الأصل أن المال محترم، وأن الإنسان مسلط على ماله ونفسه، وأن الدولة لا تملك أن تأخذ من الناس ما تشاء. والموارد المالية الأصلية محددة، مع إمكان الاستثناء في الضرورات كالجهاد بالمال أو دفع الضرر العام، بشرط أن يكون ذلك بقدر الحاجة وتحت رقابة شرعية ومؤسسية، لا بحسب هوى الحاكم...

تهدف هذه الدراسة إلى بيان مفهوم الضرائب في الدولة الحديثة ومدى مشروعيتها، ومقارنتها بمفهوم الضرائب والموارد المالية في الإسلام، من خلال الوقوف على الأسباب التي تدفع الدولة إلى فرض الضرائب، والأسس التي تمنحها هذا الحق، والضوابط التي تجعل الجباية المالية مشروعة أو ظالمة. كما تسعى إلى توضيح موقف المواطن من الضرائب الجائرة، وبيان البدائل الممكنة التي تحفظ حاجة الدولة إلى التمويل من جهة، وتصون حقوق المواطن وكرامته وملكيته من جهة أخرى.

وذلك ضمن رؤية المرجع الديني السيد محمد الحسيني الشيرازي، حيث ينطلق هذا البحث من فكرة أساسية مفادها أن المال الخاص مصون، وأن الدولة لا تملك حق التصرف في أموال الناس إلا ضمن حدود شرعية وأخلاقية واضحة، تقوم على العدل، ورفع الحرج، وحفظ كرامة الإنسان، ومنع الاستبداد المالي. فالضرائب في نظر الشيرازي لا تُقاس بمجرد حاجة الدولة إلى المال، بل تُقاس بمدى مشروعيتها، وعدالتها، وضرورة فرضها، وطريقة إنفاقها، ومدى انسجامها مع مبدأ سلطنة الإنسان على ماله، ومع الموارد المالية التي أقرها الإسلام كالخمس والزكاة والخراج والجزية.

وتتمثل مشكلة البحث، في إطار هذه الرؤية، في أن الدولة الحديثة توسعت في فرض الضرائب حتى تحولت في كثير من الأحيان من وسيلة لتمويل المصالح العامة إلى أداة لإثقال المواطن، وتمويل تضخم الجهاز الإداري، والترف السياسي، والفساد، والاستبداد. ومن هنا يسعى البحث إلى الإجابة عن سؤال محوري: متى تكون الضريبة ضرورة مشروعة لخدمة المجتمع، ومتى تتحول إلى ظلم مالي يناقض رؤية الشيرازي في الدولة العادلة، القائمة على تقليل الأعباء عن الناس، وصيانة أموالهم، وتفعيل الموارد الشرعية والبدائل الاقتصادية التي لا تسحق المواطن؟

المقدمة

تُعدّ الضرائب من أكثر القضايا ارتباطاً بعلاقة الدولة بالمواطن، لأنها تمسّ المال الخاص، وتكشف طبيعة السلطة، وحدود تدخلها، ومدى عدالتها في إدارة الموارد العامة. ففي الدولة الحديثة تُقدَّم الضرائب عادة بوصفها مورداً ضرورياً لتمويل المرافق العامة، كالجيش، والقضاء، والتعليم، والصحة، والبنى التحتية، والخدمات الاجتماعية. غير أن هذه الضرورة لا تمنح الدولة تفويضاً مطلقاً في أخذ أموال الناس؛ إذ تبقى شرعية الضرائب مرتبطة بعدة شروط: وجود حاجة عامة حقيقية، وعدالة في التوزيع، وشفافية في الجباية والإنفاق، وموافقة ممثلي الأمة، وعدم تحول الضريبة إلى وسيلة للإفقار أو الاستبداد أو تمويل الترف السياسي والبيروقراطي.

