تكشف احتجاجات طلاب فرنسا أزمة متراكمة في التعليم العام، تشمل نقص المعلمين وتدهور المباني والاكتظاظ والتفاوت في فرص التعلم، وسط مواجهات أمنية ومطالب بزيادة الموارد وتحسين ظروف الدراسة. وتتقاطع هذه الأزمة مع ضغوط عالمية تتعلق بالتمويل واستبقاء الكوادر والتغير المناخي، فيما تسعى الحكومات إلى ضمان استمرارية التعليم وتحسين جودته...
باريس- تكشف احتجاجات طلاب فرنسا عن ضغوط متراكمة تواجه التعليم العام، من نقص المعلمين وتدهور المباني إلى الاكتظاظ والتفاوت في فرص التعلم، وهي مشكلات تتقاطع مع أزمة عالمية تتسع بفعل صعوبات التمويل واستبقاء الكوادر والتغير المناخي. وبين مطالب الطلاب واستجابات الحكومات، تتصدر جودة التعليم وعدالته النقاش بشأن مستقبل المدرسة وقدرتها على تلبية احتياجات الأجيال الجديدة.
وتستعد مئات الثانويات الفرنسية لأسبوع جديد من تعطّل الدراسة، بعدما اتسعت احتجاجات الطلاب المطالبين بتحسين ظروف التعليم وتوفير المعلمين وإصلاح المباني، وترافقت مع مواجهات وتوقيفات وأضرار في مؤسسات تعليمية. وأعلن وزير التعليم إدوار جيفري الأحد أن الدراسة ستُعلّق كليًا أو جزئيًا في 400 إلى 500 ثانوية يوم الاثنين، بينما دعت تنظيمات طلابية ونقابات إلى مواصلة التعبئة يوم الثلاثاء السادس من أكتوبر/تشرين الأول.
وتجري هذه التطورات وسط تحركات حكومية لفتح الحوار وتسريع تعويض المدرسين الغائبين، وانتقادات حقوقية لطريقة تعامل الشرطة مع تجمعات يشارك فيها عدد كبير من القاصرين. وقد تزامن اتساع الاحتجاجات مع تقديم مشروع موازنة العام المقبل، لتلتقي شكاوى المدارس مع النقاش بشأن الإنفاق العام، وتحتل قضية التعليم موقعًا بارزًا في المشهد السياسي قبل الانتخابات الرئاسية.
بداية التحرك في كريتاي
بدأت إحدى أولى حلقات الاحتجاج في ثانوية أنطوان دي سانت إكزوبيري بمدينة كريتاي، جنوب شرقي باريس، حيث أضرب معلمون اعتراضًا على نقص العاملين والموارد، وانضم إليهم الطلاب عبر التجمع أمام المؤسسة وإغلاق مداخلها. ووفق قناة «تي إف 1»، تعود بداية التحرك إلى السابع عشر من سبتمبر/أيلول، قبل أن تنتشر التعبئة إلى مؤسسات أخرى في ضواحي العاصمة ثم خارجها.
وفي المؤسسة التي خرجت منها الاحتجاجات، استؤنفت الدراسة بعد الحصول على موارد إضافية، بحسب تقرير القناة المنشور في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول. وجاءت العودة المحلية إلى الصفوف بينما كانت التعبئة تتوسع على المستوى الوطني، بعدما التقت مطالب المدرسة الأولى مع شكاوى مشابهة تتعلق بالوظائف الشاغرة والإشراف المدرسي وغياب البدلاء. وأصبح توفير كوادر تكفل انتظام الدراسة أبرز المطالب التي تجمع طلاب المؤسسات المشاركة في التحركات.
وخلال النصف الثاني من سبتمبر/أيلول، انتقلت التجمعات والإغلاقات إلى ثانويات في منطقة إيل دو فرانس. وأظهرت التغطيات مشاركة طلاب من مؤسسات في الأحياء الشعبية، مع رفع مطالب تتصل بظروف اليوم الدراسي وإمكان الوصول إلى التعليم العالي. ونقلت «لوموند» أن التحرك حظي بمساندة منتخبين من حزب «فرنسا الأبية»، بينهم النائب لوي بويار الذي توجه إلى كريتاي في الحادي والعشرين من الشهر لدعم الطلاب.
