سياسة - تقارير

30 سبتمبر.. نهاية الوجود العسكري وبداية اختبار الدولة

سلسلة العراق ما بعد 30 سبتمبر (1)

يبدأ العراق بعد 30 سبتمبر مرحلة جديدة مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وانتقال المسؤولية الأمنية بصورة أوسع إلى المؤسسات الوطنية. غير أن اكتمال السيادة يتجاوز خروج القوات الأجنبية إلى قدرة الدولة على حماية الأمن والحدود، وتطوير قدراتها، وتوحيد القرار، وإدارة علاقاتها الخارجية واستقلالها الاقتصادي. لذلك يمثل هذا التاريخ بداية اختبار...

يمثل الثلاثون من سبتمبر/أيلول 2026 نقطة تحول في مسار الدولة العراقية، بعد اكتمال انسحاب القوات الأميركية وإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي التي بدأت عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش، وانتقال العلاقة مع الولايات المتحدة ودول التحالف إلى صيغ ثنائية في التدريب والتعاون الأمني والاستخباري. لكن أهمية هذا التاريخ لا تتوقف عند خروج آخر القوات من القواعد العراقية، بقدر ما تكمن في الأسئلة التي تبدأ بعده: هل تستطيع الدولة إدارة أمنها بقدراتها الذاتية؟ وكيف ستتعامل مع تعدد مصادر القوة داخلها؟ وهل يقود انتهاء الوجود العسكري الأجنبي إلى ترسيخ مركزية القرار الوطني؟ أم أن استكمال السيادة يحتاج إلى عملية مؤسسية أوسع من مجرد خروج القوات الأجنبية؟

بهذه الأسئلة تبدأ سلسلة «العراق ما بعد 30 سبتمبر»، وهي سلسلة تحليلية يومية تتابع التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية والمؤسسية التي تدخلها البلاد بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي. فالمقصود ليس اعتبار 30 سبتمبر حلًا نهائيًا لمشكلات الدولة، ولا التقليل من أهميته بوصفه مجرد تغيير في شكل الوجود العسكري، وإنما فهم ما تغير بالفعل، وما بقي دون تغيير، وما الذي سيحدد قدرة العراق على تحويل هذه اللحظة إلى مرحلة جديدة في بناء الدولة.

30 سبتمبر.. ماذا انتهى فعليًا؟

اكتمل في 30 سبتمبر انسحاب القوات الأميركية من آخر مواقعها العسكرية في العراق، بما فيها القوات المتبقية في قاعدة أربيل، وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية انتهاء عملية «العزم الصلب» في العراق بعد اثني عشر عامًا من المهمة التي بدأت إثر اجتياح تنظيم داعش مناطق واسعة من البلاد عام 2014. وأكدت وزارة الدفاع الأميركية أن المرحلة الجديدة تنتقل من مهمة عسكرية يقودها التحالف إلى جهد أمني تقوده المؤسسات العراقية وتسانده علاقة أمنية ثنائية أكثر اعتيادية، فيما أكدت الحكومة العراقية أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء الحرب على الإرهاب، وإنما انتقال العراق إلى تحمل المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره.

وبذلك ينتهي شكل محدد من العلاقة الأمنية نشأ في ظرف استثنائي. فقد عادت القوات الأميركية إلى العراق عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد انهيار قطاعات من المنظومة الأمنية أمام تقدم تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد، ثم أخذ دور التحالف يتغير تدريجيًا بعد هزيمة التنظيم عسكريًا وفقدانه السيطرة الإقليمية التي كان يتمتع بها. وفي السنوات اللاحقة انتقل التركيز بدرجة أكبر إلى التدريب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والمساندة الفنية، وصولًا إلى الاتفاق العراقي ـ الأميركي عام 2024 على إنهاء المهمة وفق جدول زمني انتهى في 30 سبتمبر 2026. 

