يشهد القلب الأوراسي صراعًا جيوسياسيًا وجيواقتصاديًا استراتيجيًا معقدًا، إذ تحاول روسيا، في ظل هذا الصراع، إيجاد مخرج يحقق لها نصرًا عسكريًا سريعًا، أو المحافظة على مكانتها الدولية كقوة كبرى طامحة في إعادة تشكيل بنية النظام الدولي، وهذا يعني القبول بشروط السلام من خلال الدخول في مفاوضات مباشرة مع أوكرانيا.
وعلى الجانب الآخر، يعمل الاتحاد الأوروبي في إعادة هندسة الأمن الإقليمي الأوروبي عبر عدد من الآليات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو في طبيعته يعني استمرار الخناق الجغرافي على روسيا وزيادة استنزافها اقتصاديًا وعسكريًا، إذ لم يتوقع القادة العسكريون الروس في بداية الحرب في عام 2022 حجم هذا الاستنزاف وأبعاده العسكرية والاقتصادية، إلا أن حلف الناتو وجد في هذا الاستنزاف فرصة ذهبية في إضعاف روسيا وشلّ قدرتها على المناورة والتمدد.
فبعد أن استُدرج الدب الروسي إلى مواقع تجمع سمك السلمون، بعد جهد وعناء كبير، عبر تهديد أوكرانيا بانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وجد نفسه في واحة ضحلة ضبابية الرؤية، وقد دمر بنفسه طريق العودة. ففي السنوات الأولى من الحرب حقق بوتين تقدمًا نوعيًا، تجسد في سيطرته على عدة مناطق استراتيجية في شمال وجنوب أوكرانيا، ومنها خيرسون ومدينة ماريوبول وأجزاء من زاباروجيا ودونباس، إلا أن هذا التقدم النوعي والساحق سرعان ما اصطدم بهجوم مضاد، أجبر الدب على الانسحاب السريع وخسارة عدة مناطق استراتيجية، ومنها شمال أوكرانيا (محور كييف وتشرنيهيف وسومي)، وفي شمال شرق أوكرانيا (إقليم خاركيف)، وكذلك في جنوب أوكرانيا (محور خيرسون)، فضلًا عن جبهات متحركة خلال (2023-2026)، والتي تجسدت في بؤر زاباروجيا ودونيتسك، إذ إن هذا الاستنزاف المخطط والمدروس لم يأتِ بقوة أوكرانيا العسكرية والاقتصادية وحدها، بل عن طريق حلف الناتو الذي قدم الدعم العسكري والاقتصادي الضخم لأوكرانيا، فضلًا عن الدعم المباشر الذي قدمته دول الاتحاد الأوروبي عبر أراضيها.
وتبرز في هذا الصدد بولندا، التي شكلت نموذجًا للردع والدعم العسكري لأوكرانيا، من خلال مركزيتها الاقتصادية الكبيرة، كواحدة من أكبر دول الاتحاد الأوروبي إنفاقًا على ترسانتها العسكرية، إذ تحتل المرتبة الأولى على مستوى دول الاتحاد، إذ بلورت أراضيها كجسر للدعم العسكري المباشر لأوكرانيا، والتي لطالما تعرضت لهجمات بطائرات روسية مسيرة وهجمات أخرى سيبرانية مدمرة استهدفت البنية التحتية من مستشفيات ومراكز صحية وأنظمة الطاقة. ويأتي دورها في هذا الصراع كإجراء وقائي في تأمين حدودها المشتركة مع بيلاروسيا، الحليف الاستراتيجي لموسكو، وقلب ترسانتها النووية. وفي هذا السياق يمكن بيان نقاط أو مواضع الاستنزاف الروسي في القلب الأوراسي، ومواضع تحقيق الردع الاستراتيجي من قبل الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا، وعلى النحو الآتي:
أولًا/ نقاط الاستنزاف:
لم تعد نقاط الاستنزاف للدب الروسي مقتصرة على القارة العجوز وحدها، بل امتد هذا الاستنزاف ليشمل الأحزمة الجغرافية والساحلية المحيطة بالقلب (الهلال الداخلي)، ولا سيما منطقة الشرق الأوسط، من خلال الآتي:
1- سوريا: في 30 أيلول من عام 2015، بدأ التدخل العسكري الروسي في سوريا، إذ جاء هذا التدخل استجابةً لنظام بشار الأسد بعد تدهور وإضعاف قوته ميدانيًا، إذ وجدت روسيا في هذا التنقل متنفسًا جيوسياسيًا باتجاه المياه الدافئة، وبناء القواعد العسكرية على البحر الأبيض المتوسط، وفي الوقت ذاته تقليل الضغط والاستنزاف العسكري والاقتصادي عليها في شرق أوروبا، عبر الاستفادة من النفط السوري والموارد الأخرى في استدامة أمد الحرب الأوكرانية.
