تقدم الأمم وثنائية النظام والاقتصاد

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

لم يكن تقدم الشعوب ونهضتها نتاج الصدفة أو العبث، بل هو ثمرة راسخة لعمودين أساسيين لا قوام للأمم من دونهما وهما: النظام والاقتصاد، وقد أضحت إدارة شؤون العالم اليوم معتمدة بشكل كلي على هذين المحركين، فبالنظام تتحدد المسارات وتتنظم الطاقات وتُصان الحقوق وتستقيم الممارسات، وبالاقتصاد القوي تتوافر الموارد وتُبنى القوة...

(يجب أن نأخذ بالنظام والاقتصاد في حياتنا الآنية وبعيدة المدى) 

الإمام الشيرازي

لم يكن تقدم الشعوب ونهضتها نتاج الصدفة أو العبث، بل هو ثمرة راسخة لعمودين أساسيين لا قوام للأمم من دونهما وهما: النظام والاقتصاد، وقد أضحت إدارة شؤون العالم اليوم معتمدة بشكل كلي على هذين المحركين، فبالنظام تتحدد المسارات وتتنظم الطاقات وتُصان الحقوق وتستقيم الممارسات، وبالاقتصاد القوي تتوافر الموارد وتُبنى القوة وتتحقق الرفاهية والتطور والسيادة والاستقرار. 

الحضارات المعاصرة لم تسيطر على مقاليد العصر إلا بعدما حوّلت الانضباط إلى ثقافة يومية، واستثمرت مواردها بفكر مالي واستراتيجي حصيف، مما جعل الدنيا تسير اليوم تحت مظلة التخطيط المحكم والنماء المستدام، وفي المقابل، فإن أي مجتمع أو شعب يفقد أحد هذين المقومين يجد نفسه مجروراً إلى مربع الفوضى والضعف، إذ لا يمكن لاقتصاد أن ينمو في بيئة تغيب عنها سيادة القانون، ولا يمكن لنظام أن يصمد أمام عجز مالي وفقر متجذر. 

والتهاون في صيانة النظام أو إهمال المقومات الاقتصادية يضع أي أمة على منحدر سريع نحو التراجع والاندحار، حيث تتآكل المؤسسات، وتضيع الطاقات، ويسود الاتكال، مما يؤدي بالضرورة إلى هبوط مستمر ومتسارع لا يتوقف حتى تهوي تلك الجماعة إلى أدنى المراتب الحضارية والاجتماعية، وتصل إلى أسفل سافلين بين أمم الأرض.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (أنفقوا لكي تتقدموا): (لقد أصبحت الدنيا تسير ــ على الأغلب ــ تحت رعاية النظام والاقتصاد، فكل جماعة أو أمة أو شعب، يفقد أحد هذين الأمرين يهبط مستواه.. ويستمر بالنزول حتى يصل أسفل سافلين).

إرساء سيادة القانون وتطبيق النظام

ومن المؤشرات الواضحة إن غياب مقوميّ النظام والاقتصاد عن واقع معظم المجتمعات الإسلامية كان سبباً رئيساً في حالة التراجع والضعف التي نشهدها اليوم، فبعد أن كان الانضباط وحسن إدارة الموارد يمثلان جوهر الحضارة الإسلامية، أدى إهمال التخطيط المنظم والقصور في بناء اقتصاد معرفي وإنتاجي متين إلى اتساع الفجوة التنموية والحضارية. 

بينما أدرك الطرف الآخر أهمية السياسات الاقتصاديّة الصارمة وإرساء سيادة القانون وتنظيم الطاقات البشرية، فجعل منها حجر الزاوية لنهضته الشاملة، مما مكنه من تحقيق الصعود المتواصل والسيطرة على مختلف الميادين المادية والعلمية، وهكذا فإن استمرار هذا التباين جعل الأمة في حالة ارتهان واستهلاك دائمين بدلاً من الإنتاج والقيادة، وتأخرت تبعاً لذلك في شتى جوانب الحياة ومجالاتها. 

ولن يتأتى الخروج من هذا المأزق الحضاري إلا بإعادة الاعتبار للعمل المؤسسي المنظم، وبناء اقتصاد قوي يستند إلى العلم والابتكار والاعتماد على الذات، لاستعادة المفهوم الحقيقي للفاعلية والشهود الحضاري بين الأمم.

لهذا يؤكد الإمام الشيرازي:

بأن (المسلمين فقدوا كلا الأمرين وهما النظام والاقتصاد - إلا ما ندر- ولهذا نلاحظ تأخرهم كل يوم في جميع جوانب الحياة، بينما الطرف المقابل أخذ بالصعود كل يوم في مختلف نواحي الحياة).

ولو أننا بحثنا في التجربة اليابانية لوجدنا بأنها نموذج ملهم يُثبت أن النهوض الحضاري ليس احتكاراً للغرب، بل هو حصيلة الانضباط والعمل المتقن، فقبل قرن من الزمان فقط، كانت اليابان تعيش حالة من التأخر والعزلة، لكنها أحدثت تحولاً تاريخياً فارقاً عندما اتخذت من النظام الدقيق والاقتصاد الإنتاجي منهجاً ثابتاً لإدارة شؤون الدولة والمجتمع. 

