تحوّل التراجع في العلاقات الجزائرية الإماراتية إلى أزمة شاملة قد تمتد تداعياتها إلى الثلث الشمالي من أفريقيا. ولم تكشف الجزائر صراحة عن الأسباب الدقيقة التي دفعتها إلى قطع العلاقات الدبلوماسية. وربما تجنبت الجزائر تحديد مظالمها أو شروط المصالحة كي تحتفظ بهامش من المرونة في أي محادثات مستقبلية. وقد تكون...
بقلم: مايكل بشير العياري، محلل أول، تونس
قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع أبوظبي، بعد سنوات من الخلافات بشأن الأزمات في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. وعلى الرغم من التباين الكبير في نظرة البلدين إلى نزاعهما، فقد تحوّل الخلاف إلى تنافس قد يعرّض الاستقرار الإقليمي للخطر.
في 10 أيلول/سبتمبر، قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في أحدث تجليات المواجهة بين البلدين بشأن سياساتهما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل. فمنذ عام 2020، أخذت الخلافات تتفاقم بين الجزائر وأبوظبي حول إسرائيل والمغرب والصحراء الغربية. كما تزايدت شكوك الجزائر في أهداف التدخل الإماراتي في الأزمات الدائرة في ليبيا والسودان ودول الساحل.
وتتسم هذه القطيعة بتباين واضح في التصورات. فالجزائر ترى أن الإمارات، الواقعة على مسافة بعيدة منها في الخليج، تتدخل في جوارها بشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، حيث تسعى الجزائر إلى استعادة نفوذها الدبلوماسي الذي مارسته لعقود بعد استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام 1962. وهي تنظر إلى التدخلات الإماراتية، في الحد الأدنى، باعتبارها تعدياً على مجال نفوذها التاريخي. أما أبوظبي، فتقول إن العلاقات الاقتصادية، لا الجزائر، هي محور انخراطها في أفريقيا، وتنفي أن تكون لديها أي نية لاستفزاز الجزائر أو تهميش دورها.
غير أن الخلاف الثنائي تحوّل إلى تنافس مفتوح، يزداد خطورة في ظل التغيرات التي تشهدها ترتيبات الأمن الإقليمي. فالجزائر تعمل على توثيق علاقاتها بالنيجر وتشاد، كما تدعم الجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع شبه العسكرية، وتساند الحكومة الليبية المعترف بها دولياً في طرابلس في صراعها على السلطة مع المشير خليفة حفتر، الذي تسيطر قواته على شرق البلاد. ويصف مسؤولون جزائريون هذه التحركات بأنها تعزز ”الحدود الإستراتيجية" للبلاد.
ولا تزال الجزائر على خلاف حاد مع المغرب بشأن الصحراء الغربية وقضايا أخرى، في حين بدأت لتوّها إصلاح علاقاتها مع مالي. وفي المقابل، تعمل الإمارات على بناء شراكات خاصة بها في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، تشمل دولاً وجماعات مسلحة، وتضعها في منافسة غير مباشرة مع الجزائر في كثير من الأحيان، لكن ليس دائماً.
من غير المرجح أن يدخل البلدان في مواجهة مباشرة؛ فشبكتا تحالفاتهما تتداخلان جزئياً، ولا تشكلان كتلتين متماسكتين من الخصوم. ومع ذلك، قد يؤدي التنافس بينهما إلى جرّ الجزائر أو الإمارات، أو كلتيهما، إلى صراعات قائمة، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر تصعيد محلي أو مواجهة غير مقصودة.
جذور القطيعة
على الرغم من الطابع المفاجئ للقطيعة في 10 أيلول/سبتمبر، فإنها كانت نتيجة مسار طويل من التدهور.