ويناقش آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي الضرائب من زاويتين: زاوية الدولة الحديثة التي توسعت فيها الجباية وتشعبت حتى أثقلت الإنسان والاقتصاد، وزاوية الإسلام الذي يحصر الموارد المالية الواجبة في أصول محددة، أبرزها: (الخمس، والزكاة، والجزية، والخراج)، مع استثناء الحالات الطارئة التي تدخل تحت عنوان الضرورة أو الجهاد بالمال أو دفع الضرر. ويؤكد الشيرازي أن الأصل في أموال الناس هو الحرمة والسلطنة، وأن تدخل الدولة في المال لا يصح إلا بضوابط صارمة؛ لأن النصوص التي يستند إليها تؤكد أن “الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم”، وأن الله يريد بالناس اليسر لا العسر، ولا يريد لهم الحرج والضيق.

وعليه، فإن البحث في الضرائب ليس بحثاً مالياً فقط، بل هو بحث في العدالة، والشرعية، والحرية، وحقوق الإنسان، وحدود الدولة، وواجبات الحاكم، وكرامة المواطن. فالضريبة العادلة قد تكون وسيلة لتنظيم المجتمع وتمويل مصالحه، أما الضريبة الظالمة فتتحول إلى غصب منظم، وإفقار للمواطن، وتعطيل للإنتاج، وتضخيم لجهاز الدولة على حساب المجتمع.

أولاً: مفهوم الضرائب في الدولة الحديثة ومدى شرعيتها

الضريبة في الدولة الحديثة هي مبلغ مالي إلزامي تفرضه السلطة العامة على الأفراد والمؤسسات، من غير مقابل مباشر محدد، بقصد تمويل النفقات العامة وتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وسياسية. وهي تختلف عن الرسوم، لأن الرسم يدفع غالباً لقاء خدمة محددة، أما الضريبة فتدخل في الخزينة العامة وتصرف بحسب الموازنة العامة للدولة.

وقد أصبحت الضرائب في الدولة الحديثة متعددة الأنواع: ضريبة الدخل، ضريبة الشركات، ضريبة القيمة المضافة، ضريبة المبيعات، الرسوم الجمركية، الضرائب العقارية، ضرائب التركات، ضرائب الوقود، ضرائب الخدمات، وغيرها. وهذا التعدد يعكس اتساع وظائف الدولة الحديثة، لكنه يعكس أيضاً، في كثير من الأحيان، تضخم الجهاز الحكومي، وتوسع البيروقراطية، وكثرة الإنفاق غير المنتج.

شرعية الضرائب في الدولة الحديثة تقوم عادة على فكرة “العقد الاجتماعي”؛ أي أن المواطنين يساهمون في تمويل الدولة مقابل حمايتهم وتقديم الخدمات العامة لهم. كما تستند إلى مبدأ “التمثيل”، أي أن فرض الضرائب ينبغي أن يتم عبر سلطة تشريعية منتخبة، لا بقرار فردي من الحاكم. ولهذا شاع في الفكر السياسي الحديث شعار: “لا ضريبة بلا تمثيل”. فإذا فُرضت الضريبة دون تمثيل حقيقي، أو دون شفافية، أو دون عدالة، تحولت من التزام مدني إلى أداة قهر.

وتزداد إشكالية الضرائب حين تتحول من وسيلة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتمويل تضخم الدولة. حيث أن تضخم الدوائر والإدارات يضر الأمة من ثلاث جهات: أولاً لأن الموظفين الزائدين ينتقلون من قطاع الإنتاج إلى قطاع الاستهلاك؛ وثانياً لأنهم يعطلون الناس عن الإنتاج بالقوانين الكابتة؛ وثالثاً لأنهم لا يكتفون بالكفاف بل يميلون إلى السرف والترف. وهذا التحليل يجعل الضريبة الحديثة محل مساءلة: هل تمول خدمة عامة حقيقية؟ أم تمول جهازاً إدارياً متضخماً يعيق الناس ويعيش على كدحهم؟

وعليه، لا تكون الضريبة الحديثة شرعية بمجرد صدورها عن الدولة، بل يجب أن تتوفر فيها شروط: أن تكون بقانون، وأن تخدم مصلحة عامة حقيقية، وأن تراعي القدرة المالية للمكلف، وأن تكون معلومة لا مفاجئة، وأن تخضع للرقابة، وأن لا تصرف في الترف والفساد والاستبداد، وأن لا تسحق الفقراء والطبقات المنتجة.

