يرصد التقرير تراجع تجارة الدهينة الكربلائية نتيجة الحرب والكساد وانحسار أعداد الزوار الأجانب، ولا سيما الإيرانيين، وتراجع قدرتهم الشرائية. ومن خلال حكاية صانع الدهينة أبي حمزة الوائلي، يكشف أثر الأزمة في الإنتاج وفرص العمل ومعيشة الأسر المرتبطة بالمهنة. كما يوثق مخاوف اندثار حرفة متوارثة ارتبطت بهوية كربلاء وأسواقها...

نقر أبو حمزة الوائلي بالقاشطة على حافة الصينية نقراتٍ خفيفة، بحركة اعتادتها يده منذ سنين.

هي نقرات يعرفها أهل كربلاء منذ زمن بعيد، ينادي بها باعة الدهينة على بضاعتهم، فيلتفت إليها المارة قبل أن تقع أعينهم على الحلوى.

على مقربة منه تستقر صينية واحدة على نار هادئة، لتُقدَّم الدهينة للزبون ساخنة كما يحبها، فيما ينساب صوت تلاوة القرآن الكريم من مكبرات الحرمين الحسيني والعباسي الشريفين. طوال اللقاء، مرّ أمام باب المحل نحو عشرين شخصاً، فرادى وجماعات صغيرة، أغلبهم زوار عراقيون، ألقى بعضهم نظرة عابرة على الصواني ومضى.

وحدها سيدة توقفت وسألت عن السعر، فاشترت نصف كيلو وانصرفت.

«الحال من سيئ إلى أسوأ»، يقول الوائلي، صانع الدهينة الذي تجاوز الخمسين، ولم يعرف في حياته مهنة غيرها.

بعد أكثر من عقدين أُغلق فيهما طريق الزيارة أمام الإيرانيين منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، عادوا إلى المدينة إثر سقوط النظام السابق عام ٢٠٠٣.

أخذت أعدادهم تتزايد بعد ذلك، حتى بلغت في عام ٢٠٠٨ ما بين ألف وخمسمئة وألفي زائر كل يوم، رغم سوء الأوضاع الأمنية، أي نحو نصف مليون زائر في العام.

لم يتوقف العدد عند ذلك، بل ظل يتصاعد عاماً بعد عام، حتى قال مسؤول السياحة الخارجية الإيراني مسلم شجاعي، في تشرين الأول من العام الماضي، قبل الحرب بأشهر، إن نحو ثمانية ملايين إيراني زاروا العتبات في العراق خلال عام واحد.

إلى جانبهم توافد على كربلاء زوار من دول الخليج، وآخرون قادمون من أوروبا وأمريكا، وإن بأعداد أقل، فكان الإيرانيون أكثر الوافدين إلى المدينة عدداً، لا الوافدين الوحيدين.

طوال تلك السنوات، غادر الزوار القادمون من خارج العراق كربلاء محمّلين بعلب الدهينة، بقدر عدد الأسر العزيزة عليهم، لكل أسرة علبتها التي تنتظرها حين يعود صاحبها من الزيارة.

لم تخلُ بلدانهم من الحلوى، غير أن الدهينة من كربلاء، ولهدية كربلاء عند أهلهم مكانة خاصة.

هذه الأيام، لا يبلغ عدد الزوار القادمين من خارج العراق إلى كربلاء خمسمئة زائر في أسبوعين، بحسب رابطة شركات السفر والسياحة في كربلاء.

جاءت الحرب في أواخر شباط، فأغلقت طرق المنطقة أو كادت، وانحسر معها الزوار الإيرانيون والخليجيون، وهم الذين حملوا الجزء الأكبر من تجارة الهدايا في المدينة.

أما من يصل منهم، فيحسب نفقاته بدقة، فتراجعت الهدايا إلى آخر قائمة مشترياته، ومعها الدهينة التي طالما ملأت حقائب العائدين من كربلاء.

هكذا تتقلص هذه التجارة الصغيرة، التي عاشت عليها محال المدينة القديمة.

هي حلوى ذهبية داكنة تميل إلى لون البرونز، يذوب فيها السكر مع جوز الهند المبروش والدهن الحيواني في مذاق يبقى في الفم طويلاً. تُعرض في محل الوائلي على طاولات مخصصة لها، بعض صوانيها مكشوفة وبعضها مغطاة بأقمشة خاصة مشبَّكة، ويُباع الكيلو منها بثمانية آلاف دينار.