حتى عام 2020، كانت العلاقات الجزائرية الإماراتية قوية. ففي أوائل سبعينيات القرن الماضي، أرسلت الجزائر خبراء في النفط، من بينهم مسؤولون تنفيذيون من شركة سوناطراك الحكومية للمحروقات، إلى الخليج للمساعدة في إنشاء المؤسسات التي أصبحت لاحقاً شركة بترول أبوظبي الوطنية. كما أقام عبد العزيز بوتفليقة، الذي تولى رئاسة الجزائر بين عامي 1999 و2019، في أبوظبي من عام 1984 إلى عام 1987، حيث عمل مستشاراً دبلوماسياً للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والد الرئيس الحالي محمد بن زايد. وخلال فترة حكم بوتفليقة، حققت الاستثمارات الإماراتية اختراقات مهمة في الاقتصاد الجزائري، بما في ذلك في قطاع الدفاع. ففي عام 2012، على سبيل المثال، تعاون مستثمرون إماراتيون مع وزارة الدفاع الجزائرية وشركات حكومية في مشاريع مشتركة لإنتاج سيارات مرسيدس-بنز ومركبات نمر المدرعة المصممة إماراتياً داخل الجزائر. وأنشأت الإمارات شبكات من العلاقات داخل النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية الجزائرية، بقي بعضها قائماً حتى بعد سقوط بوتفليقة عام 2019.
شكّل تطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل عام 2020، في إطار ما يُعرف بالاتفاقات الإبراهيمية، أول شرخ في هذه العلاقة. فقد عارضت الجزائر بشدة إقامة أي دولة عربية علاقات مع إسرائيل قبل التوصل إلى تسوية شاملة للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وفي أيلول/سبتمبر 2020، انتقد الرئيس عبد المجيد تبون ما وصفه بـ”التسرّع" في اتجاه التطبيع، مؤكداً أن الجزائر لن تكون طرفاً فيه.
تزايدت المخاوف الجزائرية عندما أصبحت الإمارات، في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، أول دولة عربية تفتتح قنصلية في الصحراء الغربية، إذ أنشأت مكتباً دبلوماسياً في مدينة العيون الواقعة في الجزء الخاضع للسيطرة المغربية من الإقليم المتنازع عليه. وتُعد الجزائر منذ زمن طويل أبرز داعم خارجي لجبهة البوليساريو، التي تناضل من أجل استقلال الصحراء الغربية. وقد شكك صبري بوقادوم، وزير الخارجية الجزائري آنذاك، في مدى توافق الخطوة الإماراتية مع القانون الدولي، وأكد مجدداً دعم الجزائر حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. وبعد شهر، حذا المغرب حذو الإمارات وطَبَّعت علاقاتها مع إسرائيل، ما دفع السلطات الجزائرية إلى استشعار نشوء تحالف إماراتي مغربي إسرائيلي في جوارها المباشر.
تعزز هذا التصور بدرجة كبيرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، عندما وقّع المغرب وإسرائيل اتفاقاً تاريخياً للتعاون الدفاعي. وقد أضفى الاتفاق طابعاً رسمياً على العلاقات الدفاعية بين البلدين، ومهّد الطريق للتعاون في مجالات تشمل الاستخبارات والتدريب العسكري. نظرت السلطات الجزائرية إلى تعمّق هذه الشراكة باعتباره تهديداً مباشراً، وجزءاً من اصطفاف إقليمي يستهدف إضعاف بلادها.
امتدت المخاوف الجزائرية لتصل إلى اتهامات بالتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية. فقد اتهم مسؤولون المغربَ وإسرائيل بدعم حركة تقرير مصير منطقة القبائل، وهي حركة استقلالية صنّفتها الجزائر منظمة إرهابية عام 2021.
واستندوا في ذلك إلى أن ممثل المغرب لدى الأمم المتحدة دعا علناً إلى الاعتراف بحق الشعب القبائلي في تقرير المصير. كما اتهم عدد من الدبلوماسيين الجزائريين السابقين والمعلقين السياسيين الإمارات بالتورط في هذه الجهود المزعومة لزعزعة الاستقرار. وأفاد مركز أبحاث مقره المغرب، في تقرير منفصل، بوجود اتصالات بين ممثلين عن حركة تقرير مصير منطقة القبائل وشخصيات إماراتية، مستنداً، من بين مصادر أخرى، إلى مصادر داخل الحركة الاستقلالية القبائلية.