ثانياً: مفهوم الضرائب في الإسلام

لا ينظر الإسلام إلى المال بوصفه مجالاً مفتوحاً لتصرف الدولة كيف تشاء، بل يجعل الأصل أن الإنسان مالك لماله، وأن أخذه بغير حق ظلم. ولذلك يقرر الشيرازي أن “الضريبة في الإسلام منحصرة بالخمس والزكاة والجزية والخراج”، وأن هذه الموارد تكفي لإدارة شؤون الدولة الإسلامية في الظروف الطبيعية، مع إمكان وجود استثناءات في الحالات الطارئة، كالجهاد بالمال أو دفع الضرر العام.

وهذه الموارد الأربعة ليست ضرائب بالمعنى الحديث الواسع، بل هي موارد شرعية ذات طبيعة محددة:

الخمس: مورد مالي شرعي له مصارفه المعروفة في الفقه، ويرتبط بأنواع من الأموال والأرباح بحسب التفصيل الفقهي.

الزكاة: فريضة مالية ذات وظيفة اجتماعية واضحة، غايتها سد حاجة الفقراء، وتحقيق التكافل، وتطهير المال، وتقوية المجتمع. وهناك روايات تؤكد أن الله فرض في أموال الأغنياء ما يسع الفقراء، وأن الفقر لا ينشأ من قصور الفريضة بل من منع الحقوق وعدم أدائها.

الجزية: مورد مرتبط بغير المسلمين في الدولة الإسلامية وفق شروطه الفقهية، وهي في الرؤية الإسلامية التقليدية مقابل التزامات الدولة تجاههم وحمايتهم وإدارتهم ضمن النظام العام.

الخراج: مورد متعلق بالأرض وفق أحكامه الفقهية والتاريخية.

الفارق الجوهري بين هذه الموارد والضرائب الحديثة أن الموارد الإسلامية محددة، ثابتة، ومقيدة بمصارف وضوابط، وليست خاضعة لأهواء الحكام أو تبدل السياسات اليومية. أما الضرائب الحديثة فيمكن أن تتوسع بلا حد إذا لم توجد رقابة شرعية أو دستورية أو شعبية. ومن هنا يؤكد الشيرازي في مواضع متعددة أن فرض الضرائب خارج هذه الموارد الأصلية يحتاج إلى ضرورة أو حالة استثنائية، وإلا كان تصرفاً في أموال الناس بغير حق.

ويستند هذا التصور إلى قاعدة عامة: أن الدولة ليست مالكة لأموال الناس، بل هي أمينة على النظام العام. فإذا احتاجت إلى مال، فلا بد أن تسلك الطرق المشروعة، وأن تبدأ بالموارد المحددة، وأن تقلل نفقاتها، وأن تمنع الترف والفساد، وأن تبحث عن موارد بديلة قبل أن تمد يدها إلى أموال المواطنين.

ثالثاً: لماذا تفرض الدولة الضرائب على المواطنين؟

تفرض الدولة الحديثة الضرائب لأسباب متعددة. ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى أسباب مشروعة وأخرى منحرفة.

الأسباب المشروعة تشمل تمويل الأمن والدفاع، وإقامة القضاء، وبناء الطرق والجسور، وتمويل التعليم والصحة، ومساعدة الفقراء والعاطلين، وتنظيم الاقتصاد، ومعالجة الكوارث، وتحقيق التوازن الاجتماعي. فالدولة لا تستطيع أن تؤدي هذه الوظائف إذا لم يكن لديها مورد مالي ثابت. ولذلك تقبل أغلب النظريات السياسية الحديثة مبدأ الضريبة من حيث الأصل، بشرط أن تكون عادلة وممثلة وشفافة.

لكن الكثير من الضرائب لا تنشأ من حاجة حقيقية، بل من أمراض الدولة الحديثة: جهل الحكام، ودكتاتوريتهم، وترفهم، وتضخم إداراتهم. ففي كتاب الدولة الإسلامية يذكر الشيرازي أن الدول الحديثة احتاجت إلى الضرائب الخارجة عن الموارد الأربعة لأسباب منها الجهل، حيث زادت الدوائر بحسب الجهل لا بحسب الحاجة الواقعية، ويقارن بين قلة الموظفين في نماذج تاريخية وبين تضخم الموظفين في الدولة الحديثة.

