يناقش المقال تداعيات انسحاب التحالف الدولي من العراق وتأجيل حصر سلاح الفصائل المسلحة، في ظل ضغوط اقتصادية وإقليمية وأمنية متشابكة. ويعرض مواقف إيران والفصائل والولايات المتحدة، ومخاطر الفراغ الأمني وعودة داعش، ثم يستشرف أربعة سيناريوهات لمسار نزع السلاح، مؤكدًا أن سيادة الدولة ستظل مرتبطة بقدرتها على احتكار القوة...

شكل يوم ٣٠ أيلول ٢٠٢٦ محطة فارقة في المسار الأمني والسياسي العراقي، إذ أعلن الجانبان العراقي والأمريكي، رسميًا، اكتمال انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي من قاعدة أربيل الجوية، آخر نقاط الوجود العسكري الأجنبي في البلاد، منهيةً بذلك مهمة استمرت نحو اثني عشر عامًا. غير أن اكتمال هذا الاستحقاق لم يترافق مع الاستحقاق الثاني الذي كان من المفترض أن يتزامن معه، أي حصر سلاح الفصائل المسلحة بيد الدولة؛ إذ أقدمت الحكومة العراقية على تمديد المهلة الممنوحة للفصائل حتى ٣٠ حزيران ٢٠٢٧، في مؤشر على أن مسار نزع السلاح تحوّل فعليًا إلى مسار تنظيم السلاح المؤجل.

أولًا: الضغوط الهيكلية الدافعة نحو تسوية نزع السلاح

دفعت الحرب الإقليمية الأخيرة العراق إلى مواجهة أسئلة قسرية بشأن مستقبله السياسي ودور الفصائل المسلحة فيه، وحدود التأثير المتواصل منذ أكثر من عقدين للنفوذ الإيراني. وقد سبقت الحرب مقدمات طويلة، تعود في معظمها إلى الوضع غير الطبيعي الذي تشكلت فيه مؤسسات الدولة بعد الاحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣، ثم إلى عجزها أمام الانهيار البنيوي الذي مثله ظهور تنظيم داعش واحتلاله مدنًا عراقية، وترافق ذلك مع انخراط العراق في المحور الإقليمي الإيراني، بما شمل محاولة استنساخ التجربة الإيرانية في بناء منظومات أمنية وسياسية واقتصادية موازية لمؤسسات الدولة، تستولي تدريجيًا على أدوارها التقليدية، في نمط معروف تصفه أدبيات علم الاجتماع السياسي بالدولة الموازية أو ازدواجية مراكز القرار.

ويمكن تمييز ثلاثة مستويات من المتغيرات أسهمت في بلورة اتجاه داخل العراق وخارجه، للضغط من أجل دفع الحكومة الحالية إلى مواجهة السلاح خارج إطار الدولة:

1- الضغط الاقتصادي البنيوي

نتج عن إغلاق إيران مضيق هرمز تراجع حاد في الصادرات النفطية العراقية، كاشفًا عن هشاشة اقتصادية غير مسبوقة تهدد قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وضاعف توسع نظام العقوبات الأمريكي من الأضرار التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني، الذي بات يعتمد على شبكات التهرب من العقوبات عبر البيئة العراقية. وأرهقت سياسات التوسع في الإنفاق الاستثماري التي اعتمدتها حكومة محمد شياع السوداني بين عامي ٢٠٢٢ و٢٠٢٦ بديون تجاوزت ١٠٠ تريليون دينار عراقي، فيما تراجع احتياطي البنك المركزي إلى ٨٥ مليار دولار.

2- التحولات في موازين القوى الإقليمية

نقلت الهجمات المتواصلة على دول الخليج والأردن، انطلاقًا من الأراضي العراقية، ملف الفصائل المسلحة من أزمة محلية إلى تهديد يمس بنية الردع الإقليمي ذاتها، وأثار تحويل الأراضي العراقية إلى منصة اعتداء على دول عربية أسئلة جديدة حول علاقة المنظومة العربية بالعراق، وأفضى إلى استهداف مقار للحشد الشعبي بضربات أمريكية سعودية، في نموذج لحدود السيادة المخترقة التي بات العراق يعاني منها.