تعمّق الخلاف
أضافت خلافات إقليمية أخرى مزيداً من التوتر إلى العلاقات. ففي عامي 2020 و2022، عارضت أبوظبي تعيين وزيرين جزائريين متعاقبين للخارجية مبعوثين للأمم المتحدة إلى ليبيا، في ظل دعم الإمارات للمشير خليفة حفتر وتوثيق الجزائر علاقاتها بالسلطات في طرابلس. وبررت الإمارات اعتراضها بمواقف دول عربية وأطراف ليبية أعربت عن خشيتها من أن الجزائر، بوصفها دولة مجاورة ومنخرطة بعمق في النزاع، لا يمكن اعتبارها وسيطاً محايداً. وظهرت نقطة خلاف أخرى عام 2023، عندما عزت وسائل إعلام جزائرية موالية للحكومة إخفاق طلب الجزائر الانضمام إلى مجموعة بريكس إلى تحركات إماراتية لإفشال ترشحها.
لم تكن الآراء داخل الجزائر بشأن كيفية التصدي لتحركات الإمارات، الحقيقية منها والمتصوَّرة، متطابقة بالضرورة. فقد فضّلت بعض الأوساط داخل المؤسسة الأمنية ووسائل الإعلام المرتبطة بها اتباع نهج تصادمي، في حين خشيت أوساط أخرى، من بينها شخصيات مقربة من رئيس أركان الجيش السابق الفريق أحمد قايد صالح، أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بمصالح اقتصادية مهمة وروابط شخصية راسخة. ومع ذلك، ظلت الحدود الفاصلة بين هذه التوجهات المتباينة غير واضحة. وكلما تعارضت التحركات الإماراتية بدرجة أكبر مع الأولويات الإقليمية للجزائر، وأخذ يُنظر إليها باعتبارها تهديداً للأمن الوطني، ازدادت صعوبة ضبط النفس.
على الرغم من تردد الرئيس تبون في البداية في التعليق على المسألة، فإن انتقاداته للإمارات أخذت تتصاعد تدريجياً. ففي عام 2024، اشتكى من أن أموال دولة خليجية لم يسمّها تقف وراء كل صراع يندلع في المنطقة. وفي عام 2025، قال إن الجزائر تربطها علاقات جيدة بجميع الملكيات الخليجية باستثناء واحدة. وبحلول شباط/فبراير التالي، كان يدين علناً ”دولة صغيرة" تعمل على زعزعة استقرار العالم العربي ومنطقة الساحل.
ولم تحقق المحاولات المتعاقبة لاحتواء التوتر تقدماً يُذكر. فقد أبلغ دبلوماسيون جزائريون سابقون مجموعة الأزمات الدولية أن دولاً خليجية، من بينها البحرين وسلطنة عُمان، أوفدت مبعوثين إلى الجزائر لمحاولة الوساطة بين الطرفين. لكنهم قالوا إن الجزائر رفضت هذه المساعي، وستواصل رفضها ما دام ما تعتبره تدخلاً إماراتياً مستمراً. استمرت الاتصالات المباشرة بين البلدين، لكنها لم تنجح في تحقيق انفراج. وبحلول شباط/فبراير، عندما أنهت الجزائر العمل بالاتفاق الثنائي الموقّع عام 2013، الذي كان يوفر الإطار القانوني لحركة النقل الجوي بين البلدين، كانت فرص التسوية قد تقلصت إلى حد كبير.
التنافس في منطقة الساحل
مع تدهور العلاقات، أخذ الخلاف يمتد بصورة متزايدة إلى التنافس على النفوذ في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. فقد أثارت جولة وزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان في مالي والنيجر وبوركينا فاسو في أيار/مايو 2024 استياء الجزائر، التي لطالما وصفت مالي، على وجه الخصوص، بأنها دولة “شقيقة”. وكانت أبوظبي تعرض على عواصم دول الساحل التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، في وقت كان فيه النفوذ الغربي يتراجع في المنطقة، بينما كان قيام تحالف دول الساحل الجديد يفتح المجال أمام قوى خارجية جديدة لتؤدي دور الرعاة والشركاء.