ومن الأسباب أيضاً دكتاتورية الحكام؛ إذ يحتاج الحاكم المستبد إلى موظفين، وأجهزة أمن، ومصفقين، وإدارات مراقبة، وإعلام، وسجون، وأدوات ضبط. وهذا كله يحتاج إلى مال، فيتم تحميل المواطن كلفة الاستبداد. فالحكم الدكتاتوري يريد جمع المصفقين حوله والتدخل في شؤون الناس، وأن ذلك لا يكون إلا بتكثير الموظفين، خصوصاً إذا كان الرئيس شديد الدكتاتورية.

ومن الأسباب كذلك ترف الحكام. فالضرائب لا تذهب دائماً إلى مدارس ومستشفيات وطرق، بل قد تذهب إلى قصور، وحاشيات، وسفر، وبذخ، وحماية شخصية، وامتيازات. وهناك أمثلة على الحكام الذين جمعوا الأموال والثروات الضخمة، ومثل هذه المصارف والبذخ لا تكفيها الضرائب الأربع، في مقابل سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) حيث كان الحاكم يعيش زاهداً ولا يحتاج إلى استنزاف الأمة.

إذن، تفرض الدولة الضرائب لسببين كبيرين: إما لخدمة المجتمع، وهذا أصل مشروع إذا ضبط بالعدل؛ وإما لخدمة السلطة وجهازها وامتيازاتها، وهذا هو الظلم الضريبي.

رابعاً: الأسس التي تعطي الدولة حق فرض الضرائب ومتى يصح فرضها؟

حق الدولة في فرض الضرائب ليس حقاً مطلقاً. ويمكن طرح عدة أسس تضبط هذا الحق.

الأساس الأول هو المصلحة العامة الحقيقية. فإذا كانت الضريبة لتمويل حاجة عامة لا يمكن تأمينها بغير ذلك، وكانت الحاجة ضرورية أو راجحة، أمكن بحث مشروعيتها. أما إذا كانت لزيادة الترف أو تمويل التضخم الإداري أو خدمة جماعة حاكمة، فلا تكون مشروعة.

الأساس الثاني هو عدم وجود مورد بديل مشروع. في الرؤية الإسلامية التي يعرضها الشيرازي، الأصل أن الدولة تعتمد على الخمس والزكاة والجزية والخراج، فإذا لم تكفِ هذه الموارد في حالة استثنائية، تبحث الدولة عن وسائل أخرى، مثل الاتجار ونحوه، قبل أن تتصرف في أموال الناس. وإذا فرض عدم كفاية الموارد الأربعة، فإن الدولة تكون مكلفة بالاتجار ونحوه حتى لا تتصرف في أموال الناس بما ينافي سلطنة الناس على أموالهم ويدخل في معنى الغصب.

الأساس الثالث هو الضرورة أو دفع الضرر. ففي بحث الجمارك، يفرق الشيرازي بين أخذ المال من التاجر لمجرد ملء خزينة الدولة، وبين أخذ مقدار محدد لمنع ضرر اقتصادي حقيقي. فإذا كان الاستيراد أو التصدير يسبب ضرراً عاماً، جاز للدولة أن تمنع قدر الضرر أو تضع مقداراً مالياً يساوي الضرر، بشرط ألا يدخل المال في كيس الدولة، بل يصرف على المتضررين. وهذا فرق مهم بين الضريبة الظالمة والجباية الوقائية المرتبطة بقاعدة “لا ضرر”.

الأساس الرابع هو الشورى والرقابة والاختصاص. لا يصح أن يقرر الحاكم وحده وجود الضرر أو الحاجة. حيث يتم ربط تقدير الضرر بنظر شورى الفقهاء ومن يتبعهم من أهل المعرفة، كوزير الاقتصاد المتدين العارف بكيفية انطباق الموازين الفقهية على الموضوعات الخارجية. وهذا يعني أن فرض المال على الناس يحتاج إلى اجتهاد مؤسسي، لا إلى قرار مزاجي.