يقول بعض أهل المهنة إنها نجفية في أصلها، حطّت رحالها في كربلاء في زمن لا يذكره أحد على وجه الدقة، فوجدت في المحال المحيطة بالحرمين الشريفين زواراً يبحثون عن هدية يعودون بها إلى أهلهم.

تُباع على مدار العام، وصارت من سمات المدينة، غير أن رواجها الأكبر في مواسم الزيارة، حين تخرج من كربلاء في حقائب القادمين إليها.

المحل محل أبيه، وفيه بدأ أبو حمزة العمل في الثانية عشرة من عمره.

على الجدار ما زالت صورة الأب معلقة، تطلّ على الصواني كأن صاحبها لم يغادر المكان.

لم يدخل الابن المهنة مكرهاً، فقد أحب أباه وأحب أن يرافقه أينما ذهب، فأحب الصنعة لأنها تجمعه به.

غير أن الحب الذي شدّه إلى الصنعة لم ينتقل إلى أبنائه.

هم لا يرغبون في المهنة، ويرونها شاقة لا تستحق العناء.

«هذا الجيل ما يحب الشغل، يحب اللهو»، يعلّق.

أحدهم في السادسة عشرة، يوزّع وقته بين المدرسة والفرن، لكنه يأتي استجابة لإلحاح أبيه أكثر مما يأتي رغبة في الصنعة.

أما الهمّ الأقرب الذي يؤرقه فهو الرزق.

«حالنا تراجع هواي بسبب الحروب والحصار في الدول المجاورة»، يضيف الوائلي.

سبعة عمال اشتغلوا معه في سنوات الرواج، ولم يبقَ منهم سوى اثنين، بعد أن خفّض إنتاجه ليتناسب مع الطلب.

عشرات الصواني ما زالت مركونة فارغة على رف الفرن، لم تُستعمل منذ أن ضاقت الأحوال.

في نهاية بعض الأيام تبقى كميات من الدهينة بلا مشترين، فيبيعها أحياناً بأقل من كلفتها، ويضطر أحياناً أخرى إلى التخلص منها.

خلف هذه الخسائر أسرةٌ تعيش من الفرن.

«صرنا نعيش بالقدرة»، يقول أبو حمزة.

يحكي أنه صار يعجز عن توفير أبسط ما يحتاجه أولاده الخمسة، بعد أن كان قبل سنوات يشتري لهم ما يريدون بلا حساب. اليوم صار البيت يقتصر على الضروريات، واستغنت الأسرة عن أشياء كثيرة كانت تراها أساسية.

خمسة عمال فقدوا عملهم في الفرن، وخسر كل واحد منهم أجراً اعتاد أن يحمله إلى أهله.

على امتداد السوق تتكرر الحكاية نفسها.

في سوق ما بين الحرمين، يصف مصطفى، الشاب الذي يبيع المسابح ولعب الأطفال، كيف يساوم الزوار الإيرانيون طويلاً ليبلغوا سعراً يقدرون عليه، ثم يخرج أغلبهم بأكياس أخف مما تمنوه.

«إنهم لا يقدرون على الشراء، وهذا مؤلم»، يختصر مصطفى.

قرب مقام التل الزينبي، وقف مقداد زاده، الزائر القادم من مشهد، مع ثلاثة رجال، وليس في أيديهم ما يدل على أنهم اشتروا شيئاً.

قال إن كثيراً من الإيرانيين بالكاد يجمعون كلفة الرحلة ونفقاتها الضرورية، فلا يبقى في جيوبهم ما يشترون به هدايا لأقاربهم وجيرانهم.

ثم لخّص حاله بقوله: «تراجعت أعمالنا كثيراً، ولم نعد قادرين على الإنفاق كما في السابق».

يعرف أبو حمزة اليوم أن الصنعة التي ورثها قد تتوقف عنده، لكنه ما زال يفتح فرنه كل يوم، ويصنع الدهينة نفسها التي صنعها أبوه، ويتمنى أن تضع الحرب أوزارها، فيعود الزوار إلى كربلاء.

ارتفع صوت الأذان من الحرمين الشريفين، فراح الزوار يستعجلون خطاهم أمام المحل على أمل اللحاق بصلاة الجماعة.

لم يعرّج أحد منهم على المحل.

بقيت الصينية على نارها الهادئة، تنتظر زبوناً قد يأتي.

اضف تعليق