إلا أن هذا التمدد سرعان ما واجه فاعلين جددًا ذوي أدوات استراتيجية عسكرية وسياسية معقدة، إذ بدأت فرنسا، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، تضيّق الخناق على الوجود العسكري الروسي في سوريا دبلوماسيًا وعسكريًا وسياسيًا. فمن الناحية السياسية والدبلوماسية واجهت فرنسا قرار الفيتو الروسي، وكانت أول الدول التي أصدرت قرارات في مجلس الأمن تجاه النظام السوري السابق حليف موسكو، وعدّت الجرائم التي ارتكبها الأسد تجاه شعبه جرائم حرب.
إضافة إلى ذلك، كانت فرنسا أول من اعترف بالمعارضة السورية الحالية وتقديم الدعم العسكري لها. وفي المقابل، لم يبقَ حلف الناتو متفرجًا على هذا الاستنزاف، إذ دخلت تركيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب فرنسا في الاستنزاف وتحجيم الدور الروسي في سوريا، عبر تقديم الدعم العسكري واللوجستي للمعارضة السورية، لينتهي الوجود العسكري الروسي بالانسحاب من سوريا في عام 2024.
2- إيران: هنا المعادلة مختلفة قليلًا، إذ سبقت معادلة الاستنزاف المتبادلة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، إذ كانت إيران شريكًا استراتيجيًا موثوقًا لموسكو في الحرب الأوكرانية، إذ قدمت الأولى دعمًا عسكريًا واقتصاديًا كبيرًا في حربها ضد أوكرانيا. فمن الناحية العسكرية تمثل الدعم الإيراني بالطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، والتي استفاد منها الروس بشكل كبير في تدمير عدة أهداف عسكرية للأوكرانيين من آليات ومواضع عسكرية. أما من الناحية الاقتصادية، فقد لعب أسطول الظل الإيراني، والذي يتألف من (500) ناقلة، إلى جانب أسطول الظل الروسي الذي يتألف من (450) ناقلة، وفق إحصائيات مراكز أبحاث غربية، دورًا كبيرًا في تهريب النفط الإيراني إلى روسيا، في محاولة لكسر العقوبات الدولية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على روسيا، والالتفاف عليها عبر طرق غير قانونية ملتوية ومعقدة من الجانبين الروسي والإيراني.
إذ إن هذه المعادلة أعطت تفوقًا واستنزافًا نوعيًا للروس في شرق أوكرانيا. أما معادلة الاستنزاف في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فقد صادرت هذا الاستنزاف نوعًا ما، فبعد أن كانت روسيا تعتمد بشكل كبير من خلال أسطول الظل على النفط الإيراني في ديمومة واستمرار الحرب، فقدت هذه الورقة الثمينة إثر العقوبات الأمريكية والحصار البحري العسكري على إيران، إذ تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من السيطرة على عدة سفن تابعة لأسطول الظل الروسي ومصادرة شحناتها، وتحول الدعم العسكري الإيراني لموسكو ضد أوكرانيا إلى استنزاف كبير وتحوط حول النظام ذاته.
ثانيًا/ مواضع الردع الاستراتيجي:
شهد الاتحاد الأوروبي، في ظل الحرب القائمة، إعادة هندسة منظومته الأمنية والعسكرية في عدة مواضع، منها سياسية وعسكرية واقتصادية، ويمكن إيجاز ذلك على النحو الآتي:
1- إحياء مثلث فايمار: في ظل تداعيات الحرب على دول الاتحاد الأوروبي عسكريًا واقتصاديًا، دعت ألمانيا وبولندا وفرنسا، في عام 2024، إلى إعادة تفعيل مثلث فايمار وتوحيد المواقف تجاه الحرب، وتعزيز الدعم العسكري والاقتصادي لكييف، والذي تمثل في معدات وأسلحة بعيدة المدى، في محاولة لكبح التمدد الروسي وتحقيق الردع على الجبهة الشرقية من القارة.