الأساس الخامس هو العدل والمساواة والقدرة. فالضريبة التي تساوي بين الغني والفقير في العبء الفعلي ليست عادلة. كما أن الضريبة التي تؤدي إلى إفقار الناس أو تعطيل أعمالهم تخالف مقصد الدولة. فمن حاجات الإنسان الأولية المأكل والمشرب والعمل والصحة والأمن والحرية والعدالة والمساواة، وأن الدولة يجب أن تهيئ للإنسان إمكان الوصول إلى حاجاته، لا أن تقف في طريقه.

إذن يصح فرض الضريبة أو الإلزام المالي عندما تكون هناك حاجة عامة حقيقية، ولا يوجد مورد آخر كافٍ، ويقرر الأمر عبر شورى ورقابة واختصاص، ويكون المقدار بقدر الضرورة، ويصرف في موضعه، ولا يؤدي إلى ظلم أو حرج أو عسر.

خامساً: هل يشترط رضا المواطن في فرض الضرائب؟

السؤال عن رضا المواطن في فرض الضرائب له مستويان: مستوى الدولة الحديثة، ومستوى الرؤية الإسلامية.

في الدولة الحديثة، لا يشترط رضا كل فرد على حدة، وإلا استحال قيام الدولة؛ لأن كثيراً من الناس قد يرفضون دفع المال ولو كانت الحاجة عامة. لكن يشترط الرضا السياسي العام، أي أن تفرض الضريبة عبر ممثلين منتخبين، ضمن دستور، وبقانون واضح، وبآليات رقابة. فالمواطن لا يوافق فردياً على كل ضريبة، لكنه يوافق عبر العقد الدستوري والتمثيل النيابي والرقابة الشعبية.

أما في المنظور الإسلامي، فالأصل أن أموال الناس لا تؤخذ إلا بحق. حيث أن الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم، وأن أخذ الدولة أمام حريات الناس لا يصح في غير المحرم من الأمور، كما يستند إلى نفي العسر والحرج والضرر. ففي رواية: “لا يجوز أكل مال المسلم بغير طيب نفسه منه” في سياق الحديث عن حرمة الغصب وأخذ المال بغير حق.

لكن هذا لا يعني أن كل إلزام مالي يتوقف على رضا كل شخص؛ فالزكاة والخمس والخراج والجزية، في مواردها الشرعية، ليست تبرعات اختيارية، بل واجبات. وكذلك في حالة الدفاع أو الضرورة العامة قد يجب بذل المال إذا توقف عليه دفع خطر أو إنقاذ نفس أو حماية مجتمع. ومع ذلك يبقى الفرق أساسياً: الإلزام الشرعي مضبوط بالنص والضرورة والعدل، أما الإلزام السلطوي غير المنضبط فهو ظلم.

بناءً على ذلك، يشترط رضا المواطن بمعنى الشرعية العامة والتمثيل والشفافية في الدولة الحديثة، ويشترط في الإسلام الحق الشرعي أو الضرورة المعتبرة، لا مجرد رغبة الحاكم. فإذا غاب الحق والعدل والضرورة، صار أخذ المال اعتداءً على المواطن، حتى لو سمي ضريبة.

سادساً: كيف يواجه المواطن ظلم الضرائب التي تعصف به؟

مواجهة ظلم الضرائب لا تكون بالفوضى ولا بتخريب المال العام، بل بوسائل قانونية واجتماعية وأخلاقية منظمة. ويمكن طرح منهج عملي في عدة اتجاهات:

أولاً: الوعي والتمييز بين الضريبة العادلة والضريبة الظالمة. ليس كل ما تأخذه الدولة عدلاً، وليس كل رفض للضريبة صواباً. يجب أن يعرف المواطن هل الضريبة مفروضة بقانون عادل؟ هل تصرف في مصلحة عامة؟ هل تراعي القدرة؟ هل تخضع للرقابة؟ هل تمول الفقراء والخدمات أم تمول الترف والقمع؟

ثانياً: المطالبة بالشفافية. يجب أن يعرف المواطن أين تذهب أموال الضرائب. فإذا كانت الدولة تأخذ المال ولا تكشف موازناتها، ولا توضح أوجه الإنفاق، ولا تحاسب الفاسدين، فالضريبة تتحول إلى جباية معتمة.