ومن هذه الزاوية، فإن ما حدث ليس مجرد انسحاب عسكري مفاجئ، بل نهاية عملية انتقال امتدت سنوات. وهذا التفصيل مهم لفهم المرحلة الجديدة؛ لأن الدولة العراقية لا تستيقظ في اليوم التالي للانسحاب أمام فراغ كامل، كما أنها لا تنتقل تلقائيًا إلى حالة من الاستقلال الأمني المكتمل. الذي حدث هو انتقال مجموعة من الوظائف والمسؤوليات التي شارك التحالف في أدائها إلى المؤسسات العراقية، مع بقاء التعاون والتدريب وتبادل المعلومات ضمن العلاقات الثنائية. وقد أعلنت وزارة الدفاع العراقية قبل الموعد أن القوات المسلحة قادرة على إدارة الأمن وحماية الحدود، فيما سبق أن صادقت القيادة المركزية الأميركية على قدرة القوات العراقية على إدارة وتنفيذ ضربات قتالية بصورة مستقلة.

لذلك ينبغي التمييز منذ البداية بين انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، وهي واقعة تحققت في تاريخ محدد، وبين اكتمال القدرة السيادية للدولة، وهي عملية لا يمكن قياسها بيوم واحد، وإنما بأداء المؤسسات خلال السنوات التالية.

من مرحلة التحالف إلى مرحلة المسؤولية العراقية

تكتسب لحظة 30 سبتمبر أهميتها الحقيقية من هذا الانتقال في المسؤولية. ففي مرحلة ما بعد 2014 كان وجود التحالف مرتبطًا بتهديد استثنائي تجاوز في مرحلة معينة قدرة المؤسسات العراقية على مواجهته منفردة، أما بعد أكثر من عقد فقد تغيرت البيئة الأمنية بصورة جوهرية؛ إذ لم يعد تنظيم داعش يسيطر على مدن أو أراضٍ واسعة، وأصبحت بنيته تعتمد بدرجة أكبر على خلايا متناثرة وقدرات محدودة مقارنة بمرحلة صعوده، في الوقت الذي تراكمت لدى القوات العراقية خبرات قتالية واستخبارية كبيرة.

لكن انخفاض مستوى التهديد لا يعني اختفاءه. وتشير تقارير «رويترز» و«أسوشيتد برس» إلى استمرار خلايا للتنظيم وإلى وجود مخاوف لدى بعض المسؤولين والمراقبين من تأثير انخفاض المساندة الأميركية في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والدفاع الجوي. كما عبّرت جهات في إقليم كردستان عن قلق خاص من خروج منظومات دفاع أميركية في ظل التوترات الإقليمية والهجمات التي تعرض لها الإقليم. وفي المقابل، تؤكد الحكومة العراقية أن قواتها باتت قادرة على الانتشار في عموم البلاد وإدارة الأمن، وأن التعاون الأمني لن ينقطع وإنما سيتحول من مظلة التحالف إلى العلاقات الثنائية.

ولا يمكن حسم هذا الاختلاف في التقديرات بإعلان سياسي من أي طرف؛ فالمعيار سيكون الأداء الفعلي. فإذا استطاعت المؤسسات العراقية الحفاظ على الاستقرار، وملاحقة الخلايا المسلحة، وحماية الحدود والمجال الجوي، وتطوير الاستخبارات والاستطلاع والإنذار المبكر، فإن مرحلة ما بعد التحالف ستتحول إلى دليل عملي على نضج القدرة الأمنية. أما إذا ظهرت فجوات كبيرة في بعض هذه الوظائف، فسيكون على الدولة معالجتها عبر تطوير قدراتها أو بناء تعاون ثنائي لا يعيد إنتاج نمط الاعتماد السابق.

ومن هنا تتغير طبيعة السؤال من: هل ينبغي بقاء التحالف؟ إلى سؤال أكثر أهمية للمرحلة المقبلة: ما القدرات التي يجب أن تمتلكها الدولة العراقية كي تستطيع حماية نفسها من دون الحاجة إلى وجود عسكري أجنبي دائم؟

السيادة ليست حدثًا يقع في يوم واحد

اختارت الحكومة العراقية التعامل مع 30 سبتمبر باعتباره «يوم السيادة»، وقررت تعطيل الدوام الرسمي في مؤسسات الدولة ضمن «أيام السيادة»، فيما وصفت التصريحات الحكومية الموعد بأنه محطة تؤسس لمرحلة جديدة تتعزز فيها سلطة الدولة ويتوحد القرار الأمني.

