل المناطق وفق الكثافة السكانية، وتنظيم شروط الترشح والطعن والهيكلية الإدارية والمالية للمجالس. أي أن المسار كان يتحدث عن إعادة بناء التجربة وتطويرها، قبل أن يظهر مقترح يدفع باتجاه تجميدها. بحسب الوكالة الوطنية العراقية للأنباء.
والصورة تصبح أكثر وضوحاً عند النظر إلى موقف الحكومة المحلية قبل أيام من ظهور مقترح التجميد. ففي 6 تموز 2026 ترأس رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي اجتماع الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات بحضور المحافظين ورؤساء مجالس المحافظات، مؤكداً أهمية دور الحكومات المحلية في الأداء الخدمي والحكومي، واصفاً الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية بأنهما "جسد واحد في الدولة". كما ناقش الاجتماع تعظيم الإيرادات المحلية، ومشاريع المياه، والصحة، والسكن، وغيرها من الملفات التي تقع في قلب العمل المحلي.
وهنا تظهر المفارقة السياسية بوضوح الدولة التي كانت تتحدث في تموز عن زيادة الإيرادات المحلية وتفعيل الحكومات المحلية وتطوير قانون مجالس المحافظات، أصبحت في آب أمام مقترح لتجميد المجالس وموازناتها. وهذه النقلة السريعة تفتح سؤالاً أكبر من مسألة بقاء المجلس أو تجميده: هل وصلت تجربة اللامركزية إلى مرحلة تحتاج معها إلى إعادة ضبط جذرية، أم أن الأزمة الراهنة تدفع السلطة السياسية إلى البحث عن حلول مالية وإدارية سريعة؟
مؤسسة منتخبة وليست دائرة حكومية
تنبع حساسية القضية من طبيعة مجلس المحافظة نفسه. فالدستور العراقي يمنح المحافظات التي لم تنتظم في إقليم صلاحيات إدارية ومالية واسعة تمكنها من إدارة شؤونها وفق مبدأ اللامركزية الإدارية، وينص على أن المحافظ المنتخب من مجلس المحافظة هو الرئيس التنفيذي الأعلى في المحافظة. وبذلك فإن مجلس المحافظة يدخل ضمن بنية الحكم المحلي التي رسمها الدستور، الأمر الذي يجعل التعامل معه مختلفاً عن التعامل مع دائرة حكومية يمكن دمجها أو إلغاؤها بقرار إداري. بحسب (دستور جمهورية العراق، المادة 122).
ويمنح قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل مجلس المحافظة موقعاً محورياً في إدارة المحافظة؛ إذ يصفه بأنه أعلى سلطة تشريعية ورقابية ضمن الحدود الإدارية للمحافظة، ويمنحه صلاحيات تتعلق بالتشريعات المحلية والموازنة والرقابة على الأنشطة التنفيذية المحلية، مع خضوعه لرقابة مجلس النواب.
لذلك فإن النقاش حول تجميده يرتبط مباشرة بمستقبل العلاقة بين السلطة الاتحادية والحكومات المحلية، وليس فقط بحجم الرواتب والمخصصات. بحسب (قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل).
ماذا يقول القانون عن الحل؟
هنا تقع واحدة من أهم النقاط التي ينبغي أن تدخل في أي قراءة مهنية للملف. فالمادة 20 من قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم حددت حالات لحل المجلس، من بينها الإخلال الجسيم بالأعمال والمهام الموكلة إليه، أو مخالفة الدستور والقوانين، أو فقدان ثلث الأعضاء شروط العضوية. كما منحت مجلس النواب صلاحية حل مجلس المحافظة بالأغلبية المطلقة لأعضائه بناءً على طلب من المحافظ أو ثلث أعضاء المجلس، عند تحقق إحدى الحالات المحددة في القانون. وهذا يعني أن القانون يضع آلية وأسباباً محددة للحل، وهو ما يجعل مصطلح "التجميد" بحاجة إلى تحديد دقيق من الناحية القانونية: هل المقصود تعليق العمل مؤقتاً؟ وقف الموازنة؟ تعطيل الصلاحيات؟ أم حل المجلس؟ بحسب (المادة 20 من قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل).
