إسلاميات - الإمام الشيرازي

نهضة المسلمين تضمن لهم المستقبل

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

قدَّم الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، مجموعة راقية من الأفكار المستخلَصة من واقع المسلمين، ومهَّد لهم عبر هذه الأفكار، السبل الكفيلة بضمان المستقبل، وإعادة الدور الريادي للمسلمين في قيادة البشرية نحو الخير والحرية والسلام، وقد وردت تلك الافكار والمضامين والرؤى، في الكتاب القيّم للامام الراحل، الموسوم بـ (فقه المستقبل)، إذ وضع سماحته خطوات مزدوجة، فكرية عملية، من شأنها أن تضمن المستقبل للمسلمين بما لا يقبل الشك، ولكن وفق شروط مقترحة، أهمها الشروع بنهضة كبرى لتعميق الوعي ونشره بين المسلمين عبر العالم، وعدم الكف عن السعي المتواصل لتحقيق الوحدة الاسلامية، التي سيكون من شأنها، إيصال المسلمين الى دفة قيادة العالم فكريا وعمليا.

من هنا أورد الامام الشيرازي تأكيدا قاطعا في هذا المجال، بكتابه (فقه المستقبل) عندما قال: (المستقبل للإسلام دون شك، وهو للمسلمين في المدى غير المنظور، وسيكون للمسلمين في المدى المنظور إذا أقاموا بنهضة توعوية شاملة).

ويرى الامام الشيرازي أن المسلمين يمتلكون مستلزمات النهضة والعودة الى دورهم الريادي الحقيقي، على خلاف ما هم عليه الآن، من تأخر له اسبابه المعلومة، ويرى سماحته إن الاسلام نقل العالم من مرحلة مظلمة -عندما كان العالم بشقيّه الغربي والشرقي يغط في ظلام مميت- الى مرحلة مضيئة بالفكر الرصين، وتقف وراء قدرة المسلمين هذه إمكانيات كبيرة، لا زالت حتى الآن بين أيديهم، واذا قاموا باستثمارها على النحو الصحيح، فإنهم سيحتلون المكانة التي يستحقونها بين أمم العالم أجمع، لكن السبب الذي يعيقهم عن تحقيق هدفهم هذا، يكمن في حالة التشتت والتفرقة وحالات الاحتراب التي تعبث بحياتهم.

يقول الامام الشيرازي حول هذا الجانب بكتابه نفسه: إن المسلمون (لهم خصوبة النسل، ولهم المنطقة الإستراتيجية، ولهم التاريخ المشرق، ولهم المبادئ الصحيحة، ولهم الثروة الطائلة، ومع ذلك تراهم متفرّقين متشتتين، يحارب بعضهم بعضاً، ويكفّر بعضهم بعضاً). كذلك للأسف لا يعي المسلمون أهمية وحدتهم التي جعلها الله محورا لتقدمهم، كما نقرأ ذلك في قول الامام الشيرازي في هذا المجال: إن المسلمين (لا وعي لهم بأهميّة وضرورة - الوحدة الإسلامية- التي نادى بها الإسلام بقوله سبحانه: وَإِنّ هَـَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً/ سورة المؤمنون).

تفضيل المصالح الشخصية

ونتيجة لقلة الوعي وضعفه بين المسلمين، فإن انشغالهم الأكثر سوف يكون بصغائر الامور، ويدل على ذلك تفضيلهم للمصالح الشخصية الصغرى على المصلحة الاسلامية الكبرى، كذلك هناك ظاهرة تتمثل بتفضيل المسلمين قادة وغيرهم، للمنفعة الآنية على حساب المصلحة البعيدة المدى، فالمسلمون اليوم يفضلون فائدة سريعة آنية عاجلة حتى لو كانت ذات قيمة بسيطة جدا، قد تعود على الفرد بمردود مادي بخس، ويديرون ظهورهم للأهداف والمنافع الاستراتيجية الكبرى، لأنهم لا يحصلون على منفعة آنية منها، وهذا عيب كبير وخطير تجاوزته الامم الاخرى، التي تفضل الفائدة الكبيرة الجماعية البعيدة المدى على نقيضها.

لذلك يقول الامام الشيرازي في هذا المجال: إن المسلمين (بسبب عدم وعيهم يفضّلون المصالح الشخصيّة أو المصالح الصغرى على المصالح الإسلامية الكبرى، ويتصوّرون أنهم بذلك يُحسنون صُنْعاً، بينما المصالح الإسلامية الكبرى إذا حُفظت تكون حفظاً لمصلحة الفرد أيضاً).

كذلك تفتك بالنسيج المجتمعي للمسلمين، جملة من الظواهر التي زرعها اعداؤهم فيما بينهم، وأدت هذه الظواهر الى اندلاع الخلافات والاختلافات بينهم، وتوزعت في مجالات عديدة مما يحتاجونه في حياتهم اليومية العملية والفكرية، كاللغة، والهوية الدينية، والمذهبيّة والعقائدية، والقومية، التي باتت من عوامل إضعاف المسلمين اكثر من توحيدهم، وقد اشتغل المستعمرون على هذه الخلافات والجزئيات، حتى باتت تهدد كيان المسلمين ووجودهم، كما نلاحظ ذلك في استهداف الاخرين في عموم دول العالم.