يحمل هذا التوصيف دلالة سياسية مفهومة، لأن إنهاء مهمة عسكرية أجنبية طويلة يمثل حدثًا سياديًا في أي دولة. لكن مفهوم السيادة أوسع من الوجود العسكري الأجنبي؛ فالدولة قد تكون خالية من القواعد الأجنبية ومع ذلك تظل قدرتها على اتخاذ القرار محدودة اقتصاديًا أو أمنيًا أو سياسيًا، كما يمكن لدولة أن ترتبط بتحالفات عسكرية واسعة من دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدانها سيادتها إذا كانت تلك العلاقات ناتجة عن قرار مؤسسي وطني وتخضع لقواعد واضحة.

ولهذا يمكن النظر إلى 30 سبتمبر بوصفه انتقالًا من سيادة تُقاس بما يغادر الأراضي العراقية إلى سيادة تُقاس بما تستطيع المؤسسات العراقية القيام به بعد المغادرة.

وهذه النقلة هي جوهر السلسلة التي نبدأها اليوم. فالسيادة بعد 30 سبتمبر ستظهر في قدرة الدولة على حماية الحدود، وضبط المجال الجوي، ومكافحة الإرهاب، وإدارة علاقاتها الخارجية، وتنظيم القوى المسلحة، وإدارة مواردها المالية، وضبط المنافذ، وتطبيق القانون على الجميع، واتخاذ القرارات الأمنية والسياسية من داخل المؤسسات الدستورية.

أي أن السؤال بعد خروج القوات الأجنبية لا ينبغي أن يبقى: من خرج من العراق؟ وإنما يجب أن يتطور تدريجيًا إلى: كيف يُدار العراق بعد خروجه؟

هل يترك الانسحاب فراغًا أمنيًا؟

من أكثر المفاهيم استخدامًا عند انسحاب قوة عسكرية من بلد ما مفهوم «الفراغ الأمني»، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فالفراغ لا ينشأ لمجرد خروج قوة أجنبية، وإنما عندما تتوقف وظيفة أمنية كانت تؤديها تلك القوة ولا توجد مؤسسة وطنية قادرة على أدائها.

وفي الحالة العراقية يمكن تحديد القضية بصورة عملية: ما الذي كان التحالف يقدمه للقوات العراقية في السنوات الأخيرة؟ وما الذي انتقل بالفعل إلى المؤسسات الوطنية؟ وما القدرات التي ما تزال بحاجة إلى تطوير؟

تقول وزارة الدفاع العراقية إن القوات الوطنية أصبحت قادرة على إدارة الأمن وحماية الحدود، بينما يشير التقييم الأميركي الرسمي إلى أن تنظيم داعش لم يعد يمثل تهديدًا عسكريًا منظمًا بالصيغة التي كان عليها في 2014، وأن الجهد الأمني أصبح عراقي القيادة. وفي المقابل، تشير مخاوف عراقية وكردية أوردتها التقارير الدولية إلى مجالات محددة ينبغي مراقبتها، من بينها الاستخبارات والمراقبة الجوية والاستطلاع والدفاع ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ. 

إذن، لا توجد ضرورة لتحويل النقاش إلى خيارين متطرفين: إما أن العراق أصبح قادرًا على الاستغناء عن كل تعاون خارجي، أو أنه عاجز عن حماية نفسه من دون قوات أجنبية. الواقع أكثر تركيبًا؛ فمعظم الدول تعتمد على التعاون العسكري والاستخباري والتسليحي مع دول أخرى، لكن الفرق الأساسي يقع بين التعاون والاعتماد. التعاون يعني أن الدولة تحدد احتياجاتها وتستعين بالشركاء لسد بعضها، أما الاعتماد فيظهر عندما تعجز عن أداء وظيفة أمنية أساسية من دون وجود خارجي مباشر.

وسيكون نجاح المرحلة الجديدة مرتبطًا بقدرة العراق على توسيع مساحة التعاون وتقليص مساحة الاعتماد.

