في العراق، تبدو هذه المفارقة حاضرة بصورة لافتة في تفاصيل الحياة اليومية. فالجميع تقريبًا يتحدث عن الحقوق؛ حق العمل، وحق الخدمات، وحق العدالة، وحق التعبير، وحق العيش الكريم. وهي مطالب مشروعة لا خلاف عليها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بصمت: هل يسير الإحساس بالواجب بالمستوى نفسه من الحضور والاهتمام؟...

ليست أزمة المجتمعات دائمًا في غياب الحقوق، كما أنها لا تكمن فقط في ضعف القوانين أو قصور الحكومات، فهناك خلل أعمق يتسلل بهدوء إلى بنية الحياة العامة حين يبدأ الإنسان بالمطالبة المستمرة بما له، مقابل تراجع شعوره بما عليه. وعند هذه النقطة تحديدًا، تبدأ العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة بالدخول في دائرة اختلال طويلة، يصبح فيها الجميع مقتنعين بأنهم مظلومون، فيما يتراجع الإحساس الجماعي بالمسؤولية.

في العراق، تبدو هذه المفارقة حاضرة بصورة لافتة في تفاصيل الحياة اليومية. فالجميع تقريبًا يتحدث عن الحقوق؛ حق العمل، وحق الخدمات، وحق العدالة، وحق التعبير، وحق العيش الكريم. وهي مطالب مشروعة لا خلاف عليها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بصمت: هل يسير الإحساس بالواجب بالمستوى نفسه من الحضور والاهتمام؟

المشكلة لا تتعلق بالمطالبة بالحقوق، لأن المجتمعات الحية تُبنى أصلًا على حماية الإنسان وإنصافه، وإنما تتعلق بالاختلال الذي يحدث حين تتحول الحقوق إلى مطلب دائم، بينما يُنظر إلى الواجب بوصفه عبئًا يمكن الالتفاف عليه أو تأجيله أو التخفف منه متى ما سنحت الفرصة.

هذا الخلل لا يظهر فجأة في شكل أزمة كبيرة، بل يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي تتكرر يوميًا حتى تتحول إلى ثقافة عامة. موظف يطالب بكامل امتيازاته لكنه لا يؤدي عمله بإخلاص، مواطن يطالب بالخدمات العامة لكنه لا يحافظ على الممتلكات المشتركة، سياسي يتحدث عن العدالة وهو غارق في حماية مصالحه، أو فرد يرفض أي تقصير بحقه بينما يتعامل بخفة مع حقوق الآخرين.

ومع تراكم هذه السلوكيات، يتشكل تدريجيًا مجتمع يريد أن يأخذ أكثر مما يعطي، ويطالب أكثر مما يلتزم، وهنا تبدأ الثقة العامة بالتآكل شيئًا فشيئًا.

لقد ناقش الفلاسفة وعلماء الاجتماع منذ زمن بعيد العلاقة المعقدة بين الحق والواجب، لأن استقرار المجتمعات لا يتحقق عبر أحدهما دون الآخر. فالحق يمنح الإنسان كرامته وحريته، بينما يمنح الواجب المجتمع تماسكه وقدرته على الاستمرار. وعندما يفقد التوازن بين الطرفين، تتحول العدالة إلى شعار هش غير قابل للحياة.

الفيلسوف الروماني شيشرون كان يرى أن الواجب لا يرتبط فقط بالقانون، بل أيضًا بطبيعة الإنسان ومكانته الاجتماعية وصورته الأخلاقية أمام نفسه. أي أن الواجب ليس مجرد تعليمات مفروضة من الخارج، وإنما جزء من بناء الشخصية نفسها. فالإنسان الذي يدرك مسؤوليته تجاه الآخرين، يتصرف بطريقة مختلفة حتى في غياب الرقابة.

لكن ما يحدث في كثير من المجتمعات المرهقة سياسيًا واقتصاديًا، أن الشعور بالواجب يبدأ بالتراجع أمام تصاعد النزعة الفردية والخوف من المستقبل وفقدان الثقة بالمؤسسات. وعندها ينشأ نوع من السلوك النفعي الذي يقوم على فكرة بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه: “احصل على ما تستطيع، واترك الباقي”.