3- التشظي الداخلي وعقدة إدارة الأزمة

عكست المعطيات الداخلية احتمالات متصاعدة لتصادم القوى المسلحة فيما بينها رغم التصريح بالاحتواء، إلى جانب تشنج سياسي متنامٍ قد يدفع باحتمالات تجدد الاحتقان الشعبي على غرار أحداث تشرين في ٢٠١٩، وتنامي خطابات إعادة التموضع الفيدرالي. ودفع انعدام ثقة الإطار التنسيقي بقدرته على إدارة الأزمة إلى تشكيل حكومة تتقمص دور الوسيط بين الفاعل الإيراني من جهة، والضغوط الأمريكية والإقليمية من جهة أخرى.

ثانيًا: انسحاب للقوات الأجنبية مقابل تأجيل لنزع السلاح

تحقق الشطر الأول من المعادلة المتقابلة: انسحاب أمريكي أجنبي، مقابل تأجيل الشطر الموازي: نزع سلاح الفصائل. فقد أعلنت الحكومة العراقية، بعد ٣٠ أيلول، انسحابًا كاملًا للقوات الأجنبية من العراق، فيما أعلن المتحدث باسم البنتاغون اختتام «عملية العزم الصلب» رسميًا مع مغادرة آخر القوات والمعدات قاعدة أربيل الجوية، على أن تنتقل العلاقة مع دول التحالف إلى صيغة علاقات أمنية ثنائية. وقد عطلت الحكومة العراقية عمل المؤسسات الرسمية من ٣٠ سبتمبر حتى الأحد التالي احتفالًا بـ«يوم السيادة»، في خطوة رأى مراقبون أنها حملت رسالة ردع رمزية مزدوجة: إلى الفصائل المسلحة بأن مبرر بقاء سلاحها «في مواجهة الاحتلال» قد سقط، وإلى إيران بأن استعادة الدولة لاحتكار أدوات العنف باتت مستحقة.

غير أن الشطر الثاني من المعادلة لم يتحقق بالصورة ذاتها؛ إذ كشفت المعطيات اللاحقة أن الحكومة العراقية أمهلت الفصائل المسلحة حتى ٣٠ حزيران ٢٠٢٧ لحصر سلاحها، أي بعد تسعة أشهر كاملة من اكتمال الانسحاب الأمريكي، في تأكيد على أن الربط التلقائي بين الاستحقاقين الذي قامت عليه التفاهمات الأصلية جرى فكه عمليًا لمصلحة معادلة أكثر مرونة، تمنح الفصائل المسلحة هامشًا زمنيًا إضافيًا، بما ينسجم مع منطق احتواء الفصائل المسلحة بدلًا من إنهاء دورها.

ثالثًا: الموقف الإيراني من الانسحاب ونزع سلاح الفصائل

تحول الموقف الإيراني من الانسحاب الأمريكي في العراق إلى خطاب استراتيجي يدرج الحدث العراقي ضمن مشروع إقليمي أشمل، فقد وصف الحرس الثوري الإيراني، في بيان رسمي، اكتمال الانسحاب بأنه «انتصار تاريخي»، مهنئًا الشعب العراقي والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية والمقاتلين الثوريين في العالم الإسلامي، وداعيًا القوات الأمريكية إلى مغادرة المنطقة وترك مهمة إدارة الأمن للشعوب نفسها. كما اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن جبهة المقاومة هي المنتصرة الآن، في تأطير يضع طهران الانسحاب العراقي في سياق صراعها الأوسع مع واشنطن حول مستقبل الوجود الأمريكي في غرب آسيا، لا بوصفه استحقاقًا عراقيًا سياديًا بحتًا.

يعكس هذا الخطاب استمرار المقاربة التي تقوم على فصل مسار الانسحاب الأمريكي، الذي لا تمانع طهران الاحتفاء به كمكسب رمزي ضمن محور المقاومة، عن مسار نزع سلاح الفصائل المسلحة الذي تتعامل معه بوصفه أداة ردع استراتيجي لا يمكن التفريط بها، خصوصًا في مرحلة الحرب التي جعلت من شبكة الفصائل المسلحة في العراق ولبنان واليمن رافعة تعويضية لموازين القوى بينها وبين واشنطن وتل أبيب.