من ضواحي باريس إلى المدن الأخرى
اتسع الحراك خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر/أيلول ومطلع أكتوبر/تشرين الأول، ووصل إلى مدن بينها ليون ومرسيليا ونانت ورين وليل وتور وستراسبورغ. وذكرت رويترز أن التحركات طالت أكثر من 1200 ثانوية خلال الأسبوع، بينما سجلت السلطات إغلاقات جزئية على الأقل في 338 مؤسسة يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول، و356 في اليوم التالي.
وتزامنت تعبئة الثلاثاء مع إضراب في القطاع العام احتجاجًا على إجراءات الموازنة، وشارك طلاب في مسيرات للدفاع عن الخدمات العامة. وفي نانت، أفادت إذاعة «هيت ويست» بأن قسمًا من طلاب ثانوية غيستو انتقل إلى المسيرة بعد تثبيت الإغلاق أمام المؤسسة. وشملت التحركات الغربية مدنًا أخرى مثل رين ولافال، حيث تكررت المطالبة بزيادة الموارد وتقليل الاكتظاظ.
وعلى المستوى الحكومي، عقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اجتماع أزمة في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وطلب إلغاء رحلات رسمية للوزراء في الأيام التالية للتركيز على الوضع. وجاء الاجتماع بعد انتقال الاحتجاجات إلى نطاق أوسع ووقوع إصابات واضطرابات، بالتزامن مع عرض مشروع الموازنة. وأصبحت متابعة المدارس المتأثرة وتنسيق الاستجابة بين أجهزة الدولة من أولويات الحكومة خلال نهاية الأسبوع.
مطالب تبدأ من داخل الصف
تتصدر مطالب الطلاب زيادة أعداد المعلمين وتعويض الغائبين وتقليل عدد التلاميذ في الصفوف. وفي ثانوية غيستو بمدينة نانت، قالت الطالبة شاينا لإذاعة «هيت ويست» إن نقص المدرسين والعاملين واكتظاظ الفصول من أسباب المشاركة، وأضافت أن الطلاب يريدون فرصًا أفضل للدراسة والعمل، وإتاحة المجال لهم للتعبير عن مشكلاتهم.
وفي ضواحي باريس، تتركز شكاوى الأسر على انتظام المواد الأساسية والاستعداد للامتحانات. وترتبط المطالبة بتوفير البدلاء بالقلق من الوصول إلى اختبارات نهاية السنة بعد فقدان أجزاء من الدروس، خصوصًا لدى الطلاب الذين يعتمدون على المدرسة لتلقي الشرح والمراجعة. وتذكر بيانات التنظيمات التعليمية نقص التعويض بين المشكلات التي تتابعها منذ سنوات، إلى جانب تباين ظروف الدراسة بين المؤسسات والمناطق.
وأكد بيان نقابي مشترك أن اعتراضات الطلاب على المدرسين غير المعوّضين والمباني والجداول الدراسية والتفاوت في الفرص تتقاطع مع مطالب العاملين في التعليم. وجاء البيان بتوقيع ست تنظيمات تمثل قطاعات من موظفي التربية، بينها الاتحاد النقابي الموحد والاتحاد العام للعمل، داعيًا إلى الاستماع للمطالب على جميع المستويات واحترام استقلال الحركة الطلابية.
ويشمل نقص الكوادر العاملين في الصحة المدرسية والمساعدة الاجتماعية والإشراف. وطالبت اتحادات أولياء الأمور بتوفير موارد بشرية تناسب احتياجات الطلاب، مع الاهتمام بمرافقة ذوي الإعاقة وخدمات الصحة والتوجيه. وتأتي هذه المطالب ضمن ملف أوسع يتعلق بالخدمات التي يحصل عليها الطالب أثناء وجوده في المؤسسة، إلى جانب الحصص والاختبارات والتحضير للانتقال إلى مرحلة دراسية جديدة.
الجداول الطويلة والخيارات الدراسية
يحضر تنظيم اليوم المدرسي بقوة في شهادات المشاركين. ففي نانت، اشتكت شاينا من أيام تمتد من الثامنة صباحًا إلى السادسة مساءً ومن فترات الفراغ الطويلة بين الحصص، وربطت اعتراضها بالحاجة إلى تحسين الجداول والإصغاء للطلاب. وترد مطالب مراجعة الإيقاع الدراسي أيضًا في بيانات نقابية وتقارير ميدانية، بالتوازي مع الشكاوى من كثافة الصفوف والضغط المرتبط بالامتحانات.