من التحالف متعدد الأطراف إلى الشراكات الثنائية

أحد التحولات التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي هو أن 30 سبتمبر لا يعني انتهاء علاقات العراق العسكرية والأمنية مع الدول التي كانت أعضاء في التحالف. التصريحات العراقية والأميركية تتحدث بوضوح عن الانتقال إلى علاقات ثنائية في مجالات التدريب والتسليح والاستخبارات والتعاون الأمني. 

وهذا التحول مهم لأنه يغير طبيعة العلاقة. فالتحالف تأسس لمواجهة تهديد محدد هو تنظيم داعش، أما العلاقات الثنائية فيفترض أن تقوم على مصالح أكثر استدامة، وأن تتحدد وفق احتياجات العراق وعلاقاته مع كل دولة على حدة. وبذلك تستطيع بغداد، من الناحية النظرية، بناء شبكة علاقات دفاعية متنوعة بدل الاعتماد على مظلة عسكرية واحدة.

لكن نجاح هذا النموذج يحتاج إلى استراتيجية عراقية تحدد بوضوح ما الذي تحتاجه البلاد من الخارج وما الذي ينبغي أن تنتجه داخليًا. هل الأولوية للدفاع الجوي؟ أم الاستخبارات؟ أم بناء القوة الجوية؟ أم أمن الحدود؟ أم الحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة؟ فالعلاقات الثنائية تصبح أكثر فاعلية عندما تكون جزءًا من تصور وطني للقدرات المطلوبة، لا مجرد استمرار للعلاقات السابقة تحت اسم مختلف.

ومن هنا فإن أحد اختبارات ما بعد 30 سبتمبر سيكون قدرة العراق على الانتقال من إدارة وجود الحلفاء إلى إدارة الشراكات معهم.

لحظة أوسع من الانسحاب الأميركي

تزداد أهمية 30 سبتمبر عندما يوضع ضمن تطورات أخرى تجري في الوقت نفسه. ففي 23 سبتمبر توصل العراق وتركيا إلى اتفاق يقضي بالتسليم التدريجي لمعسكر بعشيقة ـ زيلكان إلى الحكومة الاتحادية، ضمن تفاهم يتضمن تعزيز سلطة الدولة في سنجار وإنهاء وجود عناصر مسلحة أجنبية محظورة، فيما يُتوقع وفق مسؤول عسكري عراقي تحدث إلى «رويترز» استكمال الانسحاب من بعشيقة وموقع آخر قرب الموصل بحلول نهاية العام.

هذا التطور لا يعني انتهاء جميع ملفات الوجود العسكري الخارجي في شمال العراق، فتركيا ما تزال تمتلك مواقع أخرى وتربط وجودها بملف حزب العمال الكردستاني وأمن حدودها. لكنه يكشف أن العراق يدخل مرحلة تحاول فيها الحكومة معالجة أكثر من ملف مرتبط بالسيادة من خلال التفاوض والترتيبات الأمنية الثنائية بدل المواجهة المباشرة.

ويمكن أن تكون هذه المقاربة أكثر استدامة إذا اقترنت ببناء قدرة عراقية على معالجة الأسباب التي تستند إليها الدول الأخرى لتبرير وجودها العسكري. فالدولة التي تريد تقليص التدخل الخارجي تحتاج في المقابل إلى إثبات قدرتها على منع أراضيها من أن تتحول إلى مصدر تهديد لجيرانها، كما تحتاج إلى منع الجيران من تحويل المخاوف الأمنية إلى مبرر لوجود عسكري مفتوح.

وبذلك تصبح السيادة علاقة متبادلة بين منع التدخل الخارجي والقدرة الداخلية على إدارة الأرض والحدود والقوى الموجودة عليها.

ما بعد الوجود العسكري.. استمرار أدوات النفوذ الأخرى

من الأخطاء المحتملة في قراءة 30 سبتمبر مساواة نهاية الوجود العسكري الأميركي بنهاية النفوذ الأميركي في العراق. فالعلاقات بين الدول لا تقوم على القوات وحدها، والولايات المتحدة ستبقى حاضرة في العراق من خلال العلاقات الدبلوماسية والتجارية والأمنية والتسليحية والمالية، كما ستبقى إيران وتركيا ودول الخليج وقوى دولية أخرى مؤثرة بدرجات مختلفة.

