يبدأ التغيير من الإيمان بأن الإصلاح ليس قراراً حكومياً منفصلاً ولا مسؤولية ف فردية، بل عقد مجتمعي تتكامل فيه كفاءة المؤسسة مع وعي المواطن... فالمواطن الذي يطالب بتحسين الخدمات عليه أن يدرك أهمية المحافظة عليها، والذي يطالب بمكافحة الفساد عليه أن يرفض الممارسات التي تساعد على انتشاره...
يُعد الإصلاح من أهم القضايا التي ترتبط بمستقبل المجتمعات وقدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية وبناء مؤسسات راسخة تستجيب لحاجات المواطنين، فالإصلاح لا يرتبط بقرار حكومي منفرد، ولا يمكن أن يتحقق من خلال جهود الدولة وحدها، لأنه مشروع مجتمعي متكامل يقوم على التعاون والتفاهم وتبادل المسؤوليات بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فكلما اتسعت مساحة الشراكة بين الطرفين، أصبحت عملية الإصلاح أكثر قدرة على الاستمرار وتحقيق نتائج ملموسة تمس حياة الناس اليومية.
من المعلوم ان الدولة الحديثة تقوم على مجموعة من المؤسسات التي تتولى تنظيم شؤون المجتمع وتقديم الخدمات وحماية الحقوق وتطبيق القانون، وهذه المؤسسات لا تستطيع أداء مهامها بصورة فعالة من دون مواطن واعٍ يدرك حقوقه وواجباته، ويحترم القانون، ويسهم في معالجة المشكلات العامة.
وفي المقابل يحتاج المواطن إلى مؤسسات دولة تتمتع بالكفاءة والنزاهة والشفافية، وتتعامل معه باعتباره شريكا في بناء الوطن، لا مجرد متلق للخدمات.
وتبدأ الشراكة الحقيقية بين المواطن والدولة من الإيمان بأن الإصلاح مسؤولية مشتركة، فالمواطن يستطيع أن يسهم في الإصلاح من خلال احترام الأنظمة والقوانين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والابتعاد عن المحسوبية والفساد، والمشاركة في المبادرات المجتمعية، وتقديم المقترحات التي تساعد على تطوير الخدمات، كما أن ممارسة المواطن لحقه في التعبير بصورة مسؤولة تمثل وسيلة مهمة للتعرف على مواطن الخلل وطرح الحلول المناسبة لها.
وفي الجانب الآخر، تتحمل مؤسسات الدولة مسؤولية أساسية في توفير البيئة المناسبة للإصلاح، اذ يتطلب ذلك تطوير الأداء الإداري، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز الشفافية وتطبيق القانون على الجميع، والاستماع إلى احتياجات المواطنين وملاحظاتهم.
كما أن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية يحتاج إلى إجراءات عملية يشعر من خلالها المواطن بأن صوته مسموع، وأن ملاحظاته تؤخذ بجدية، وأن المؤسسات تعمل لخدمة المصلحة العامة.
وتبرز أهمية الشراكة بصورة واضحة في مواجهة التحديات التي تواجه المجتمعات، فمشكلات مثل ضعف الخدمات والبطالة، والتلوث والازدحام، والحفاظ على المال العام، تحتاج إلى تعاون مستمر بين المؤسسات الحكومية والمواطنين، فالدولة تضع الخطط والسياسات وتوفر الموارد والإمكانات، بينما يسهم المواطن في إنجاح هذه الخطط من خلال الالتزام والتعاون والمشاركة، وعندما يعمل الطرفان في اتجاه واحد، تصبح معالجة المشكلات أكثر واقعية وقابلية للاستمرار.
كما أن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى ثقافة مجتمعية جديدة تقوم على المسؤولية بدل الاتكال، وعلى المبادرة بدل الانتظار، فالمواطن الذي يطالب بتحسين الخدمات عليه أن يدرك أيضا أهمية المحافظة عليها.
فالذي يطالب بمكافحة الفساد عليه أن يرفض الممارسات التي تساعد على انتشاره، والذي يدعو إلى احترام القانون عليه أن يكون ملتزما به في حياته اليومية، ولذا فإن الإصلاح يبدأ من سلوك الفرد، ويتوسع ليشمل الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل ومؤسسات الدولة.
من أهم مقومات نجاح الإصلاح وجود قنوات واضحة للتواصل بين المواطن والدولة، فالمواطن يحتاج إلى معرفة كيفية تقديم الشكوى أو المقترح، والجهة المسؤولة عن متابعته، والمدة الزمنية اللازمة لمعالجته، وعندما تكون هذه الإجراءات واضحة وشفافة، يشعر المواطن بأن مشاركته ذات قيمة، وتتمكن المؤسسات في الوقت نفسه من التعرف على مكامن الخلل وتحسين أدائها.
ولا يمكن فصل الإصلاح الإداري عن الإصلاح المجتمعي، لأن المؤسسة تتكون من أفراد، والمجتمع يتأثر بسلوك أفراده ومؤسساته في الوقت نفسه، لذلك، فإن بناء دولة قوية يحتاج إلى موظف يؤدي واجبه بإخلاص، ومواطن يحترم القانون، ومسؤول يستمع إلى الناس، ومؤسسة تعتمد الكفاءة والعدالة في عملها، ومن خلال تكامل هذه الأدوار يمكن الانتقال من الحديث عن الإصلاح إلى ممارسة الإصلاح على أرض الواقع.



اضف تعليق