وفي ضواحي العاصمة، نقلت «لوموند» شهادات عن طول التنقل اليومي وضيق الوقت المخصص للغداء بسبب الانتظار، وعن شعور الطلاب بأن صعوبات حياتهم المدرسية لا تلقى الاستجابة المطلوبة. وتشمل التجربة التي يصفونها وقت المواصلات والاستراحة وفترات الانتظار داخل المؤسسة، ثم الواجبات والمراجعة بعد العودة إلى المنزل، مما يجعل تنظيم اليوم أحد المحاور التي تحملها الحركة إلى وزارة التعليم.
كما ظهرت شكاوى تخص الحفاظ على المسارات الدراسية والخيارات الفنية. وقال تيتوان، وهو طالب في السنة النهائية بثانوية غيستو، إن أماكن الالتحاق بخيار السينما تقلصت، وإن عدد المعلمين فيه انخفض. وأشار إلى أن هذا الخيار أتاح له الدراسة في مؤسسة خارج منطقته، وأن تقليصه يحد من الفرص المتاحة لطلاب آخرين.
المباني والصحة المدرسية
تتضمن المطالب إصلاح المؤسسات وتجهيزها بصورة أفضل للتعامل مع الحرارة والبرد. وأوردت منظمة العفو الدولية شكاوى من مبانٍ متدهورة ومن قاعة بلغت حرارتها 39 درجة مئوية وفيها مروحة لسبعة وثلاثين طالبًا. وشملت الشهادات التي جمعتها المنظمة الرطوبة والقوارض ومشكلات في أجزاء من المباني، ضمن أسباب التعبئة المطالبة بظروف مناسبة للتعلم.
ومن جانبها، قالت نقابة العاملين في الإدارة المدرسية التابعة للاتحاد النقابي الموحد إن الطلاب يطالبون بمبانٍ سليمة ومعزولة بصورة تمنع البرودة الشديدة شتاءً والحرارة المرتفعة صيفًا. وأكدت أن مطالب إصلاح المباني وتقليل كثافة الفصول وتعويض المدرسين تعكس أوضاعًا يشاهدها المديرون في عملهم اليومي، ودعت إلى خطة عاجلة تجمع بين الصيانة والتوظيف وتوفير البدلاء.
وتترافق مطالب تحسين البيئة المدرسية مع الاهتمام بالصحة والإدماج ومكافحة التنمر. وفي مقابلة مع موقع «المقهى التربوي»، أكد اتحاد مجالس أولياء الأمور حاجته إلى التزامات واضحة في هذه المجالات، وإلى تطوير استقبال الأسر والاستماع لها وإشراكها في متابعة المشكلات. كما شدد على استقرار السياسات التعليمية، وتوفير الوقت والتدريب للعاملين، وتعزيز التواصل بين الأهل وفرق المدارس.
القبول الجامعي ضمن الاحتجاجات
برز الاعتراض على منصة «باركورسوب» للقبول في التعليم العالي ضمن مطالب الطلاب وبيانات النقابات. ويصف مشاركون مرحلة اختيار المسارات وانتظار الردود بأنها مصدر ضغط، فيما تطالب تنظيمات تعليمية بمزيد من المساواة في التوجيه والوصول إلى التخصصات. وتأتي هذه المطالب لدى طلاب يستعدون للبكالوريا ويضعون خططًا للدراسة الجامعية أو الالتحاق بتكوين مهني بعد الثانوية.
وتتيح المنصة الوطنية للمرشحين إعداد ملف وتحديد رغباتهم الدراسية وتلقي عروض القبول والاختيار بينها. ووفق المعلومات الرسمية، تتولى لجان داخل مؤسسات التعليم العالي فحص الملفات وترتيب المرشحين، بينما تنقل المنصة الطلبات والعروض والردود. كما تُراعى أولويات قانونية تتعلق بالمستفيدين من المنح وبعض القواعد الجغرافية للقبول.
