خاض العراقيون ولا يزالون يخوضون معارك أيديولوجية استنزفت المجتمع والدولة، متمثلين ميولاً نفسية واجتماعية تحول الاختلاف في الرأي إلى اختلاف في الهوية. إن مأزقنا ليس في تعدد الأفكار، بل في أسر المفاهيم داخل قوالب تاريخية جامدة وتحويلها إلى انتماءات صراعية لا تقبل المراجعة...
خاض العراقيون وما زالوا يخوضون معارك أيديولوجية ومفاهيمية استنزفت المجتمع والدولة على مدار تاريخهم الوسيط والحديث والمعاصر، ولم تكن جميعها تعبيراً عن اختلافات فكرية عميقة بقدر ما كانت انعكاساً لتركيبة نفسية واجتماعية وسياسية تتداخل فيها الروح الجدلية والتسرع والحكم المسبق على النوايا، مع التعصب للميول والتفضيلات الفكرية والخصومة مع كل من لا يتطابق مع الموقف.
تبدو الشخصية العراقية في جانب من تجلياتها السياسية والاجتماعية ميالة إلى تحويل الاختلاف في الرأي إلى اختلاف في الهوية، وإلى التعامل مع الموقف الفكري باعتباره معياراً للصواب والانتماء لا مجرد اجتهاد قابل للنقاش والمراجعة، أذ تتداخل الحاجة النفسية إلى الانتصار مع وهم امتلاك الحقيقة، فتتحول المناقشة إلى خصومة، والاختلاف إلى استقطاب، والمفهوم إلى راية جبهة حق يتعين الدفاع عنها مهما كانت كلفتها.
شهد التاريخ السياسي العراقي صراعات حادة بين القوميين والشيوعيين تحت عناوين الوحدة القومية والفكر الأممي التقدمي، ولم تكن الشعارات والمفاهيم وحدها هي التي تحرك تلك الصراعات، بل كان التنافس على السلطة وأحقية احتكار القرار السياسي وتحديد اتجاه الدولة حاضراً بقوة، حتى تحولت الاختلافات إلى مواجهات دامية وسباقا على السلطة بروح استبدادية عقيمة.
كما عاش العراق صراع ثنائية العلمانية والإسلام، وتمترست الأطراف خلف تصوراتها ومواقفها المسبقة، من دون محاولة كافية لتحرير موضوع النزاع وفهم تطور المفاهيم ودلالاتها وحدودها التاريخية لتخفيف حدة الصراع وكلفته الباهظة. مع أن كثيراً من التناقضات التي جرى تضخيمها لم تكن بالضرورة تستدعي ذلك القدر من الاستقطاب، ولا تحول دون بناء نظام سياسي وقانوني يستوعب التعدد والاختلاف.
بعد عام 2003، دخل العراق في سلسلة جديدة من المعارك المفاهيمية المرتبطة بطبيعة السلطة والنظام السياسي وعلاقات البلاد الخارجية، فظهرت ثنائيات الوطنيين والولائيين، والوطن والعقيدة، والمدنية واللامدنية، والسيادة والارتباط بالمحاور. وكأننا نعيد إنتاج التاريخ نفسه بأسماء ومصطلحات جديدة، من دون أن نتعلم كيف نحرر النزاعات من إسقاطاتها الأيديولوجية والشعبوية، ونفصل بين جوهر الفكرة وبين توظيفها السياسي.
إن إحدى السمات اللافتة في التجربة العراقية هي تحول الاختلاف الفكري إلى خصومة اجتماعية وسياسية مستدامة. فنحن نعيش ثنائيات لا تنتهي: حداثي وتقليدي، تقدمي ورجعي، إصلاحي وغير إصلاحي، ليبرالي وبروليتاري، وطني وأممي. والمشكلة ليست في وجود هذه الاختلافات، فهي ظاهرة تاريخية عرفتها المجتمعات والأمم، بل في جرعة التعصب واليقين المطلق التي نضفيها عليها، وفي الطريقة التي تتحول بها المواقف الفكرية إلى مكونات للهوية الجمعية. فعندما يتماهى الفرد مع جماعته السياسية أو الأيديولوجية إلى درجة يرى فيها ذاته وكرامته ومكانته، يصبح التراجع عن موقفه أشبه بالتنازل عن هويته، وتصبح مراجعة الفكرة اعترافاً بالهزيمة، لا ممارسة للعقل النقدي، وتتغذى الروح الجدلية على الصوابية المتوهمة، ويغدو الانتصار للموقف أهم من اختبار صحته، وتتحول الخصومة إلى حالة اجتماعية يعاد إنتاجها عبر الأجيال وعبر الخطاب السياسي ووسائل التعبئة الجماهيرية.