ثالثاً: استخدام الوسائل الدستورية والقانونية: الطعن أمام القضاء، المطالبة بإلغاء الضرائب غير العادلة، دعم التشريعات التي تخفف العبء عن الفقراء، ومحاسبة النواب والحكومات التي تفرض ضرائب بلا خدمة.

رابعاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة العامة. ففي كتاب السياسة يذكر أن المجتمع الإسلامي يمتلك معايير تمنع الانحراف، منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الجاهل، وتنبيه الغافل، و”الدين النصيحة”. وهذا يؤسس لمقاومة مدنية أخلاقية ضد الظلم المالي.

خامساً: المعارضة الحرة وفضح الاستبداد الضريبي. فالحاكم الذي يدعي الاستشارية أو الإسلام أو الديمقراطية لا يكون صادقاً إذا أغلق باب البحث الحر والمعارضة، وفتح السجون، وصادر الأموال، وكال التهم للمخالفين؛ فهذه من لوازم الدكتاتورية، وعلى الأمة أن تعي حتى لا تُستغل باسم الديمقراطية أو الإسلام أو الإصلاح.

سادساً: تنظيم المجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية للدفاع عن المكلفين، خاصة الفقراء وأصحاب المشاريع الصغيرة. فالضريبة الظالمة لا تسحق الأفراد فقط، بل تسحق الإنتاج والعمل.

سابعاً: رفض الرشوة والتحايل قدر الإمكان. لأن الظلم الضريبي كثيراً ما يولد اقتصاداً خفياً ورشوة وتهرباً، وهذا يزيد الفساد. الواجب هو مقاومة النظام الظالم بإصلاحه، لا بإنتاج فساد مضاد يزيد المجتمع خراباً.

سابعاً: البديل عن الضرائب التي تسحق المواطن

البديل لا يعني إلغاء كل مورد مالي للدولة، بل يعني الانتقال من الجباية الساحقة إلى نظام مالي عادل، قليل الكلفة، واضح الموارد، منتج اقتصادياً، ومقيد أخلاقياً وقانونياً.

أول بديل هو تفعيل الموارد الإسلامية الأصلية: الخمس، الزكاة، الجزية، الخراج، وفق ضوابطها الفقهية ومصارفها الشرعية. فهذه الموارد كافية في غير الحالات الاستثنائية لإدارة شؤون الدولة، وأن المشكلة لا تكمن في قلة التشريع بل في منع الحقوق وسوء الإدارة.

ثاني بديل هو تقليل نفقات الدولة. فالدولة التي تنفق على الترف والحاشيات والأجهزة المتضخمة ستحتاج دائماً إلى ضرائب جديدة. أما الدولة الرشيدة فتبدأ بإصلاح الإنفاق قبل زيادة الجباية. حيث ان تضخم الإدارات الكابتة والموظف الزائد على قدر الضرورة يتحول إلى عبء على المجتمع وأداة لكبت الحريات.

ثالث بديل هو تحويل الدولة من مالك متضخم إلى مشرف عادل. فالشيرازي يرى أن الدولة إذا تركت الناس وشأنهم ضمن الحريات المشروعة، فإن الأمة تستطيع أن تنشئ المعاهد والمستشفيات والمصانع والطرق والبيوت، وهذا يخفف العبء عن الدولة ويجعلها تتفرغ للإدارة العامة دون تلكؤ.

رابع بديل هو استثمار الدولة في التجارة والمشاريع العامة المشروعة عند الحاجة، بدلاً من مصادرة أموال الناس. فإذا لم تكف الموارد الأربعة، فالدولة مكلفة بالاتجار ونحوه حتى لا تتصرف في أموال الناس بما ينافي سلطنتهم على أموالهم.

خامس بديل هو صناديق القرض الحسن والتمويل التعاوني. عبر تشجيع صناديق قرض الحسنة، بحيث تأخذ فقط مقدار مصارفها الفعلية من إيجار وأجور وأوراق وكهرباء، دون ربا أو زيادة استغلالية. وهذا يقدم بديلاً اجتماعياً عن التمويل الربوي وعن الضرائب التي تخنق أصحاب الحاجة.