2- مبادرة البحار الثلاثة: تشكلت بوادر هذه المبادرة رسميًا في عام 2016، وتكونت من (13) دولة من دول الاتحاد الأوروبي، في مجال النقل والطاقة والرقمنة، إذ تضافرت جهود وإنجازات هذه المبادرة بشكل كبير خلال الحرب الروسية على أوكرانيا في مجال بناء الموانئ وسكك الحديد وخطوط نقل الطاقة، وتعزيز حماية البنية التحتية الرقمية، من أجل تحقيق الردع تجاه الهجمات السيبرانية الروسية في مجال الرقمنة والبنية التحتية.
3- الدرع الصاروخي: قامت بولندا ببناء قاعدة عسكرية للدفاع الصاروخي في عام 2024 بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، في شمال غرب بولندا، وعلى مسافة (100) ميل غرب جيب كالينينغراد الروسي، إذ تحوي القاعدة صواريخ اعتراضية مضادة للصواريخ بعيدة المدى، في محاولة لردع التهديدات الروسية الصاروخية تجاه بولندا وبقية دول الاتحاد الأوروبي.
4- الدرع الشرقي: يُعد الدرع الشرقي واحدًا من أكبر المشاريع الأوروبية العسكرية والمعقدة، إذ وُضع حجر الأساس له في عام 2024، وتمتد مدة إنجازه حتى عام 2030، إذ يتكون من تركيب معقد يجمع بين الحصون والملاجئ وأبراج المراقبة، ومنظومات دفاع جوي متطورة، والأكثر تعقيدًا من ذلك أنه يمتد على مسافة (700) كم على طول الحدود الشرقية بين بولندا وبيلاروسيا، الحليف الاستراتيجي لموسكو.
5- المناورات العسكرية الروسية مع بيلاروسيا: في قلب الصراع القائم شهدت روسيا مع حليفتها بيلاروسيا عدة مناورات عسكرية، استخدمت فيها مختلف الأسلحة الاستراتيجية بعيدة المدى، إذ كانت من أشهر هذه المناورات في عام 2025 مناورة زاباد التي استعرضت فيها روسيا أسلحتها الاستراتيجية على الحدود مع بولندا. لكن كان الاستعراض الأكثر تخوفًا وقلقًا لدول الاتحاد الأوروبي هو في عام 2026 الحالي، إذ استخدمت روسيا في هذا الاستعراض مع بيلاروسيا وعدة دول مشاركة أخرى، ومنها الهند، أسلحة نووية على الحدود مع بولندا، في رسالة مفادها: أوقفوا الدعم العسكري لأوكرانيا، وإلا سيحل الدمار.
في الختام، تشهد القارة العجوز ديناميكيات معقدة من الهندسة الأمنية والعسكرية، تتجسد بتحقيق المزيد من الردع تجاه موسكو، وتحاول الأخيرة، في ظل هذا الصراع، إيجاد آليات مباشرة وحاسمة له، دون فقدان الكثير من الاستنزاف العسكري والاقتصادي، ومحاولة نقل المعركة بعيدًا عن نظامها السياسي، إذ تخشى روسيا من جلب المعركة إلى قلب النظام السياسي الروسي وانهياره، وهو هدف لا يتوانى عنه الاتحاد الأوروبي، إذ يرمون إلى نقل المعركة إلى داخل روسيا، تمهيدًا لاستنزافها وتفكك نظامها السياسي على المدى البعيد، عن طريق انقلاب عسكري تقوده قيادات عسكرية مستاءة من سياسات بوتين وقراراته العسكرية ومحاكمته، في محاولة لضم روسيا إلى العائلة الأوروبية، وإنهاء الصراع الروسي الأوروبي.
وفي المقابل، يدرك بوتين هذا الهدف جيدًا، ويحاول قدر الإمكان نقل المعركة بعيدًا عن نظامه السياسي وعن النموذج الغربي المهدد بانهيار النظام السياسي، عبر التهديد أو التلويح بمسح الخارطة الأوروبية من على الأرض، إذ حاول الناتو المزيد من التمدد شرقًا.



اضف تعليق