لعل المشكلة الأعمق تكمن في ندرة تحرير المفاهيم من دلالاتها الشعبوية واستخداماتها السياسية، وعدم التوقف عند تطورها التاريخي وما طرأ عليها من تحولات فكرية وقانونية. فالمفهوم ليس نصاً جامداً ولا شعاراً أبدياً، إنما هو نتاج سياق تاريخي واجتماعي قابل للتطور. وحين نفقد القدرة على التمييز بين المفهوم في أصله المعرفي وبين توظيفه في الصراع السياسي، يصبح أداة للتعبئة والهيمنة والسيطرة على الرأي العام، بدلاً من أن يكون وسيلة للفهم والتفسير.
لا نجد مثلا تناقضا حتمياً ماهويا بين الانتماء الوطني والالتزام الديني، ولا بين المدنية والهوية الإسلامية، ولا بين أولوية السيادة والمصلحة الوطنية والتضامن الديني أو الأممي. إن المفاهيم تتطور بتطور المجتمعات والدول، وتتشكل حولها موضوعات جديدة تستدعي مقاربات معرفية وسياسية مختلفة.
وليس من المعقول أن نفرط بمصلحة وطنية راجحة بدعوى الوفاء لمبدأ عابر للحدود، أو أن نضع سيادة الدولة ومصالح مواطنيها في مرتبة ثانوية أمام تصورات أيديولوجية لا تستجيب لتعقيدات الدولة الحديثة ونظام العلاقات الدولية. فهل يمكن أن نلغي الدول العربية القائمة وحدودها وأنظمتها ومصالحها الوطنية لمجرد أن اتفاقية سايكس بيكو أسهمت في رسم جزء من خرائط المنطقة؟ وهل يمكن إعادة إنتاج دولة الخلافة أو الولاية الدينية العابرة للحدود من دون النظر إلى واقع الدول والمجتمعات وتعدد مصالحها وتكويناتها السياسية والقانونية؟ وهل يستطيع أي تصور للولاية العامة أن يتجاوز إرادة المجتمعات وسيادة الدول وما قد يترتب على ذلك من اختلالات في الأمن والاستقرار؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف العقائد أو المعتقدات، وإنما تدعو إلى إخضاع التصورات السياسية المستمدة منها للمراجعة الفقهية والعقلانية، والتمييز بين الالتزام الديني ومتطلبات إدارة الدولة وحماية مصالح المجتمع.
إن بعض من يتصدرون هذه المعارك باسم العقيدة يتجاوزون أحياناً مقتضيات فقهها ذاته، بما يتضمنه من أحكام تتعلق بأولوية المصالح العامة، والتمييز بين الواجبات العينية والتكاليف الكفائية التي يستطيع آخرون النهوض بها. ثمة انتقائية تُستَحضر وتُستعمل وسيلة لتبرير الموقف السياسي حتى عندما يتعارض مع مقتضيات الفكرة التي يعلن الدفاع عنها. ويصبح الولاء للشعار مقدماً على مقتضيات المصلحة العامة، والانتصار للهوية الأيديولوجية أهم من مسؤولية الفرد والجماعة تجاه الدولة والمجتمع.
إن مأزقنا ليس في تعدد الأفكار ولا في اختلاف المرجعيات، وإنما في أسر المفاهيم داخل قوالب تاريخية جامدة، وفي تحويلها إلى انتماءات صراعية لا تقبل المراجعة. ألم يحن الأوان لأن ننتقل من الجدل حول الشعارات إلى تحرير المفاهيم والنظر في جوهر القضايا؟، أليس الأجدى من الحكم على النوايا مناقشة الأفكار بموضوعية وعقلانية بدل المسارعة إلى احتكار الحقيقة والشطب على المقاربات والقراءات المتعددة؟. المجتمعات لا تتقدم بفرض المفاهيم والشعارات، وإنما بقدرتها على إنتاج عقل نقدي يميز بين الثابت والمتغير، وبين العقيدة وتوظيفها السياسي، وبين المبدأ ومقتضيات الواقع. وما لم نتعلم من تجارب تاريخنا القريب والبعيد، ونكسر أسر اليقين والصوابية المغلقة، سنظل نخوض معارك زائفة بوعي زائف، ونتصارع على الهوامش بينما تتراكم أزمات الدولة والمجتمع في المتن الحقيقي لحياتنا.



اضف تعليق