لماذا أستيقظ أحياناً متعباً قبل أن يبدأ يومي؟ كيف يمكن أن أشعر أنني استهلكت ساعات من التفكير، وأنا لم أغادر سريري بعد؟ متى أصبح الاطلاع على كل شيء سبباً في العجز عن التركيز في أي شيء؟ ولماذا أفتح هاتفي صباحاً لأعرف ماذا حدث في العالم، فأجد بعد دقائق أن العالم كله دخل إلى رأسي...
لماذا أستيقظ أحياناً متعباً قبل أن يبدأ يومي؟ كيف يمكن أن أشعر أنني استهلكت ساعات من التفكير، وأنا لم أغادر سريري بعد؟ متى أصبح الاطلاع على كل شيء سبباً في العجز عن التركيز في أي شيء؟ ولماذا أفتح هاتفي صباحاً لأعرف ماذا حدث في العالم، فأجد بعد دقائق أن العالم كله دخل إلى رأسي، فيما لم أجد دقيقة واحدة أسأل فيها نفسي: ماذا أريد أنا من هذا اليوم؟
أعترف أنني أفعل ذلك أحياناً. أستيقظ، أمد يدي إلى الهاتف قبل أن أمدها إلى كوب الماء، لا أبحث عن شيء محدد، وإنما أريد فقط أن أعرف ماذا حدث أثناء نومي. أفتح خبراً، ثم مقطعاً، ثم تعليقاً، ثم أجد نفسي أمام نقاش سياسي، ونصيحة صحية، وتحليل اقتصادي، وشخص يتحدث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، وآخر يشرح لي كيف أنجح في حياتي خلال سبع خطوات.
لم أكن قد نهضت من السرير، لكنني كنت قد دخلت العالم كله. ثم أضع الهاتف جانباً وأشعر بالتعب. أتوقف لحظة وأسأل نفسي: لماذا أنا متعب؟
لم أعمل، لم أدخل اجتماعاً، لم أكتب، لم أحمل شيئاً ثقيلاً. ومع ذلك أشعر أن رأسي امتلأ بما يكفي كي أحتاج إلى استراحة قبل أن يبدأ يومي.
ربما هنا تكمن واحدة من مفارقات حياتنا المعاصرة: لم يعد التعب ناتجاً دائماً عن كثرة ما نفعله، وإنما عن كثرة ما نسمح له بالدخول إلى عقولنا. أستيقظ اليوم ولا أستيقظ وحدي؛ تستيقظ معي الرسائل والتنبيهات والأخبار والمقاطع والمقارنات والآراء، وكأن العالم كله ينتظر مني أن أتعامل معه قبل أن أتعامل مع نفسي. ومن هذه التجربة اليومية بدأت أفكر في تعبير قاسٍ قد يبدو مستفزاً: ((زمن الأغبياء)).
هل أصبح الناس أقل ذكاء؟ أم أننا صنعنا بيئة تمنح السطحية فرصاً أكبر من العمق؟ ماذا يحدث عندما يستطيع شخص أن يحصل على ملايين المشاهدات من جملة مستفزة، بينما يحتاج الباحث إلى سنوات حتى يبني معرفة قابلة للدفاع عنها؟ لماذا أصبح صاحب الصوت الأعلى أكثر حضوراً من صاحب الفكرة الأكثر دقة؟ وهل المشكلة في عقول الناس، أم في النظام الذي يقرر أي الأفكار تصل إلى ملايين البشر وأيها تبقى محاصرة في كتاب أو بحث أو قاعة درس؟
عندما أقول ((زمن الأغبياء))»، لا أقصد إهانة الناس، ولا أعتقد أن الذكاء اختفى فجأة. أقصد مرحلة تغيرت فيها قواعد صناعة التأثير؛ أصبح الانتباه أحياناً أكثر قيمة من المعرفة، وأصبحت القدرة على جذب العيون معياراً للحضور، حتى إذا لم يكن لدى صاحبها ما يضيفه إلى فهمنا.
لقد دخلنا اقتصاداً جديداً للانتباه، وأشعر أحياناً أنني جزء من هذا الاقتصاد أكثر مما أتصور. فالمنصة لا تسألني أولاً: هل هذه الفكرة صحيحة؟ إنها تريد أن تعرف هل سأتوقف؟ هل سأشاهد؟ هل سأعلق؟ هل سأشارك؟ هل سأعود؟ وهكذا أصبحت أنا السلعة أحياناً.