لم تعتمد اليابان على ثروات طبيعية وفيرة، بل راهنت على بناء الإنسان وتنظيم الطاقات والاستثمار الشامل في التكنولوجيا والصناعة، وهذا التلاحم الصارم بين الإدارة المحكمة والرؤية الاقتصادية النافذة مكّنها من تحقيق قفزات متسارعة، لتغزو الأسواق العالمية بصناعاتها الفائقة الجودة، وتتحول من دولة متأخرة إلى قوة اقتصادية وصناعية كبرى باتت تنافس العمالقة وتفرض حضورها الهام.

الإمام الشيرازي يذكر في هذا الصدد:

(لندع الغربيين جانبا، فهذه اليابان غزت العالم بصناعتها مع أنها ــ قبل مائة سنة ــ كانت من الدول المتأخرة، إنها أخذت فجأة بالنظام والاقتصاد، ولذا أخذت بالتصاعد حتى بدأت تهدد الغرب في صناعتها).

نقل الأمة من الاستهلاك إلى الإنتاج 

ولعل مفارقة عدم أخذنا بالنظام والاقتصاد تكمن في غياب الفهم الواعي لدورهما، وتتجذّر هذه المشكلة بوضوح في سلوكياتنا الفردية؛ إذ ترى أصحاب الثروات ينفقون عشرات الألوف على بناء دورهم وتأثيثها، ويخصصون مبالغ باهظة للسفر والترفيه، ويتكبدون النفقات الطائلة في المناسبات الشخصية كتزويج الأولاد، لكنهم يتعاملون مع القضايا الجماعية بشحّ شديد. 

فإذا بُسطت أيديهم للتبرع لمشروع تنموي أو نفعي، لم يجودوا إلا بدنانير معدودة وهذه ظاهرة مشخصة وواضحة للعيان، ويعكس هذا التناقض خللاً عميقاً في الأولويات وغياباً للتخطيط الاقتصادي الواعي الذي يوازن بين الرفاه الشخصي والمسؤولية المجتمعية، مما يعطل بناء نهضة حقيقية قائمة على الاستثمار المؤسسي والتضامن المنظم.

حيث يتساءل الإمام الشيرازي قائلا:

(لماذا لم نأخذ بالنظام والاقتصاد، في حين يجب أن يكونا من واقعنا؛ لا شيئاً يفرض علينا فرضاً، إنك ترى الثري الفلاني يبني داره بعشرات الألوف، ويؤثثها بالألوف، ويخصص لسفره ــ كل عام ــ ألفاً أو أكثر، ويزوج ولده بعشرة آلاف أو أكثر، فإذا قيل له: تبرع لمشروع كذا. فيتبرع بخمسة دنانير أو عشرة).

ولسنا نأتي بأي جديد حينما نقول بأن الإسلام يقوم في صميمه على ركنين مكينين هما النظام والاقتصاد، متقدماً بذلك على المناهج البشرية في إدراك أثرهما الحاسِم، ففي جوانب التنظيم وإدارة الحياة، يتجلى تأكيد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وصيته الخالدة: «الله الله في نظم أمركم»، داعياً إلى الانضباط والاتساق في كل مجالات العيش. 

وفي العناية بالجانب المالي واستقرار الفرد، يقرر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أهمية الكفاية والتمكين المادي بقوله: «نعم العون على الدين: الغنى»، مبيناً أن القوة الاقتصادية سند لإقامة القيم والاستقلال، ومن هنا بات لزاماً علينا تمثل هذين المبدأين كمنهج أصيل وعقيدة عمل يومية تحقق لنا الاستقرار والتطور المتصاعد.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(الإسلام أول دين نادى بهذين الأمرين النظام والاقتصاد، فقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام: (الله.. الله.. في نظم أمركم). وقال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم العون على الدين: الغنى).

لذلك يتطلب نهوض المسلمين استعادة التوازن الحضاري عبر تحويل النظام والاقتصاد إلى واقع عملي مؤسسي، يتم تطبيقه الفعلي، من خلال ترجمة قيم الانضباط والسيادة القانونية في إدارة الطاقات، واستثمار الموارد الكامنة لبناء اقتصاد معرفي وإنتاجي متين يقلل من التبعية للآخر، ويضاعف النزوع نحو الاستقلالية المنتِجة، ويزاوج بين التخطيط المحكم والاستثمار الفعال، فهذا هو الكفيل بنقل الأمة من الاستهلاك إلى الإنتاج.

وفي النهاية نقول إن رقيّ الأمم ورفعتها يظلان مرهونين في التمسك بثنائية النظام والاقتصاد، فهما المحركان الأساسيان لكل نهضة حضارية مستدامة، حيث يستقيم أداء المؤسسات من خلال النظام وتتأطر الطاقات البشرية في مسارات إنتاجية واعية، وبالاقتصاد القوي تتوافر الموارد وتتحقق القوة والاستقلالية، وإن إغفال أيّ منهما يُلقي بالشعوب في متاهة العجز والتبعية، بينما الجمع بينهما يمهد الطريق نحو الريادة والارتقاء بين الأمم.

اضف تعليق