وتزداد أهمية هذا التفريق لأن القانون ذاته يربط حل المجلس بإجراءات لاحقة؛ ففي المادة 21 ينص على الدعوة إلى انتخابات جديدة بعد المصادقة على الحل أو انتهاء مدة الطعن القانونية. وهذا يضع أي معالجة لمجالس المحافظات أمام سؤال البديل: إذا توقف المجلس، فمن يمارس الاختصاصات التي منحها القانون له؟ ومن يتولى الدور الرقابي؟ وكيف يتم التعامل مع القرارات والموازنات التي تحتاج إلى موافقة المجلس؟ بحسب المادتان 20 و21 من قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم.
تجربة 2019 تعود إلى الذاكرة
العراق يعرف تجربة سابقة في هذا الملف؛ ففي تشرين الأول 2019 صوّت مجلس النواب على إلغاء مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم في ظل موجة احتجاجات تشرين، ثم بقيت المحافظات من دون مجالس منتخبة لسنوات إلى أن أعيد إجراء الانتخابات المحلية في 18 كانون الأول 2023. وقد حدد مجلس الوزراء ذلك التاريخ للانتخابات، وأعلنت المفوضية لاحقاً أسماء الفائزين في مختلف المحافظات، ومنها كربلاء وبابل وبغداد والبصرة وغيرها. بحسب (وكالة الأنباء العراقية "واع").
لكن استدعاء تجربة 2019 وحده لا يكفي لتفسير المشهد الحالي؛ فالظرف السياسي مختلف، والمجالس الحالية جاءت نتيجة انتخابات محلية جرت في 2023 بعد غياب دام سنوات. لذلك فإن تجميدها خلال دورتها الحالية سيعيد النقاش حول استقرار المؤسسات المنتخبة، وحدود تدخل السلطة التشريعية فيها، والرسالة التي تصل إلى الناخب المحلي الذي أدلى بصوته لاختيار ممثليه.
المال حاضر في المشهد
من الصعب فصل المقترح عن الوضع المالي للدولة. فالحديث عن تجميد الموازنات يعكس بوضوح رغبة في تقليل الإنفاق المرتبط بالمجالس، إلا أن السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية لا يتعلق بمجرد حذف بند مالي، وإنما بما إذا كان التجميد سيحقق وفراً مؤثراً على مستوى الموازنة العامة مقارنة بحجم النفقات الحكومية الأخرى، وما إذا كان تعطيل المؤسسة الرقابية المحلية يمكن أن يولد كلفة غير مباشرة أكبر على مستوى متابعة المشاريع والإنفاق المحلي.
وفي المقابل، هناك مسار رسمي كان يتجه إلى تعظيم الإيرادات المحلية بدلاً من الاكتفاء بالاعتماد على التمويل الاتحادي؛ إذ أقرت الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات في تموز تشكيل لجان لإعداد استراتيجية لتعظيم الإيرادات المحلية في المحافظات. وهذه الخطوة تحمل دلالة مهمة إذا كانت المشكلة المالية هي جوهر الاعتراض، فإن أحد الحلول المطروحة داخل الدولة نفسها هو جعل المحافظات أكثر قدرة على توليد الإيرادات، بدلاً من اختزال المعالجة في تجميد المجالس.