وكانت هناك اعتبارات أخرى أيضاً. فبالنسبة إلى الإمارات، لا ينفصل التعاون الأمني عن المصالح الاقتصادية، ولا سيما ما يتعلق بالموارد الطبيعية. كما أن دور دبي في تجارة الذهب الدولية، بما في ذلك الذهب القادم من منطقة الساحل، منح الإمارات مصلحة إضافية في التطورات الإقليمية. وفي الوقت نفسه، كانت العلاقات التاريخية للجزائر مع باماكو والعواصم الأخرى لدول تحالف الساحل تبلغ أدنى مستوياتها.
يؤكد المسؤولون الإماراتيون أن انخراط بلادهم في المنطقة لا يستهدف الحلول محل الجزائر. وهم نادراً ما يصورون الجزائر باعتبارها منافساً عند مناقشة منطقة الساحل أو أي منطقة أفريقية أخرى. بدلاً من ذلك، يقولون إن أبوظبي تنفذ إستراتيجية واسعة النطاق تستند إلى الاعتبارات الجيو-اقتصادية، وتهدف إلى توسيع الحضور الإماراتي في قارة تزداد أهميتها. وكما أوضح رجل أعمال إماراتي ومسؤول حكومي سابق لمجموعة الأزمات طموحات أبوظبي: “إما أن تكون على طاولة المفاوضات أو على قائمة الوجبات”.
على النقيض من ذلك، يرى مسؤولون جزائريون أن الجمع بين الاستثمارات الإماراتية والشراكات مع الحكومات والنخب الاقتصادية والجهات المسلحة يمثل وسيلة لتقويض مصالح بلادهم. وتعتبر الجزائر منطقة الساحل ذات أهمية حاسمة لأمنها، ولا سيما منذ أن تخلت باماكو عن اتفاق السلام المبرم عام 2015 بوساطة جزائرية مع الجماعات الانفصالية المسلحة في شمال مالي، والتي تخشى الجزائر أن تتعاون مع جماعات تنتمي إلى الإثنيات نفسها على الجانب الجزائري من الحدود.
وتفاقمت المخاوف الجزائرية بسبب اتهامات بدفع فدى مالية، ورد ذكرها في تقرير للأمم المتحدة صدر في آب/أغسطس، وربطتها مصادر إقليمية بالإمارات، إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الجهادية، التي سيطرت على مساحات واسعة من الأراضي في مالي ودول أخرى بمنطقة الساحل. ولطالما أكدت الجزائر أن هذه المدفوعات تعزز الجماعات المسلحة الناشطة قرب حدودها.
وقد بلغ التباين في النهج وتقدير التهديدات ذروته خصوصاً في ما يتعلق بالتطورات في النيجر. فبعد الانقلاب الذي شهدته البلاد عام 2023، تدهورت العلاقات بين الجزائر ونيامي، ثم ازدادت سوءاً في نيسان/أبريل 2025، عندما استدعت النيجر سفيرها لدى الجزائر تضامناً مع السلطات في باماكو، التي كانت آنذاك على خلاف حاد مع الجزائر بشأن إلغاء اتفاق السلام وقضايا أخرى. لكن العلاقات الثنائية تحسنت لاحقاً، بعد زيارة قائد النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في شباط/فبراير التالي. واستأنف البلدان تعاونهما الأمني، بل ساعدت النيجر في التوسط للتقارب الراهن بين الجزائر ومالي.
للعلاقات مع النيجر بُعد اقتصادي مهم لكل من الجزائر والإمارات. فالجزائر تعتبر النيجر دولة محورية في مساعيها لاستعادة ارتباطها بأفريقيا جنوب الصحراء من خلال الطاقة والتجارة. ويتمثل مشروعها الرئيسي في خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يُفترض أن ينقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، ومنها إلى أوروبا. وللإمارات مصلحة منافسة في هذا المجال، إذ ينافس المسار العابر للصحراء مباشرة مشروع خط أنابيب الغاز الأطلسي المغربي، الذي يُتوقع أن يمتد بمحاذاة ساحل غرب أفريقيا، والذي قدمت الإمارات تمويلاً أولياً له.