وتنشر صفحات التخصصات معلومات عن عدد الأماكن وشروط التقديم والمعايير المستخدمة لفحص الملفات، إلى جانب رسوم الدراسة وفرص متابعة التعليم والتوظيف. وتضم أيضًا بيانات عن نتائج القبول السابقة وملامح المرشحين المقبولين، بحيث يستطيع الطلاب الاطلاع على فرصهم قبل تقديم الطلبات. وتظل تحسينات التوجيه والمرافقة في هذه المرحلة ضمن الملفات التي يطالب أولياء الأمور والنقابات بإدراجها في الاستجابة الحكومية للاحتجاجات.
التفاوت التعليمي في خلفية المطالب
ترد قضية العدالة الاجتماعية في بيانات الطلاب والنقابات والأهالي، مع المطالبة بموارد تناسب احتياجات المناطق والمؤسسات. وأكد اتحاد مجالس أولياء الأمور في باريس أن نقص التمويل وصعوبة تعويض المعلمين والاكتظاظ وتقادم المباني وصعوبات التوجيه موضوعات يتابعها منذ سنوات، وطالب باستجابة تتضمن ظروف دراسة مناسبة ومرافقة فعلية لكل طالب.
وتظهر بيانات التقييم الدولي للطلبة لعام 2022 تفاوتًا واضحًا في النتائج الفرنسية بحسب الخلفية الاجتماعية والاقتصادية. فقد تقدم ربع الطلاب الأكثر حظًا على ربعهم الأقل حظًا بمقدار 113 نقطة في الرياضيات، مقابل فارق متوسط يبلغ 93 نقطة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وأوضحت المنظمة أن الخلفية الاجتماعية والاقتصادية ارتبطت بـ21 في المئة من التباين في الأداء الفرنسي، مقابل 15 في المئة في متوسط دولها.
وبحسب البيانات نفسها، ظل الفارق بين المجموعتين مستقرًا خلال الفترة من 2012 إلى 2022، ووصل سبعة في المئة من الطلاب الأقل حظًا في فرنسا إلى الربع الأعلى في أداء الرياضيات، مقارنة بعشرة في المئة في متوسط دول المنظمة. وتضع هذه النتائج السابقة للاحتجاجات ملف الفرص التعليمية ضمن تحديات ممتدة تتابعها المؤسسات البحثية، بينما تطالب الحركة الحالية بتحسين الظروف التي يعيشها الطلاب في المدارس.
الموازنة والكوادر التعليمية
قدمت الحكومة في الأول من أكتوبر/تشرين الأول مشروع موازنة 2027 ضمن خطة لتصحيح المالية العامة يبلغ إجماليها 54 مليار يورو، منها 43 مليارًا من الإجراءات الجديدة و11 مليارًا مرتبطة بإجراءات سابقة. وتشمل الخطة الإنفاق والإيرادات، وتستهدف تقليص العجز وسط ارتفاع أعباء الدين وخدمته. وقد تزامن تقديم المشروع مع الإضرابات والاحتجاجات، وأصبح تمويل الخدمات العامة محورًا في مطالب المشاركين.
وفي قطاع التعليم، أورد موقع «المقهى التربوي» أن المشروع يتضمن تقليص 1588 وظيفة تدريسية، منها 1250 في التعليم العام، مع توقع تراجع عدد الطلاب في الدخول المدرسي المقبل. وتشمل الوظائف المقلصة في العام 414 في المرحلة الأولى و836 في المرحلة الثانية. وتربط الوزارة هذا الاتجاه بالتغير الديمغرافي، بينما تتمسك النقابات بمطالب تعزيز فرق المدارس وتعويض الغيابات.
ويتضمن المشروع كذلك استحداث وظائف لمرافقي الطلاب ذوي الإعاقة وللعاملين في الإشراف والخدمات الطبية والاجتماعية. وأعلنت الوزارة في عرض أولويات الموازنة مواصلة تحسين التأطير التعليمي وحماية الطلاب وإتمام إصلاح التوظيف والتكوين الأولي للمعلمين، إلى جانب تحديث نظم المعلومات وتأمينها. وتندرج هذه البنود في الإجراءات التي تعرضها الحكومة لتأكيد استمرار أولوية المدرسة ضمن الإنفاق العام.