ويكشف تقرير نشرته «رويترز» اليوم جانبًا مهمًا من هذه المسألة؛ إذ ما تزال عائدات النفط العراقية بالدولار مرتبطة بحساب للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، فيما يمثل النفط نحو 90% من إيرادات الموازنة العراقية. وتمنح هذه البنية المالية العلاقة مع الولايات المتحدة وزنًا يتجاوز الوجود العسكري المباشر.

لا يعني ذلك أن واشنطن «تدير» الاقتصاد العراقي أو أن بغداد لا تملك قرارها المالي، لكنه يوضح أن السيادة في عالم مترابط لا يمكن اختزالها في القواعد العسكرية. فهناك شبكات مالية ومصرفية وتجارية وتكنولوجية وأمنية تربط الدول بعضها ببعض، ويصبح السؤال الحقيقي هو مقدار قدرة الدولة على إدارة هذه الاعتمادات بما يحفظ مصالحها ويقلل قابليتها للتعرض للضغط.

وسيكون لهذا الموضوع مكان مستقل في السلسلة؛ لأن بناء دولة مركزية قوية لا يتعلق بالسلاح والأمن وحدهما، وإنما يحتاج إلى قاعدة اقتصادية ومالية تسمح للقرار السياسي بأن يمتلك مساحة كافية من الاستقلال.

الاختبار ينتقل من الخارج إلى الداخل

طوال السنوات الماضية كان الوجود العسكري الأجنبي أحد المحاور الرئيسية في الجدل السياسي العراقي، واستُخدم كذلك في تبرير استمرار بعض القوى المسلحة خارج الأطر التقليدية للقوات النظامية. ومع انتهاء مهمة التحالف، يتغير جزء من البيئة التي نشأت فيها تلك الحجج، لكن هذا لا يعني أن ملف السلاح سيُحسم تلقائيًا أو أن جميع القوى ستقرأ اللحظة بالطريقة نفسها.

الحكومة العراقية تقول إن عملية تنظيم السلاح مستمرة وإن الحوار قائم مع قادة الفصائل، فيما تشير التطورات الأخيرة إلى أن المسألة ستبقى أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المرحلة المقبلة. وفي الوقت نفسه، رحبت قوى مسلحة مقربة من إيران بخروج القوات الأميركية وعدّته انتصارًا، بينما عبّرت أطراف أخرى عن مخاوف أمنية مختلفة.

وهنا ينبغي أن يتوقف المقال الأول؛ لأن القفز مباشرة إلى إصدار حكم على مستقبل الفصائل سيجعلنا نستبق بقية السلسلة. ما يهم في هذه المرحلة هو تسجيل تحول في طبيعة السؤال: عندما كان هناك وجود عسكري أجنبي، كان النقاش يدور بدرجة كبيرة حول شرعية مقاومته أو الحاجة إليه أو توقيت خروجه؛ أما بعد انتهاء المهمة، فسوف ينتقل جزء متزايد من النقاش إلى كيفية تنظيم القوة داخل العراق نفسه.

وهذا الانتقال لا يتعلق بالفصائل وحدها. فالعراق يمتلك منظومة أمنية معقدة تضم الجيش والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب والحشد الشعبي والبيشمركة وتشكيلات أخرى، ولكل منها تاريخها وبنيتها القانونية والعملياتية. ولذلك فإن بناء الدولة لا يعني إلغاء هذا التنوع بالضرورة، وإنما ضمان أن يعمل داخل نظام مؤسسي واضح للقيادة والقرار والمحاسبة.

وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي سيعالج في المقالات التالية: من يملك القوة في العراق، وكيف تُوزع، ومن يملك القرار النهائي باستخدامها؟

من الدولة التي تستعين بالآخرين إلى الدولة التي تدير قدراتها

ربما يكون أهم تغيير ينبغي أن يحدث بعد 30 سبتمبر نفسيًا ومؤسسيًا في الوقت نفسه. فمنذ 2003 عاش العراق مراحل متتابعة كان العامل الخارجي حاضرًا فيها بقوة: الاحتلال، ثم الانسحاب، ثم عودة التحالف لمواجهة داعش، ثم الصراع الأميركي ـ الإيراني على الأراضي العراقية، وصولًا إلى إنهاء مهمة التحالف. وقد جعل ذلك جزءًا كبيرًا من السياسة العراقية مرتبطًا بالسؤال عما تريده الولايات المتحدة أو إيران أو تركيا أو القوى الإقليمية الأخرى.