وفي ظل هذه الخلفية، نظرت الجزائر إلى محاولة الانقلاب الفاشلة ضد تياني في 29 آب/أغسطس باعتبارها تهديداً لمصالحها. وسرت شائعات في الجزائر عن دور إماراتي في المحاولة. ولم تُقدَّم حتى الآن أدلة تثبت هذه المزاعم، لكنها عمّقت الشكوك بشأن أنشطة الإمارات في منطقة الساحل. ردَّت الجزائر على محاولة الانقلاب بإرسال أربع مقاتلات من طراز سوخوي Su-30MKA إلى نيامي، برفقة طائرة للتزود بالوقود جواً من طراز Il-78 وطائرة نقل من طرازIl-76، وأبلغ محللون جزائريون مجموعة الأزمات أن الجزائر أرسلت أيضاً فنيين ومتخصصين في الخدمات اللوجستية وعناصر مكلفة بحماية القوات. وإلى جانب توجيه رسالة واضحة بدعم حكومة تياني، أظهرت هذه الخطوات تصميم الجزائر على استعادة نفوذها في منطقة خسرت فيها قدراً كبيراً من النفوذ، ويبدو أنها باتت تعتبر الإمارات أحد أبرز خصومها.
كما عكست التحركات الجزائرية تحولاً أعمق، له انعكاسات أيضاً على العلاقات مع الإمارات، يتمثل في الابتعاد عن النفور التقليدي للجزائر من العمليات العسكرية خارج حدودها. فمنذ الاستقلال، صاغ القادة الجزائريون السياسة الخارجية لبلادهم حول مبادئ عدم الانحياز، ومناهضة الإمبريالية، والسيادة الوطنية، والوساطة الدبلوماسية، والتضامن بين دول الجنوب، ودعم حركات التحرر الوطني وتقرير المصير، والأهم من ذلك، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وقد شهدت هذه المبادئ استثناءات، إذ فسرت الجزائر أحياناً مبدأ عدم التدخل بمرونة عندما اعتقدت أن مصالح مهمة لها باتت على المحك. لكن التردد في إرسال قوات عسكرية نظامية إلى الخارج ظل، عموماً، قيداً مؤسسياً قوياً. ولم يُنشأ إطار قانوني يسمح بنشر القوات في الخارج إلا عام 2020، بموجب تعديل دستوري. ولا تزال هذه العمليات تتطلب موافقة البرلمان، كما أنها تقتصر على المهام التي تحظى بتفويض دولي.
في الآونة الأخيرة، روّج رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، لمفهوم ”الحدود الإستراتيجية“. وعلى الرغم من أن هذا المفهوم لا يقر رسمياً بحق التدخل العسكري في الدول المجاورة، فإنه يوسّع النطاق الأمني للجزائر، من خلال اعتبار الاضطرابات والجماعات المسلحة وشبكات التهريب خارج حدودها تهديدات محتملة لأمنها الوطني.
التنافس في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي
في صراعات إقليمية أخرى، تقف الجزائر والإمارات أيضاً على طرفي نقيض. ففي ليبيا، تلقت قوات المشير حفتر، على مدى سنوات، دعماً إماراتياً واسعاً. أما الجزائر، فقد وقفت إلى جانب حكومة طرابلس، التي تربطها بدورها علاقات وثيقة بالنيجر. وفي السودان، تؤيد الجزائر الجيش، الذي تعتبر قيادته الممثل الشرعي للبلاد. وأبلغ عدد من المحللين الجزائريين مجموعة الأزمات أن الجزائر قدمت سراً للجيش السوداني عام 2025 معدات، من بينها مقاتلات روسية قديمة من طراز ميغ-29 وقطع غيار. وفي المقابل، تشير أبوظبي إلى الإدارة التي يقودها الجيش بوصفها ”سلطة بورتسودان“، في إشارة إلى مقرها السابق في المدينة، وتتعامل معها باعتبارها مجرد طرف من أطراف النزاع. ويُعتقد على نطاق واسع أن الإمارات تقدم الدعم إلى الخصم الرئيسي للجيش، أي قوات الدعم السريع، لكن الإمارات تنفي هذه الاتهامات.