وتراجعت الحكومة عن مقترح فرض رسوم تسجيل على الطلاب غير المستفيدين من المنح في شهادات التقني العالي والصفوف التحضيرية للمدارس العليا. وكان المقترح، بحسب «المقهى التربوي»، ينص على 178 يورو سنويًا في المسار الأول و270 يورو في الثاني، قبل إعلان سحبه خلال أقل من يوم. وجاء التراجع في ظل استمرار التعبئة والاعتراضات على كلفة متابعة الدراسة
التوظيف والإصلاح المعلن
كانت وزارة التعليم قد أعلنت في يوليو/تموز نتائج محسنة لمسابقات توظيف العاملين في التعليم، بعد فتح مسار للترشح عقب ثلاث سنوات من التعليم الجامعي، مع استمرار مسار آخر للطلاب الذين بدأوا دراسة الماجستير. وقالت الوزارة إن عدد المسجلين في المسابقات الخارجية ارتفع بنسبة 76.6 في المئة مقارنة بعام 2025، وإن عدد المقبولين زاد بنحو النصف.
وذكرت أن نسبة شغل الوظائف في المرحلة الأولى بلغت 98.5 في المئة مقارنة بـ92.1 في المئة في العام السابق، وفي المرحلة الثانية 96.1 في المئة مقارنة بـ90.6 في المئة. وشملت المسابقات وظائف تعليمية وإشرافية ونفسية، وأشارت الوزارة إلى إمكان الاستعانة بالقوائم التكميلية بحسب الاحتياجات. وتمثل هذه الإجراءات جزءًا من الإصلاح الحكومي للتوظيف والتكوين الذي سبق بداية الاحتجاجات الحالية.
أما الدخول المدرسي في سبتمبر/أيلول 2026، فقد شمل 11.6 مليون طالب و1.2 مليون من العاملين في أكثر من 55 ألف موقع تعليمي، وفق بيان الوزارة. وأدرجت الحكومة إصلاح إعداد المعلمين ضمن أولويات السنة، إلى جانب عدد من البرامج التعليمية. وتواصل النقابات في المقابل مطالبتها باستجابة مباشرة للمشكلات التي تظهر في المؤسسات خلال العام، وعلى رأسها استمرار الحصص والخدمات المدرسية.
التوقيفات والإصابات والأضرار
ترافقت الاحتجاجات مع انتشار قوات الشرطة ومكافحة الشغب، ووقعت مواجهات في عدد من المدن. ووفق أسوشيتد برس، نقلًا عن وزير الداخلية، تجاوز عدد التوقيفات خمسة آلاف خلال الأسبوع، وكان 85 في المئة من الموقوفين قاصرين. ونقلت الوكالة عن وزير التعليم إصابة أكثر من 170 تلميذًا، ضمن الحصيلة التي كانت متاحة قبل إعلان أرقام الأحد المتعلقة بالعاملين.
وفي الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، أعلن جيفري إصابة 78 من العاملين في التعليم منذ بداية الأحداث، وقال إن 24 مؤسسة تعرضت للحرق أو التخريب. وأوضح أن تعليق الحصص يرتبط بظروف أمنية أو أضرار مادية أو استهداف العاملين، وأن العودة ستكون جزئية وتدريجية في بعض المؤسسات. وأضاف أن مجموع الثانويات في البلاد يبلغ نحو 3700، وأن بين 400 و500 علقت الحصص يوم الجمعة.
وفي رين، أوردت تقارير محلية وقوع أضرار في مؤسسات وتجهيزات وسيارات، ونداءات من السلطات للابتعاد عن المجموعات العنيفة والحرائق والمتاريس. وفي نانت، قالت الطالبة ميا لإذاعة «هيت ويست» إن أشخاصًا من خارج ثانويتها أشعلوا حاوية، وإن الطلاب حاولوا إطفاءها، مؤكدة رغبتهم في عرض مطالبهم بصورة سلمية.
التحقيق في استخدام القوة
دعت منظمة العفو الدولية إلى تحقيقات مستقلة في ادعاءات الاستخدام المفرط للقوة، وإلى تعليق إطلاق مقذوفات قاذفات الدفاع ضد الطلاب المتظاهرين. وقالت رئيسة فرعها الفرنسي آن سافينيل باراس إن المنظمة تلقت شهادات وشاهدت صورًا لاستخدام الغاز والهراوات والمقذوفات، وطالبت بإعطاء أولوية للحوار وخفض التوتر عند التعامل مع المراهقين.