هذه الذهنية لا تنتج فسادًا ماليًا فقط، بل تصنع تآكلًا أخلاقيًا بطيئًا داخل المجتمع. لأن الإنسان حين يعتاد أخذ حقوقه دون أداء واجباته، فإنه يساهم بطريقة غير مباشرة في خلق بيئة غير عادلة للجميع، حتى لو كان يظن أنه يحقق مصلحته الخاصة.

والأخطر من ذلك أن هذا الخلل لا يبقى محصورًا في العلاقة بين المواطن والدولة، بل يمتد إلى العلاقات اليومية بين الناس أنفسهم. فحين يفقد المجتمع حسّ التوازن، يبدأ كل فرد بالدفاع عن مصلحته بمعزل عن الآخرين، فتضعف روح التعاون، ويزداد الاحتقان، وتتحول الحياة العامة إلى مساحة صراع خفي على الفرص والمكاسب والنفوذ.

وفي العراق، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا بسبب تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر سنوات طويلة، ما جعل كثيرين يشعرون بأن الدولة لم تنصفهم بالشكل الكافي، فانعكس ذلك على سلوكهم تجاه القانون والعمل والمسؤولية العامة. ومع الوقت، نشأت حالة من الشك المتبادل؛ المواطن لا يثق بالمؤسسات، والمؤسسات لا تثق بالمواطن، وبين الطرفين تتراجع فكرة الواجب المشترك.

لكن المجتمعات لا تُبنى بالشك وحده، ولا يمكن لأي دولة أن تحقق الاستقرار إذا تحولت العلاقة بين الناس ومؤسساتهم إلى علاقة مطالب متبادلة بلا التزامات حقيقية.

فالحقوق لا تُحمى فقط عبر النصوص القانونية، وإنما عبر ثقافة عامة تؤمن بأن العدالة تبدأ من احترام الإنسان لدوره ومسؤوليته تجاه الآخرين. لذلك فإن المواطن الذي يطالب بدولة عادلة، يحتاج أيضًا إلى أن يكون جزءًا من إنتاج هذه العدالة في سلوكه اليومي، بدءًا من احترام القانون والعمل، وصولًا إلى حماية المال العام ومحاسبة الفاسدين وعدم تبرير الخطأ حين يصدر ممن ينتمي إليهم اجتماعيًا أو سياسيًا.

كما أن الحكومات بدورها تتحمل مسؤولية أساسية في ترميم هذا التوازن، لأن الدولة التي تطالب الناس بالالتزام دون أن تقدم نموذجًا للعدالة والشفافية، تضعف قدرتها الأخلاقية على بناء الثقة العامة. فالواجب لا يمكن أن يكون طريقًا باتجاه واحد، بل هو علاقة متبادلة تقوم على التوازن والإنصاف.

ولهذا فإن إنقاذ المجتمع من الفوضى الأخلاقية أو الإدارية لا يتحقق عبر الخطابات وحدها، وإنما عبر إعادة بناء مفهوم المواطنة بوصفه شراكة متكاملة بين الحقوق والواجبات. فكل حق يقابله التزام، وكل امتياز يحتاج إلى مسؤولية، وكل مطالبة بالعدالة تحتاج أيضًا إلى استعداد لممارستها تجاه الآخرين.

إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات ليس غياب القوانين، بل غياب القناعة الداخلية بأهمية الواجب. لأن القانون يستطيع أن يفرض العقوبة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الضمير العام.

وفي النهاية، يبدو أن أزمة التوازن بين الحقوق والواجبات ليست مشكلة قانونية فقط، بل أزمة وعي وثقافة وسلوك يومي. فالمجتمع الذي يتقن المطالبة بحقوقه دون أن يؤدي واجباته، قد يربح بعض المكاسب المؤقتة، لكنه يخسر تدريجيًا قدرته على بناء دولة مستقرة وعادلة.

أما المجتمع الذي ينجح في تحقيق هذا التوازن، فإنه لا يحمي الدولة فقط، بل يحمي نفسه أيضًا من الانهيار البطيء الذي يبدأ دائمًا حين يعتقد الجميع أن الأخذ حق دائم، بينما العطاء مسؤولية تخص الآخرين وحدهم.

اضف تعليق