رابعًا: موقف الفصائل المسلحة من الانسحاب وتسليم السلاح

عبرت الفصائل المسلحة عن موقفها من اكتمال الانسحاب بخطاب يمزج بين الاحتفاء السياسي والتحوط الأمني، فقد وصفت تنسيقية المقاومة المسلحة في العراق الانسحاب بأنه انتصار تاريخي لفصائل المقاومة الإسلامية العراقية، وهزيمة ساحقة للمشروع الأمريكي، وأن سيادة العراق لا يمكن أن تصونها قوات أجنبية، بل المقاومة وإرادة شعبه، في استدراك واضح ولافت بأن الفصائل المسلحة ستعمل على ملء الفراغ، وهو خطاب واضح يؤكد استمرار وجودها المسلح الموازي.

ويتسق هذا الخطاب مع المعادلة التي تفصل بين موعد الانسحاب الأمريكي وموعد التعامل مع سلاح الفصائل المسلحة، واستمرار الحشد الشعبي بوصفه الغطاء المؤسسي الذي تحتفظ الفصائل المسلحة من خلاله بسلاحها وخصوصيتها، مقابل تعهدات بعدم تنفيذ عمليات عسكرية جديدة. وقد تجسد ذلك عمليًا في تمديد المهلة الحكومية حتى حزيران ٢٠٢٧، بما يحول حصر السلاح من استحقاق متزامن مع الانسحاب إلى مسار تفاوضي ممتد، يمنح الفصائل المسلحة والجهة الراعية لها هامشًا زمنيًا لإعادة ترتيب أوراقها في ضوء تطورات الحرب الإقليمية ومسار التفاوض الأمريكي الإيراني.

خامسًا: الموقف الأمريكي واستمرار منطق الردع التدريجي

لا يبدو أن المشهد النهائي الذي صاغته إيران حول الفصائل المسلحة في العراق يرضي واشنطن، أو ينسجم مع تعهدات رئيس الوزراء العراقي بحصر السلاح بيد الدولة، غير أن المعطيات لا تشير إلى ردود فعل أمريكية حادة تجاه تمديد المراحل الزمنية لاعتبارات مرتبطة بمنطق الردع التدريجي أكثر من المواجهة المباشرة.

فلم تعد خطط إنهاء مهمة التحالف قابلة للتراجع عمليًا، والبديل المطروح يقتصر على دفع الحكومة العراقية إلى توقيع اتفاق أمني ثنائي يضمن وجود وحدات لحماية النشاط الدبلوماسي والشركات، في نموذج لإعادة التموضع من الانتشار المباشر إلى الشراكة الأمنية عن بُعد. كما تراهن واشنطن على فاعلية العقوبات الجزئية المتواصلة في تقويض شبكات التمويل الإيرانية داخل العراق، مع استمرار الاستعداد لعمليات عسكرية مشتركة مع دول المنطقة كلما نفذت الفصائل المسلحة هجمات جديدة ضد دول حلفائها، على غرار الضربة الأمريكية السعودية في ٢٩ تموز الماضي، وهو ما سيضع الحشد الشعبي نفسه موضع المساءلة الرسمية.

أي إن عامل الوقت والضغط الاقتصادي المركب كفيلان بإعادة تشكيل الخريطة السياسية الداخلية وإضعاف منظومات النفوذ التي بنتها إيران داخل العراق، بما يجعل من إدارة الأزمة بديلًا مقبولًا مؤقتًا عن حسمها.

سادسًا: تحديات الانسحاب وتأجيل ملف نزع السلاح

تحذير مسعود بارزاني حول الانسحاب الأجنبي من العراق بأن سيناريو داعش سيتكرر بعد انسحاب قوات التحالف، له دلالات واقعية باعتبار أن التنظيم لا يزال موجودًا في مناطق التماس بين الحكومة الاتحادية والإقليم، ويمكن أن تستفيد منها هذه الجماعة.