وتناول توثيق المنظمة إصابة فتى يبلغ الرابعة عشرة في سانت وان لومون بمنطقة فال دواز في الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول، بعد مواجهة مع رجال شرطة، وإصابة طالب في عينه بمدينة تور في الثلاثين من الشهر. ونقلت أن النيابة في الحالة الثانية وصفت الإصابات بأنها متوافقة مع مقذوف من قاذفة الدفاع، فيما تلقى المصاب العلاج في المستشفى.
ومن جانب الحكومة، أعلن وزير الداخلية لوران نونيز إحالة ثلاث وقائع إصابة طلاب إلى جهاز التفتيش العام للشرطة الوطنية للتحقيق، وقال إن تدخل القوات اتسم بالتناسب. وأكدت نقابة المديرين مطلب تحديد المسؤوليات في الوقائع المبلغ عنها، مع رفض الاعتداءات التي تهدد الطلاب والعاملين، وطلبت دعمًا إداريًا وتعليمات واضحة للمديرين الذين يتولون إدارة الأوضاع عند بوابات المؤسسات.
امتداد الحركة إلى الجامعات
وصلت التعبئة إلى التعليم العالي في رين، حيث قررت جمعية عامة للطلاب إغلاق جامعة رين الثانية في الثلاثين من سبتمبر/أيلول، وفق موقع «رين إنفو أوترومان». وفي اليوم التالي، ظلت مباني حرم فيلجان غير متاحة، وأعلنت الإدارة استمرار الإغلاق يوم الجمعة وطلبت من الطلاب والعاملين عدم التوجه إليه، مع مواصلة الأنشطة الممكن تنفيذها عن بُعد.
ونقل الموقع عن إدارة الجامعة تأكيدها أن نقص موارد التعليم العام والتعليم العالي من المشكلات التي تعترض عليها منذ سنوات، إلى جانب تمسكها بحرية التعبير ورفض العنف وحماية الأشخاص والممتلكات. كما أفاد بإغلاق مدخل كلية الحقوق ومتابعة طلاب بعض الدروس عبر الاتصال المرئي، وإغلاق المكتبة الجامعية المركزية.
الأهالي والنقابات والتحركات السياسية
طالب اتحاد مجالس أولياء الأمور في باريس بفتح مساحات للحوار بين الطلاب وإدارات المؤسسات والجهات التعليمية، وأكد مساندة حق الطلاب في التعبير والمشاركة في حياة مدارسهم. ودعا الأهل إلى مرافقة أبنائهم والمساعدة في منع التوتر، وأعلن رفضه العنف خلال التحركات وأثناء عمليات حفظ النظام، مع التشديد على تقديم استجابات بشرية ومادية للمشكلات المطروحة.
وأعلنت ست نقابات تعليمية التضامن مع العاملين الذين تعرضوا لاعتداءات ورفض التهديدات الموجهة إليهم، كما انتقدت استخدام القوة ضد الطلاب. ودعت العاملين إلى المشاركة في تعبئة السادس من أكتوبر/تشرين الأول، بما في ذلك الإضراب، وأعلنت أنها ستجتمع في الأسبوع التالي لتقييم الوضع وردود الحكومة وتحديد خطواتها المقبلة.
وفي المشهد السياسي، اتهمت الحكومة حزب «فرنسا الأبية» بتأجيج التحركات، بينما ندد جان لوك ميلانشون بطريقة تعامل الشرطة ودعم المطالب التعليمية. وأوردت «لوموند» أن الحزب أكد الدعوة إلى احتجاج منضبط وسلمي مع تزايد صور المواجهات والأضرار. ويتصاعد هذا الخلاف قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي تحضر فيها الخدمات العامة والأوضاع المالية بين القضايا الرئيسية.