لقد خلّفت السياسات المتباينة تجاه السودان تداعيات أوسع. إذ يُقال إن شرق ليبيا وجنوبها شكّلا ممرات لوجستية لنقل الإمدادات إلى قوات الدعم السريع، يُزعم أنها قادمة من الإمارات. وفي السابق، كان جانب كبير من هذه المعدات يمر عبر شرق تشاد. أما الإمارات، فتؤكد أن أنشطتها في شرق تشاد ذات طابع إنساني، وتهدف خصوصاً إلى إيصال المساعدات إلى اللاجئين السودانيين. وقال خبير جزائري لمجموعة الأزمات إن صناع القرار في الجزائر يبدون عازمين على تعزيز علاقاتهم مع نجامينا، جزئياً على الأقل، لموازنة ما يرونه شبكات إماراتية في تشاد مرتبطة بالنزاع السوداني. ومع ذلك، استثمر الرئيس التشادي إدريس ديبي قدراً كبيراً من رصيده السياسي في علاقته بالإمارات، التي يمنحها دعمها المالي الكبير نفوذاً يصعب على الجزائر مجاراته. ويشمل هذا الدعم اتفاقاً لتمويل الموازنة بقيمة 1.5 مليار دولار، وُقّع عام 2023.
تنطوي هذه العلاقات المتنافسة على خطر تعميق الانقسامات الإقليمية، إذ ترتبط قوات حفتر وتشاد عموماً بعلاقات وثيقة مع أبوظبي، في حين تتعاون طرابلس والنيجر بدرجة أكبر مع الجزائر. وفي المقابل، قد يؤدي تصاعد التنافس الجزائري الإماراتي إلى تعميق الانقسامات القائمة في ليبيا، وتحويل الخلافات المحلية إلى ساحات للمواجهة الإقليمية غير المباشرة. وقد حدث ذلك بالفعل إلى حد ما. ففي آب/أغسطس 2024، تقدمت قوات حفتر باتجاه غدامس، على مسافة بضعة كيلومترات فقط من الحدود الجزائرية، في تطور اعتبرته الجزائر تهديداً لها. انحسرت الأزمة في نهاية المطاف، بعدما نفى المتحدث باسم حفتر أن تكون المدينة هدفاً عسكرياً، وأكد أن الحدود مع الجزائر آمنة. ومع ذلك، عززت الحادثة التصورات السائدة في الجزائر بشأن وجود تهديد في جوارها تدعمه الإمارات.
لا تزال التوترات تتصاعد. فالجزائر تشعر بقلق متزايد إزاء نفوذ حفتر في جنوب ليبيا، حيث أحكمت قواته قبضتها على طرق التهريب المربحة، وعززت تعاونها مع نجامينا في محاربة الجماعات المتمردة التشادية. وبذلك، حصل حفتر على مصدر مهم للدخل، ودفع المتمردين التشاديين باتجاه شمال النيجر، ولا سيما منطقة ممر السلفادور الإستراتيجية، الأمر الذي فاقم الاضطرابات قرب الحدود الجنوبية للجزائر.
تساعد هذه التطورات مجتمعة على تفسير التحول الذي تشهده مقاربة الجزائر للأمن الإقليمي. فبدلاً من التعامل مع الأحداث في ليبيا والنيجر والسودان بوصفها ملفات منفصلة، باتت الجزائر تنظر إليها على نحو متزايد باعتبارها تحديات مترابطة.
احتواء المواجهة
وهكذا، تحوّل التراجع في العلاقات الجزائرية الإماراتية إلى أزمة شاملة قد تمتد تداعياتها إلى الثلث الشمالي من أفريقيا. ولم تكشف الجزائر صراحة عن الأسباب الدقيقة التي دفعتها إلى قطع العلاقات الدبلوماسية. فقد جاء بيان وزارة الخارجية مبهماً، إذ أشار إلى أعمال “استفزازية أو عدائية“، وإلى تحذيرات سابقة لم تردع أبوظبي عن الاستمرار في سلوك لم يحدده البيان. وربما تجنبت الجزائر تحديد مظالمها أو شروط المصالحة كي تحتفظ بهامش من المرونة في أي محادثات مستقبلية. وقد تكون صعوبة إثبات بعض الشكاوى أيضاً أحد الأسباب التي دفعتها إلى اتخاذ موقف ملتبس.