كل دقيقة أقضيها أمام الشاشة لها قيمة. وكل لحظة غضب يمكن تحويلها إلى تفاعل. وكل فضول يمكن تحويله إلى مشاهدة. وكل خلاف يمكن أن يصبح مادة قابلة للتسويق. ولهذا قد تكون الجملة الأكثر استفزازاً أكثر قدرة على الانتشار من الجملة الأكثر دقة.
وهنا بدأت ألاحظ شيئاً يزعجني: الضجيج لا يحتاج إلى أن يكون عميقاً حتى ينتشر؛ يحتاج فقط إلى أن يكون قابلاً للاستهلاك. أتابع أحياناً شخصاً يتحدث بثقة شديدة عن موضوع يحتاج إلى سنوات من الدراسة. لا يقدم مصدراً، ولا يذكر كتاباً، ولا يترك مساحة لاحتمال أن يكون مخطئاً. يتحدث كما لو أن الحقيقة نزلت إليه شخصياً في المنام، ومعها شهادة خبرة مختومة من الكون. ثم أجد ملايين المشاهدات.
وأقول في نفسي ساخراً: ربما أخطأت الطريق. ربما كان عليّ أن أختصر سنوات البحث في دقيقة، وأرفع صوتي قليلاً، وأقول للجميع: ((هناك حقيقة لا يريدونكم أن تعرفوها)).
المفارقة أنني قد أقضي وقتاً طويلاً في قراءة موضوع، ومراجعة مصدر، والتفكير في جوانبه المختلفة، ثم أجد مقطعاً قصيراً يطرح حكماً قاطعاً حول القضية نفسها، ويحصل خلال ساعات على جمهور أكبر من جمهور النص الذي احتاج سنوات حتى يتشكل.
لا يعني ذلك أن كل مؤثر سطحي، ولا أن كل باحث عميق. المشكلة في المعيار الذي بدأ يحدد من يصل أولاً إلى وعينا. فقد انتقلت السلطة تدريجياً من سؤال: ((من يعرف؟)) إلى سؤال آخر: ((من يستطيع أن يجعلني أستمع؟)) وهذه نقلة ثقافية بالغة الخطورة.
لأنني عندما أعتاد الحصول على الفكرة في صورة سريعة ومثيرة، تصبح القراءة الطويلة ثقيلة، والتحليل المركب مرهقاً، والرأي المتردد أقل جاذبية. أريد جواباً سريعاً، وموقفاً واضحاً، وعدواً واضحاً، وبطلاً واضحاً، وخاتمة يمكن مشاركتها فوراً.
أحياناً أشعر أنني لا أقرأ الأخبار؛ الأخبار هي التي تقرأ نقاط ضعفي. تعرف ما يثير غضبي، وما يخيفني، وما يغريني، وما يجعلني أعود. والخوارزمية تتعلم معي، ثم تقدم لي المزيد مما يشبهني. وبعد فترة قد أجد نفسي داخل غرفة رقمية جدرانها مصنوعة من آرائي الخاصة.
أرى آلاف الأشخاص، لكنني أسمع الفكرة نفسها. أقرأ عشرات المنشورات، لكنها تؤكد قناعتي. أشاهد نقاشات كثيرة، لكنني نادراً ما ألتقي بفكرة تجبرني على إعادة التفكير.
وهنا مربط الفرس أفهم أن المشكلة ليست دائماً في نقص المعلومات. قد تكون المشكلة في أنني أعيش وسط وفرة معلومات تمنعني أحياناً من اكتشاف حدود معرفتي. والأسواء أنني قد أقول ((أنا أعرف)) قبل أن أبدأ البحث. هذه الجملة الصغيرة هي التي تخيفني أكثر من الجهل نفسه. لأن قول ((لا أعرف)) يفتح باباً للتعلم، بينما قول ((أنا أعرف)) قد يغلق الباب كله.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع أمامي مفارقة أكبر. أستطيع اليوم أن أطلب من أداة ذكية أن تلخص كتاباً، وتشرح نظرية، وتبحث عن فكرة، وتساعدني في كتابة نص، وتعيد ترتيب المعلومات خلال ثوانٍ. هذه قدرة هائلة، ويمكن أن تجعل الإنسان أكثر قدرة على التعلم والإنتاج.