خطة حكومية للحوار والتعويض
بعد لقاءات مع ممثلي الطلاب والمعلمين والأهالي، أعلن وزير التعليم العمل على تسريع تعويض المدرسين الغائبين، ومناقشة حالة المباني مع السلطات المحلية، ومراجعة الإيقاع المدرسي. وشملت المبادرات تعزيز تمثيل الطلاب وإطلاق تشاور بشأن الصعوبات التي يواجهونها، فيما قالت تنظيمات طلابية إنها تنتظر إجراءات والتزامات فورية لتحسين ظروف الدراسة.
وفي رسالة إلى مديري المؤسسات، طلب جيفري تعزيز الحوار داخل المجالس المدرسية، وأعلن طرح استشارة إلكترونية للطلاب ابتداءً من الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، ثم مناقشة نتائجها على المستويين الإقليمي والوطني. ووفق «المقهى التربوي»، تسمح التوجيهات بالإغلاق عند تدهور ظروف السلامة، بالتنسيق مع السلطات التعليمية والإدارية، مع استخدام خطط لاستمرار التعليم عن بُعد.
ضغوط مشتركة على التعليم عالميًا
تأتي مطالب توفير المدرسين ضمن أزمة دولية تتابعها اليونسكو. ويقدر تقريرها العالمي الحاجة إلى 44 مليون معلم إضافي في التعليم الابتدائي والثانوي لتحقيق تعميم التعليم بحلول عام 2030، مع احتياجات تبلغ نحو 15 مليونًا في أفريقيا جنوب الصحراء. ويشمل الاحتياج توسيع الخدمة التعليمية وتعويض الخارجين من المهنة، ويتركز قسم كبير منه في المرحلة الثانوية.
وتشير المنظمة إلى صعوبات التوظيف والاستبقاء في أوروبا وأميركا الشمالية أيضًا، وإلى ارتفاع معدل مغادرة معلمي الابتدائي للمهنة عالميًا من 4.62 في المئة عام 2015 إلى 9.06 في المئة عام 2022. وتدعو إلى تحسين ظروف العمل والتكوين والتطور المهني ومكانة المعلمين، وإشراكهم في القرارات، وتوفير بيئة تدعم استمرارهم في التدريس.
وفي التمويل، أفاد تقرير البنك الدولي واليونسكو لعام 2024 بأن الإنفاق التعليمي الإجمالي عالميًا ارتفع خلال العقد السابق، بينما انخفض الإنفاق لكل طفل أو بقي راكدًا. وذكر أن التمويل في بلدان منخفضة الدخل يظل محدودًا حتى عندما تحقق نسب الإنفاق المستهدفة قياسًا باقتصاداتها، ودعا إلى تخصيص الموارد وفق الاحتياجات المحلية وتحسين إدارة المدارس والمالية العامة وعدالة التوزيع.
أما المناخ، فقد تسبب في تعطيل تعليم ما لا يقل عن 242 مليون طالب في 85 دولة خلال 2024، وفق اليونيسف. وكانت موجات الحر السبب الأبرز، وأثرت في أكثر من 118 مليون طالب خلال أبريل/نيسان وحده، مع إغلاقات واسعة في بنغلاديش والفلبين وتقليص اليوم الدراسي في كمبوديا. وشملت الاضطرابات أيضًا الفيضانات والأعاصير والعواصف والجفاف.
وأكدت المنظمة أن الحرارة تؤثر في قدرة الأطفال على التركيز، وأن الفيضانات وتضرر المدارس تعرقل الوصول إليها واستمرار الدراسة. وكانت جنوب آسيا أكثر المناطق تأثرًا، مع تعطيل تعليم 128 مليون طالب، تلتها منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. وتضيف هذه البيانات ملف التكيف المناخي إلى التحديات التي تتابعها المؤسسات التعليمية، بالتوازي مع توفير الكوادر والموارد المالية.
وفي فرنسا، يتركز الاهتمام خلال الأيام المقبلة على استئناف الحصص في المؤسسات التي تسمح ظروفها بذلك، ومتابعة الإصلاحات والتحقيقات واللقاءات الحكومية، بينما تستعد النقابات والطلاب لتعبئة الثلاثاء. وتستمر المطالب الأساسية المعلنة في الجمع بين توفير المدرسين وتحسين المباني وتنظيم اليوم الدراسي والتوجيه الجامعي، مع مطالبة الأهالي والعاملين بحماية المجتمع المدرسي وفتح مسار للحوار.



اضف تعليق