سادس بديل هو الاقتصاد الحر المسؤول: أي إطلاق طاقات الناس في العمل والإنتاج، ومنع الاحتكار والغش والربا والضرر، بدلاً من كثرة القيود والرسوم. فالدولة التي تسهل الإنتاج تقل حاجتها للضرائب؛ لأن المجتمع المنتج يخلق الثروة والخدمات، بينما الدولة الكابتة تعطل الإنتاج ثم تفرض الضرائب لتعويض ما عطلته.

سابع بديل هو فرض الضرائب الاستثنائية فقط بقدر الضرر أو الضرورة. فإذا وُجد ضرر اقتصادي حقيقي، كما في إغراق السوق بالسلع بما يعطل العمال والمعامل، يمكن للدولة أن تتدخل بقدر الضرر فقط، وأن تصرف المبلغ على المتضررين، لا أن تجعله مورداً عاماً لتضخيم الخزينة.

ثامن بديل هو مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة. كثير من الدول لا تحتاج إلى ضرائب جديدة لو أوقفت الهدر والفساد، واسترجعت المال العام، وألغت الامتيازات غير العادلة.

تاسع بديل هو الوقف والعمل الأهلي. في التجربة الإسلامية، للوقف دور كبير في تمويل التعليم والصحة والرعاية والمياه والطرق والخدمات، بما يقلل عبء الدولة ويحول المجتمع إلى شريك لا مجرد دافع ضرائب.

عاشر بديل هو العدالة في توزيع الثروة والفرص. فمن الحاجات الأولية للإنسان تكافؤ الفرص، وأن لا تكون فرصة التعليم أو الوصول إلى الحكم أو الثروة لبعض دون بعض. فإذا تحقق تكافؤ الفرص، زادت القدرة الإنتاجية للمجتمع، وقلت الحاجة إلى الجباية التعويضية.

الخاتمة

الضرائب في الدولة الحديثة ليست شراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً؛ فهي قد تكون أداة لتنظيم التضامن وتمويل المصالح العامة، وقد تتحول إلى وسيلة لإفقار المواطن وخدمة السلطة. معيار الحكم عليها هو: الشرعية، والعدالة، والضرورة، والشفافية، والمصلحة العامة.

أما في الإسلام، فالأصل أن المال محترم، وأن الإنسان مسلط على ماله ونفسه، وأن الدولة لا تملك أن تأخذ من الناس ما تشاء. والموارد المالية الأصلية محددة في الخمس والزكاة والجزية والخراج، مع إمكان الاستثناء في الضرورات كالجهاد بالمال أو دفع الضرر العام، بشرط أن يكون ذلك بقدر الحاجة وتحت رقابة شرعية ومؤسسية، لا بحسب هوى الحاكم.

إن الضريبة العادلة هي التي تعود إلى المواطن أمناً وعدلاً وخدمة وكرامة، أما الضريبة الظالمة فهي التي تسحق المواطن، وتمول الفساد، وتضخم الإدارة، وتخدم الدكتاتورية والترف. ومن هنا فإن البديل ليس الفوضى المالية، بل دولة رشيدة قليلة الكلفة، واضحة الموارد، عادلة الإنفاق، تشجع الإنتاج، وتفعل الزكاة والخمس والوقف والقرض الحسن، وتمنع الغصب والربا والفساد، وتجعل الإنسان وكرامته وماله محور السياسة المالية لا ضحيتها.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

...............................................

المصادر:

1. السيد محمد الحسيني الشيرازي، كتاب الدولة الإسلامية، الجزء الثاني، من موسوعة الفقه، دار العلوم، بيروت، 1410هـ / 1989م.

2. السيد محمد الحسيني الشيرازي، كتاب الاقتصاد، الجزء الأول، من موسوعة الفقه، دار العلوم، بيروت، 1407هـ / 1987م.

3. السيد محمد الحسيني الشيرازي، كتاب السياسة، الجزء الأول، من موسوعة الفقه، دار العلوم، بيروت، 1407هـ / 1987م.

4. السيد محمد الحسيني الشيرازي، كتاب الإدارة، الجزء الأول، من موسوعة الفقه، دار العلوم، بيروت، 1410هـ / 1989م.

5. السيد محمد الحسيني الشيرازي، الفقه: القانون، مركز الرسول الأعظم للتحقيق والنشر، بيروت، 1411هـ / 1991م.

اضف تعليق