لكنني أسأل نفسي: هل أستخدم هذه الأدوات كي أفكر بصورة أفضل، أم كي أتجنب التفكير؟ فقد أصبح بإمكاني الحصول على إجابة قبل أن أبذل جهداً في صياغة السؤال، والحصول على ملخص قبل أن أقرأ الكتاب، ونص قبل أن أفكر في الفكرة.
عند اذن تظهر واحدة من أكثر مفارقات عصرنا سواداً: لدينا أدوات تستطيع مساعدتنا على فهم ملايين الصفحات، ومع ذلك قد لا نملك الصبر لقراءة صفحة واحدة قبل أن نحكم عليها. لدينا محركات بحث تصل إلى المصادر الأصلية، ثم قد أشارك معلومة لأن شخصاً كتب تحتها: ((من مصدر موثوق)). كأن عبارة ((مصدر موثوق)) أصبحت مصدراً بحد ذاتها.
لهذا بدأت أرى أزمة القراءة بصورة مختلفة. المشكلة ليست فقط في عدد الكتب التي أقرأها، وإنما في قدرتي على البقاء مع الفكرة حتى نهايتها. القراءة العميقة تعلمني الصبر، وتجبرني على متابعة الحجة، ومراجعة افتراضاتي، وتحمل الغموض، والاعتراف بأن بعض الأسئلة لا تملك جواباً سريعاً.
أما التمرير المستمر بين المقاطع فيدربني على شيء آخر: الانتقال. انتقل من خبر إلى خبر، ومن قضية إلى قضية، ومن غضب إلى غضب، حتى يصبح عقلي غرفة يدخل إليها الجميع ولا يغادرها أحد. ولهذا أعود دائماً إلى السؤال الأول:
لماذا أستيقظ متعباً قبل أن يبدأ يومي؟
ربما لأن جزءاً من يومي يبدأ قبل أن أبدأه. وربما لأنني أسمح لعشرات الأشخاص والأفكار والأخبار أن يحتلوا مساحة من رأسي قبل أن أحدد أنا ما الذي يستحق هذه المساحة. وربما لأن التعب المعاصر ليس دائماً تعب العمل؛ أحياناً يكون تعب الاستجابة المستمرة.
رسالة تحتاج جواباً، خبر يحتاج موقفاً، مقطع يحتاج تعليقاً، قضية تحتاج رأياً، شخص يريد أن أعرف ماذا قال، وخوارزمية تريد أن أبقى.
وفي وسط كل ذلك، قد أنسى أنني لست ملزماً بأن أكون حاضراً في كل شيء، هذه الفكرة تحديداً جعلتني أعيد النظر في معنى الذكاء، ربما الذكاء اليوم ليس أن أعرف جواباً لكل سؤال، وإنما أن أعرف متى أبحث، ومتى أشك، ومتى أصمت، ومتى أقول ((لا أعرف))، ومتى أغلق الهاتف، ومتى أرفض أن أمنح دقيقة من انتباهي لشيء لا يستحقها.
لأن ((زمن الأغبياء)) لا يعني أن الأغبياء أصبحوا أكثر عدداً بالضرورة؛ ربما يعني أن البيئة أصبحت أكثر قدرة على تسويق السطحية ومنحها تأثيراً واسعاً. والسؤال الذي ينبغي أن يقلقني ليس: لماذا يتحدث الأغبياء كثيراً؟
السؤال الأصعب هو: لماذا أستمع إليهم كثيراً؟ فصاحب الضجيج لا يصنع نفوذه وحده. أنا أساهم في صناعته كلما منحته مشاهدتي، وتعليقي، وغضبي، ووقتي. ربما تبدأ مقاومة هذا الزمن من لحظة صغيرة في الصباح.
أن أستيقظ، وأترك الهاتف بعيداً قليلاً، وأشرب قهوتي من دون أن أعرف ماذا حدث في العالم، وأمنح نفسي دقائق لا يدخل فيها أحد إلى رأسي.
ثم أسأل نفسي: ماذا أريد من هذا اليوم؟ فربما لا أحتاج إلى يوم أطول، ولا إلى معلومات أكثر. ربما أحتاج فقط إلى أن أستعيد حقي في أن يبدأ يومي من داخلي، لا من شاشة تقرر ما الذي يجب أن أفكر فيه أولاً.



اضف تعليق