وفي السياق ذاته، وصف رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني توقيت الانسحاب الأمريكي بأنه «شديد الحساسية»، بل «مخجل»، معتبرًا أن حالة عدم الاستقرار الأمني تمثل تهديدًا لأسس النظام الاتحادي، وأعرب عن قلقه من ترك إقليم كردستان دون منظومات دفاعية فاعلة، مشيرًا إلى تعرض الإقليم لأكثر من ألف هجوم صاروخي وبطائرات مسيرة خلال الحرب الأخيرة، في إشارة إلى فقدان المظلة الدفاعية الأمريكية التي كانت تسهم في امتصاص هذه التهديدات. وهذا يعني أن العلاقة بين بغداد وأربيل ستتعقد أيضًا، بما سينعكس سلبًا على الاستقرار السياسي والأمني في حال لم تنجح الحكومة في حسم ملف نزع سلاح الفصائل أو تحييدها، بما يسهم في عودة تنظيم داعش مرة أخرى.

تكشف هذه التحذيرات عن بُعد إضافي لمعضلة الفراغ الأمني في العراق، فهو لا يقتصر على احتمال استغلال الفصائل المسلحة غياب الرادع الأمريكي، بل يمتد إلى هشاشة الترتيبات الأمنية بين المركز والإقليم، وإلى تهديدات إرهابية ما زالت قادرة على استثمار أي تراخٍ في التنسيق الأمني أو انشغال الدولة بإدارة ملف الفصائل المسلحة على حساب الجبهات الأخرى.

كما لا يمكن فصل مآلات الملف العراقي عن المعطى الإقليمي الذي فرضته الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، التي اندلعت مطلع عام ٢٠٢٦، فقد انجر العراق إلى هذه الحرب بصورة غير رسمية، خصوصًا مع تصعيد الفصائل المنضوية في تنسيقية المقاومة الإسلامية، وهو ما أدى إلى اختراق شبه كامل لسيادته الجوية والمائية من قبل أطراف الصراع كافة، وإلى تعرض إقليم كردستان لمئات الهجمات الصاروخية والمسيّرات انطلاقًا من إيران ومن فصائل موالية لها على حد سواء.

وتكمن الأهمية التحليلية لهذه الحرب في أنها لم تعد تشكل الموازين العسكرية فحسب، بل أعادت تعريف أولويات الأمن الإقليمي ذاتها، إذ يتجه النظام الإقليمي الذي يتشكل الآن نحو مجموعة من الدوائر الأمنية المتداخلة بدلًا من تحالف إقليمي واحد شامل: دائرة خليجية إيرانية لإدارة الجوار ومنع التصعيد، وترتيبات خاصة بأمن الممرات والطاقة، في مقاربة تقوم على الانتقال من منطق توازن الردع الذي ساد طوال العقدين الماضيين إلى منطق توازن المصالح الذي يربط الاستقرار الأمني بالتشابك الاقتصادي المتبادل.

ويطرح هذا التحول إشكالية بنيوية بالنسبة للعراق تحديدًا: فكلما اتجه النظام الإقليمي الجديد نحو اتفاقات عدم اعتداء بين دول الخليج وإيران، واحترام متبادل للسيادة، وربط الأمن بالمصالح الاقتصادية، أصبح وجود تنظيمات مسلحة تمتلك -بمعزل عن الدولة- قرارًا مستقلًا بالحرب والسلم، كحال الفصائل المسلحة العراقية، أكثر تعارضًا مع منطق هذا النظام الناشئ، وأكثر عرضة لأن تتحول من أصل استراتيجي بالنسبة لإيران إلى عبء استراتيجي، يُثقل كاهل علاقاتها الإقليمية الجديدة، وهو ما يفسر اعتماد إيران على الفصائل الموالية كأداة ردع غير متماثل تعويضًا عن محدودية قدراتها العسكرية إزاء التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي.

في المقابل، يظل العراق بحكم موقعه الجغرافي وحدوده الطويلة مع إيران وروابطه المذهبية والسياسية والاقتصادية الممتدة، من أكثر الدول المرشحة للتأثر بأي اضطراب داخلي إيراني إضافي أو بأي استئناف للمواجهة، بما يجعله ساحة اختبار مركزية لمدى قدرة الدولة على حماية سيادتها في ظل بيئة إقليمية تعاد صياغة قواعدها الأمنية والاقتصادية.