لكن الدولة لا تصبح مركزية بمجرد تراجع الوجود الخارجي؛ بل عندما تتحول مؤسساتها إلى المرجعية التي تُدار من خلالها التناقضات الداخلية والعلاقات الخارجية.

وهذا هو الفارق بين الاستقلال بوصفه غياب الآخر والسيادة بوصفها امتلاك القدرة.

يمكن إخراج القوات الأجنبية بقرار سياسي واتفاق زمني، لكن بناء القدرة الوطنية يحتاج إلى سنوات من الاستثمار في المؤسسات والتعليم العسكري والاستخبارات والدفاع الجوي والتكنولوجيا والاقتصاد والقضاء والإدارة العامة. ولذلك فإن المرحلة التي تبدأ في 30 سبتمبر قد تكون أكثر صعوبة من مرحلة التفاوض على الانسحاب؛ لأن معيار النجاح فيها لن يكون توقيع اتفاق أو مغادرة قاعدة، وإنما قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بصورة مستقرة.

ماذا ينبغي أن نراقب بعد 30 سبتمبر؟

بدل إصدار حكم مبكر على نجاح المرحلة الجديدة أو فشلها، يمكن تحديد مجموعة من المؤشرات التي ستسمح بتقييمها خلال الأشهر والسنوات المقبلة. أول هذه المؤشرات هو الوضع الأمني: هل يستمر انخفاض نشاط تنظيم داعش أم يعيد بناء قدراته؟ وثانيها القدرة الاستخبارية والدفاعية: هل تستطيع القوات العراقية سد الاحتياجات التي كان التحالف يوفر جزءًا منها؟ وثالثها وحدة القرار الأمني: هل تتجه المؤسسات والتشكيلات المسلحة المختلفة نحو مزيد من التنسيق والخضوع لسلسلة قرار واضحة؟ ورابعها السياسة الخارجية: هل يستطيع العراق المحافظة على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج من دون أن تتحول تناقضات هذه الدول إلى صراعات داخل أراضيه؟ أما المؤشر الخامس فهو القدرة الاقتصادية، لأن الدولة التي تعتمد بصورة مفرطة على مورد واحد ومسار مالي أو تصديري محدود تبقى أكثر عرضة للصدمات الخارجية.

وتظهر بعض هذه الاختبارات بالفعل. فالأزمة الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز دفعت العراق خلال سبتمبر إلى البحث عن طرق بديلة لتصدير النفط واستيراد الوقود، بما في ذلك توسيع المسار الشمالي عبر تركيا واستخدام ميناء بانياس السوري لاستيراد البنزين. وهذه التطورات تبدو اقتصادية، لكنها في جوهرها ترتبط بالسيادة والقدرة على الصمود؛ لأن قدرة الدولة على تنويع طرق التجارة والطاقة تقلل أثر الأزمات الخارجية في قرارها الداخلي.

ومن هنا ستتوسع السلسلة تدريجيًا من السلاح إلى الاقتصاد، ومن الأمن إلى السياسة الخارجية، لأن الدولة المركزية ليست مؤسسة عسكرية كبيرة، وإنما منظومة تستطيع تحويل الموارد والقانون والمؤسسات والقوة والعلاقات الخارجية إلى قرار عام قابل للتنفيذ.

بداية مرحلة وليست نهايتها

يكتسب 30 سبتمبر أهميته التاريخية من أنه يغلق مرحلة واضحة من تاريخ العراق المعاصر. فقد بدأت القوات الأميركية وجودها العسكري الواسع عام 2003، وغادرت عام 2011، ثم عادت ضمن التحالف الدولي بعد صعود تنظيم داعش عام 2014، قبل أن تبدأ عملية تقليص تدريجية انتهت بإغلاق المهمة الحالية. لكن التاريخ السياسي لا يتحرك بمجرد إغلاق القواعد، ولا تتحول الدولة في يوم واحد من الاعتماد إلى الاستقلال أو من تعدد القوة إلى مركزيتها.