كربلاء أمام سؤال خاص
في محافظة مثل كربلاء، تكتسب المسألة حساسية إضافية؛ فالمحافظة تتعامل مع حركة سكانية وزائرين ومواسم مليونيه وملفات خدمية واستثمارية تتطلب تنسيقاً دائماً بين الحكومة المحلية والوزارات والمؤسسات الاتحادية. وبالتالي فإن أي تغيير في بنية مجلس المحافظة يحتاج إلى النظر في أثره على الرقابة المحلية، وإدارة المشاريع، وتحديد الأولويات الخدمية، وعلاقة المجلس بالمحافظ وبقية المؤسسات. وهذه ليست خصوصية كربلاء وحدها، لكنها تصبح أكثر وضوحاً في المحافظات ذات الضغط الخدمي والسياحي والديني الكبير.
الرؤية القادمة.. ثلاث مسارات
المسار الأول يتمثل في تمرير التجميد بصيغة محددة ومؤقتة، خصوصاً إذا حصل المقترح على دعم نيابي وسياسي واسع. في هذه الحالة ستبرز الحاجة إلى نص واضح يحدد مدة التجميد، وطبيعة الصلاحيات التي تتوقف، ومصير الموازنات، والجهة التي تتولى الرقابة المحلية، والآلية التي تعيد المجالس إلى العمل. ومن دون هذه التفاصيل قد يتحول القرار من إجراء مالي مؤقت إلى فراغ مؤسسي طويل. الرؤية تستند إلى الإطار القانوني القائم وآليات الحل الواردة في قانون المحافظات رقم 21 لسنة 2008 المعدل.
المسار الثاني هو العودة إلى طاولة الإصلاح التشريعي، وهو السيناريو الذي كان قائماً قبل ظهور مقترح التجميد؛ أي تعديل قانون مجالس المحافظات، تحديد الصلاحيات بدقة، معالجة العلاقة بين المحافظ والمجلس، تنظيم الجانب المالي، وتشديد الرقابة والمساءلة. وهذا المسار يبدو أكثر انسجاماً مع المقترحات التي كانت اللجنة النيابية تبحثها في تموز، والتي تحدثت صراحة عن تعزيز اللامركزية وتحديد صلاحيات المجالس وتنظيم عملها.
أما المسار الثالث، وهو الأكثر عمقاً، فيتمثل في إعادة تعريف وظيفة مجالس المحافظات نفسها. فالمشكلة التي كشفتها السنوات الماضية لا تختصر في سؤال: هل نحتاج مجالس المحافظات أم لا؟، وإنما في سؤال أكثر نضجاً: ماذا نريد من مجلس المحافظة؟ فإذا كان دوره رقابياً وتشريعياً محلياً، فيجب أن يمتلك أدوات حقيقية لممارسة الرقابة؛ وإذا كان جزءاً من منظومة التنمية المحلية، فيجب أن ترتبط صلاحياته بالموارد؛ وإذا كانت اللامركزية هدفاً دستورياً، فيجب أن تتوزع المسؤوليات بين بغداد والمحافظات بصورة واضحة تمنع تضارب الصلاحيات.
القضية، في جوهرها، أكبر من مجالس المحافظات نفسها. العراق أمام اختبار حقيقي لفكرة اللامركزية التي اختارها الدستور، وأمام اختبار آخر لقدرة النظام السياسي على إصلاح مؤسساته من دون الانتقال كل مرة من الإلغاء إلى الإعادة ثم من الإعادة إلى التجميد. وإذا كان أداء بعض المجالس يحتاج إلى مراجعة، فإن المراجعة يمكن أن تبدأ من الصلاحيات والرقابة والإنفاق والانتخاب، أما إذا كان الهدف اقتصادياً، فالأجدى قياس الوفر الحقيقي ومقارنته بكلفة تعطيل المؤسسة المحلية. لذلك فإن الرؤية الأقرب للمستقبل ليست في السؤال عما إذا كانت المجالس ستبقى أو تختفي فقط، وإنما في شكل اللامركزية العراقية بعد هذه العاصفة مجالس أقوى بصلاحيات أوضح، أم مجالس مجمدة تمهيداً لإعادة رسم الخريطة المحلية من جديد؟ وهذه هي المعركة الحقيقية التي بدأ ملف التجميد يكشفها.



اضف تعليق