سابعًا: سيناريوهات ما بعد ٣٠ أيلول

السيناريو الأول: وهو الأكثر ترجيحًا في ضوء تمديد المهلة حتى حزيران ٢٠٢٧، هو تطبيق جزئي ومتدرج لآليات حصر السلاح، يتضمن اتفاقًا زمنيًا مرنًا مع الفصائل المسلحة يفضي إلى تجميد نشاطها العسكري الخارجي من دون إنهاء تهديدها البنيوي، بانتظار تطورات الصراع الإقليمي ومستقبل التفاوض الأمريكي الإيراني، ويشمل ذلك استمرار دعم منظومات الحشد الشعبي، بوصفها الغطاء المؤسسي الذي يحمي الفصائل المسلحة، مع احتمال لجوء الحكومة إلى تغيير أدواتها إذا عجزت عن إدارة التوازن بين الضغطين الأمريكي والإيراني.

السيناريو الثاني: استثمار حكومة الزيدي اعتراف الأطراف كافة بحقها في تمثيل سيادة الدولة على السلاح، مستندة إلى استكمال الانسحاب الأمريكي والدعم الإقليمي والشعبي لإطلاق مقاربة شاملة تجرد الفصائل المسلحة من عناصر قوتها، عبر إعادة هيكلة الحشد الشعبي ودمج مقاتليه الأفراد في المؤسسات الأمنية والمدنية، وقطع صلاتهم بالقيادات الحزبية والفصائلية. وقد شكلت معظم مرتكزات هذا السيناريو جوهر خطاب حكومة الزيدي خلال الأشهر الماضية، غير أن تمديد المهلة إلى منتصف عام ٢٠٢٧ يشير إلى تراجعه لمصلحة السيناريو الأول.

السيناريو الثالث: تدخل أمريكي منفرد أو متعدد الأطراف لمعالجة تهديدات الفصائل المسلحة العراقية عبر إجراءات شاملة، سواء من خلال تحالف دولي أو قرارات جديدة من مجلس الأمن، وهو سيناريو يبقى مرهونًا بمسار الحرب الإيرانية الأمريكية ومآلاتها الإقليمية الأوسع، ولا تدعم المعطيات الراهنة احتمال تحرك استباقي واسع النطاق ضده.

السيناريو الرابع: يتمثل بالتهديد الأمني الموازي. ففي ضوء تحذيرات مسعود بارزاني، لا يمكن استبعاد سيناريو يتقاطع فيه فشل حصر سلاح الفصائل المسلحة مع تجدد نشاط تنظيم داعش في مناطق التماس بين بغداد وأربيل، في ظل الفراغ الأمني الناتج عن غياب المظلة الدفاعية الأمريكية وانشغال الحكومة الاتحادية بإدارة التوازنات السياسية الداخلية، وهو ما يضع الاستقرار العراقي أمام تهديد مزدوج: فاعل مسلح موالٍ لدولة إقليمية، متمثل بالفصائل المسلحة، وفاعل مسلح متمرد عابر للحدود، متمثل بداعش. ومعطيات هذا السيناريو تأتي بعد السيناريو الأول.

وفي ضوء التحولات الإقليمية الناجمة عن الحرب، فإن مسار نزع سلاح الفصائل في العراق يبقى رهينًا بمسار التفاوض الأمريكي الإيراني، وبقدرة الدولة العراقية المثقلة بأزمتها الاقتصادية وهشاشة توازناتها الداخلية على تحويل «يوم السيادة» إلى واقع فعلي، لكن ستظل في نهاية المطاف المحددات الإيرانية، إلى جانب غياب خطط تنفيذية عراقية واضحة تترجم إلى قوانين وإجراءات واسعة النطاق، عقبتين رئيسيتين أمام أي تطبيق محكم يضمن حصر السلاح وفرض سيادة الدولة، فيما تضيف التهديدات الإرهابية المتعلقة بالفراغ الأمني وعودة التنظيمات المتطرفة بُعدًا إضافيًا من التعقيد إلى معادلة أمنية باتت بعد ٣٠ أيلول أكثر انفتاحًا على كل الاحتمالات والسيناريوهات المتوقعة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001-2026 Ⓒ

http://mcsr.net

اضف تعليق