ما تغير اليوم هو البيئة التي ستُختبر فيها الدولة.

فالحكومة لم تعد مطالبة فقط بالتفاوض على موعد خروج القوات الأجنبية، وإنما بإثبات قدرتها على إدارة الأمن بعد خروجها. والقوى السياسية لم تعد تواجه السؤال نفسه حول مستقبل التحالف، وإنما ستواجه بصورة متزايدة سؤال تنظيم القوة داخل الدولة. والعلاقات مع الولايات المتحدة لن تختفي، بل ستتحول من وجود عسكري مباشر إلى شبكة من العلاقات الثنائية الأمنية والاقتصادية والسياسية. أما علاقات العراق بإيران وتركيا وبقية دول الجوار فستبقى اختبارًا لقدرة بغداد على تحويل موقعها الجغرافي من ساحة لتقاطع النفوذ إلى مساحة لإدارة المصالح.

ومن هنا يمكن الوصول إلى خمسة استنتاجات أولية ستشكل منطلقًا للمقالات التالية في هذه السلسلة:

أولًا: يمثل 30 سبتمبر إنجازًا واضحًا في إنهاء صيغة عسكرية استثنائية استمرت منذ عودة التحالف عام 2014، لكنه لا يمثل وحده اكتمال السيادة؛ لأن السيادة عملية مؤسسية مستمرة وليست تاريخًا في التقويم.

ثانيًا: سينتقل معيار النجاح من القدرة على إخراج القوات الأجنبية إلى القدرة على أداء الوظائف التي كانت تسهم فيها، ولا سيما الاستخبارات والمراقبة والدفاع ومكافحة الإرهاب، مع تحويل الدعم الخارجي من ضرورة تشغيلية إلى شراكة يمكن للعراق إدارتها وفق احتياجاته.

ثالثًا: سيصبح تنظيم القوة داخل العراق أحد الاختبارات الأساسية لمرحلة ما بعد التحالف، لكن هذا الملف أكثر تعقيدًا من اختزاله في جمع السلاح؛ لأنه يتعلق ببنية المؤسسات والقيادة والتمويل والقرار والمحاسبة، وهي موضوعات تحتاج إلى تحليل مستقل.

رابعًا: خروج القوات الأميركية لا يعني انتهاء النفوذ الخارجي؛ فالنفوذ يمكن أن يكون اقتصاديًا وماليًا وسياسيًا وأمنيًا، ولذلك فإن بناء السيادة يحتاج إلى تقوية قدرة العراق على إدارة علاقاته واعتماداته الخارجية، لا محاولة الانفصال عن العالم.

خامسًا: القيمة التاريخية الحقيقية ليوم 30 سبتمبر لن يحددها يوم الانسحاب نفسه، وإنما ما سيحدث بعده. فإذا استطاع العراق المحافظة على الأمن، وتطوير قدراته، وتوحيد القرار، وإدارة علاقاته الخارجية من خلال مؤسساته، فسوف يتحول التاريخ إلى نقطة انتقال في بناء الدولة. أما إذا بقيت مراكز القرار متعددة والاعتماد الخارجي مرتفعًا، فسيكون التغيير في شكل العلاقة أكثر منه في جوهرها.

وبذلك لا تنتهي قصة العراق في 30 سبتمبر، وإنما تبدأ مرحلة مختلفة منها. فقد أصبح السؤال أقل ارتباطًا بمن يغادر الأراضي العراقية، وأكثر ارتباطًا بمن يملك القدرة على إدارة الدولة بعد مغادرته. ومن هنا سينطلق المقال الثاني من السلسلة: «من يملك القوة في العراق؟»، ليس بحثًا عن طرف ينبغي اتهامه أو آخر ينبغي الدفاع عنه، وإنما محاولة لرسم خريطة موضوعية للقوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والمؤسسية، وفهم الكيفية التي تتوزع بها داخل الدولة العراقية، وما الذي يفصل بين تعدد القوى الطبيعي في أي نظام سياسي وبين تعدد مراكز القرار السيادي.

* المصادر: رويترز، أسوشيتد برس، وكالة الأنباء العراقية

اضف تعليق