لذا يؤكد الامام الشيرازي في هذا المجال على أن: (الخلافات والاختلافات القومية والعرقية واللغوية وأحياناً الدينيّة والمذهبيّة والعقائدية، من أسباب التباعد بين المسلمين، حيث إنّ المستعمرين وعملاءهم في بلاد الإسلام، يعملون ليل نهار لتفرقة المسلمين، وإبعاد بعضهم عن بعض).

ومن اخطر ما خلفته حالات التفرقة بين المسلمين، ذلك الاستنزاف المتواصل لمواردهم بسبب الصراعات والفتن واشتعال اوار الاحتراب فيما بينهم، وقد انعكس ذلك على جانب لا يقل خطورة ألا وهو هجرة العقول وهروب الكفاءات خارج بلاد الاسلام، بسبب فقدان الامن فضلا عن عدم الاهتمام بهم من لدن حكوماتهم وحكّامهم المستبدين في الغالب.

لذلك يقول الامام الشيرازي بكتابه فقه المستقبل: (لقد ورَّث الاستعمار المسلمين حالة التجزئة والتفرقة والتناحر والتضارب، بتقسيمهم البلاد الإسلامية إلى دويلات صغيرة، وإلى أقطار ذات سيادة متعدّدة، وقوانين مختلفة، وتوتّرات حدوديّة وإقليميّة، ممّا استنزفت كلّ مدخراتهم الاقتصادية، وقضت على الكفاءات البشريّة والطاقات الخلاّقة).

حرية الرأي والاستبداد

ولعلنا لا نخطئ اذا قلنا، أن ثمة اسبابا اخرى جوهرية تقف بوجه المسلمين، وتمنعهم من التقدم الى امام، منها بل واكثرها تأثيرا وحضورا هي ظاهرة الاستبداد، فقد قام المستعمرون باستخدام سياسة (قيادة البديل الاستعماري) وهي تتلخص بخروج المستعمر من بلدان المسلمين وانتهاء الاستعمار بصيغته العسكرية، لكنهم ينصّبون حكاما عملاء لهم يأتمرون بأوامرهم وينفذون تعليماتهم، فتذهب خيرات المسلمين وثرواتهم الى أعدائهم، فيتحقق الهدف نفسه من الاستعمار العسكري المباشر الذي يهدف الى نهب وسلب الثروات اولا، ولكن عبر صنع الحاكم المستبد التابع لهم.

في هذا المجال يقول الامام الشيرازي بكتابه نفسه: (يشهد التاريخ القريب منذ مائة سنة، أنّ الاستبداد الذي يمارس من قبل السلطات والحكومات ضد المجتمعات، سبّب التجزئة والتصدّع وغياب الوحدة والحرية والأخوّة). وغابت ايضا حرية الرأي بسبب سياسات القمع ضد المسلمين، ولم يكن هناك مشاركة حقيقية في صنع القرار عبر دستور دائم مستفتى عليه شعبيا، ولا انتخابات حرة نزيهة، فقد كان يجري كل شيء بتخطيط من الدول الاستعمارية، وتنفيذ من عملائها الحكام الطغاة على شعوبهم الاذلاء مع سادتهم المستعمرين، لذلك في ظل اوضاع كهذه تصبح نهضة المسلمين صعب إن لم تكن مستحيلة.

كما يرى الامام الشيرازي ذلك بقوله: (من المعلوم أنه من دون حرية التعبير عن الرأي، وحق المشاركة في صنع القرار عبر الانتخابات الحرّة، وبدون حرية الأحزاب وما أشبه، لا يمكن أن تتحقّق الوحدة والنهضة والأخوّة).

ثم يضع الامام الشيرازي خطوات نظرية عملية، ويحدد رؤيته الواضحة بخصوص ضمان المسلمين لمستقبلهم الواعد، فيقدم خلاصة من الافكار والخطوات العملية التي من شأنها أن تقود المسلمين الى مستقبل أفضل، بل تضمن لهم المستقبل بصورة تامة، لاسيما اذا تمكن قادة المسلمين والوعاة من معالجة الخلافات فيما بينهم، وقدموا الأخوّة على كل شيء فيما بينهم، فهذا من شأنه أن يجعلهم اقرب الى بعضهم البعض، وأقدر على مواجهة الدسائس التي تحاك ضدهم، من لدن اعدائهم الذين يخططون ليل نهار لإثارة الفتن والمشكلات فيما بينهم، وهذا يتحقق بصورة تامة عندما يرتفع مستوى الوعي بين المسلمين كافة.

لذلك يقول الامام الشيرازي في هذا المجال بكتابه فقه المستقبل: (خلاصة القول: إنّه لتحقيق المستقبل الأفضل، يجب إرجاع الوعي إلى المسلمين حتّى يعرفوا أنهم -أمّة واحدة- وأنّهم إخوة، وأن لهم حرياتهم الكثيرة الإسلامية، كما قال عزَّ وجل: إِنّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ/سورة الحجرات).

اضف تعليق


التعليقات

انصار الاسلام
المستقبل للإسلام دون شك، وهو للمسلمين في المدى غير المنظور، وسيكون للمسلمين في المدى المنظور إذا أقاموا بنهضة توعوية شاملةهذه العبارة جدا جميلة ويجب علينا نشر هذه الثقافة ونبين للعالم بان نهج اهل البيت اسلام الحقيقي وليس ثقافة الداعشية وان هذه الثقافة البائسة صنيعة غربية لتدمير الاسلام2015-03-02
متابع
بارك الله فيكم على طرح هذه المواضيع الراقية واتمنى عليكم الاستمرار في هذا الدرب2015-03-03