أما المسؤولون في أبوظبي، فقد بدت لهم القطيعة مفاجئة ومحيرة في آن واحد. وعلى الرغم من أنه لم يسمِّ الجزائر، ألمح أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إلى الأزمة في منشور على منصة “إكس“، اشتكى فيه من ”ألغاز وإشارات تتطلب تفكيكاً لشيفرتها" في العلاقات بين الدول. واتخذت وزارة الخارجية الإماراتية نبرة أكثر تصالحية، معربة عن أملها في أن تكون القطيعة مؤقتة. وقال عدد من المحللين الإماراتيين إن النزاع أهم بكثير بالنسبة إلى الجزائر منه إلى الإمارات، بالنظر إلى انشغال أبوظبي بالحرب في الخليج.
تؤكد هذه الردود التباين في وجهات النظر: ففي حين ترى الجزائر أن تحالفات أبوظبي تشكل تهديداً متزايداً لنفوذها الإقليمي، تعتبر أبوظبي أن انخراطها في المنطقة جزء من إستراتيجية تُحركها مصالح سياسية واقتصادية وأمنية تتجاوز أي علاقة ثنائية. لكن الواقع أن أياً من البلدين لا يستطيع منع الآخر من العمل في ساحة إقليمية تزداد تنافسية وشراسة.
كذلك، لا يمكن تصنيف الحكومات والجماعات المسلحة في المنطقة بسهولة ضمن كتلتين متنافستين. فلكل من النيجر وتشاد والأطراف الليبية المختلفة أجندته الخاصة، التي قد لا تتوافق تماماً مع تطلعات الجزائر أو الإمارات. ومع ذلك، فإن التوترات الثنائية مرشحة للازدياد، في ظل تبني الجزائر نهجاً أكثر حزماً، ومضي الإمارات في توسيع نطاق تحركاتها الجغرافية من دون أن تبدو مدركة تماماً لعمق المخاوف الجزائرية، أو على الأقل من دون أن تقدّر بما يكفي قناعة الجزائر بأن أبوظبي تتحدى مكانتها الإقليمية.
من الأفضل بكثير للبلدين اتخاذ خطوات وتغيير طريقة تفكيرهما بما يضمن ألا يتحول النفوذ الإماراتي في جوار الجزائر، ولا رد فعل الجزائر عليه، إلى شرارة مواجهة ثنائية. أولاً، ورغم أن المصالحة الكاملة قد تكون بعيدة المنال في الوقت الراهن، فإن الحفاظ على قنوات الاتصال غير الرسمية أو استعادتها من شأنه أن يساعد على توضيح نيات كل طرف، والحد من احتمالات سوء الفهم والصدام غير المقصود. ثانياً، ينبغي للجزائر تجنب تفسير كل تحرك إماراتي في الدول المجاورة على أنه جزء من إستراتيجية تستهدف مصالحها. وأخيراً، يتعين على أبوظبي أن تأخذ المخاوف الأمنية الجزائرية بجدية أكبر. وينبغي لها أن تدرك أن شراكاتها الإقليمية، ولا سيما تلك التي تشمل جهات مسلحة من غير الدول، قد تهدد المصالح الجزائرية حتى عندما لا تكون هذه النتيجة مقصودة.
ينبغي أن يكون للبلدين مصلحة مشتركة في منع الخلافات المحلية من دفعهما إلى مزيد من المواجهة، خصوصاً أن الحكومات والجماعات المسلحة في الدول المجاورة تتبع أجندات لا يستطيع أي من الطرفين السيطرة عليها بالكامل. ومن دون بذل جهود من هذا النوع، قد تتعمق القطيعة، بما يزيد خطر تحول الأزمات المحلية إلى عداء مفتوح. وستكون النتيجة تفاقم التوترات في منطقة تعصف بها بالفعل صراعات دامية.



اضف تعليق