العبودية الناتجة من التبعية الاقتصادية والمالية إلى المؤسسات الربوية أشد قسوة من سابقتها القائمة على أساس الغلبة في الحرب لكونها قائمة على أساس استثمار الأموال المتأتية من الفساد ونهب المال العام وغسيل الأموال المكتسبة من التجارة القذرة كالاتجار بالمخدرات أو الجنس أو البشر أو غيرها في قروض تقدم إلى الفقراء...

تعد القروض الربوية التي تتسابق المصارف في العراق والعالم على الترويج لها بشتى الصور والممارسات، ويسرع إليها الأفراد بدافع الحاجة الملحة، ولا شك أنها أحد أجلى صور العبودية المالية بصورتها الحديثة التي تماثل إلى حد بعيد العبودية التقليدية، إذ تبقي الفرد وأسرته مكبل بالتزامات مالية طويلة الأجل مما يحد من حريتهم الاقتصادية والاجتماعية، ويجبرهم على العمل لخدمة المصرف والديون المتفاقمة بسبب الفوائد، بدلاً من العمل لتحقيق النماء الأسري والاجتماعي وتوفير مستلزمات الحياة الحرة الكريمة له ولأسرته.

 إذ يضطر هؤلاء إلى إحداث تغيير جذري في نمط المعيشة وسلوك طريق التقشف القسري ومضاعفة الجهود في العمل أو اللجوء إلى طريق العمل خارج أوقات الدوام الرسمي ولو بأجور زهيدة أو رمزية، وتحت شروط عمل قاسية أحياناً ليتمكنوا من سد متطلبات الديون المصرفية المتضمنة للشروط المجحفة، وكل ما تقدم يمثل انتهاك لحقوق الفرد العراقي التي يعبر عنها الدستور العراقي للعام 2005 في المادة (37) حين يلزم بأن ((يحرم العمل القسري "السخرة"، والعبودية وتجارة العبيد "الرقيق"، ويحرم الاتجار بالنساء والأطفال، والاتجار بالجنس)).

 وليس الأمر على المستوى الفردي فحسب بل قد يحصل ما تقدم على مستوى الدولة وان السبب الرئيس لما تقدم بتقديري هو إتباع السياسات الاقتصادية الخاطئة في العراق التي كرست الاقتصاد الريعي والاعتماد الكامل على الموارد المالية المتأتية من تصدير النفط والغاز، ولما كان هذا القطاع عرضة للتذبذب استجابة للعوامل الخارجية التي تتدخل فيها العوامل الدولية وما الأزمة الحالية في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز إلا مثال بارز على انخفاض كبير في صادرات العراق النفطية وانخفاض مهول في الإيرادات المالية للبلد، ما حتم سابقاً والآن إلى لجوء الحكومة للاقتراض من مؤسسات مالية أجنبية يمكنها وبسهولة ان تفرض شروطها على الحكومة العراقية وتكبل البلد بتبعية مالية ناتجة من تصدير رأس المال الذي يمثل بداية الهيمنة الأجنبية على القرار الوطني.

وتتزايد مخاطر التبعية المالية للفرد أو الدولة إلى المؤسسات المالية الربوية بسبب الفوائد التي تظهر بشتى الصور كالفوائد التأخيرية أو عوائد استثمار رؤوس الأموال التي تتسبب بمضاعفة مبلغ الدين الأصلي وتجعل سداد المال في المواعيد المحددة صعب، ولعل التشريع العراقي أشار بالقانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 بالمادة (172) إلى جواز الفوائد لغاية (7%) وتشيع اليوم الكثير من الشركات المالية التي تعمل في مجال الصرافة أو المنافذ التي تمتهن إقراض الناس بأسعار فائدة مرتفعة جداً خلافاً للقانون العراقي الذي يشير في قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل بالمادة (465) إلى أنه ((يعاقب بالحبس والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين من اقرض آخر نقوداً بفائدة ظاهرة، أو خفية، تزيد عن الحد الأقصى المقرر للفوائد الممكن الاتفاق عليها قانوناً، وتكون العقوبة بالسجن المؤقت بما لا يزيد عن عشر سنوات إذا ارتكب المقرض جريمة مماثلة للجريمة الأولى خلال ثلاث سنوات من صيرورة الحكم الأول نهائيا))، ما يؤشر خللا يناقض الدستور العراقي الذي يمنع سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.

 ونعتقد جازمين ان الربا محرم صراحة في القرآن الكريم فكيف يشرع تحت غطاء الفائدة التي قد تصل إلى ما هو أكثر من المعقول، يقول تعالى في محكم كتابه المجيد ((الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)).

نعم العبودية بمعناها التقليدي كانت تعني الحالة التي يكون فيها شخص أو مجموعة من الأشخاص كأسرة مثلاً مملوكاً أو مملوكين لشخص معين ويمكن للأخير الاتجار بهؤلاء والتحكم بهم ويصل الأمر إلى التحكم بحريتهم الشخصية وصولاً إلى تحديد قدرتهم الإنجابية أو قد يصل الأمر إلى ما هو أبعد حين يتعامل معهم كأي مال أو شيء مملوك له، والعبودية التي نتحدث عنها لا تظهر بهذه الصورة التقليدية لكنها لا تقل خطورة عن تلك الصورة البشعة حيث يمكن للمصرف التحكم بالخيارات المالية للفرد ويصادر الكثير من الحقوق والحريات الفردية.

 ومنها على سبيل المثال الحرية في العمل فلا يمكن للمقترض مثلاً ترك العمل أو الوظيفة لأنه مضطر إلى إعادة مبلغ القرض في الوقت الذي لا يقوى فيه على ذلك، بعبارة أخرى هو لا يملك ترك أو استبدال العمل فتضحى حرية العمل التي كفلها الدستور العراقي للعام 2005 في المادة (22) حبراً على ورق ((العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة)).

 والقرض كأصل عام يعني ((المال الممنوح إلى الغير لأجل مسمى أو غير مسمى بشرط الإعادة))، وهو بلا زيادة يدعى القرض الحسن أما مع الزيادة فيدعى الربوي وفي السابق كان بعض الأغنياء والميسورين يمنحون القرض بالربا واليوم بعد تأسيس المصارف بات الكثير من هؤلاء مالكين لهذه المصارف أو مساهمين فيها أو مودعين للأموال التي تقرض بفوائد ربوية من خلال صناديق إقراض أو ما يعرف بالمبادرات التي يتبناها البنك المركزي أو الحكومة ووزاراتها المختلفة عبر المصارف المتخصصة كالمصرف التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو المصارف الأهلية، حتى البعض ممن هي ذات صبغة إسلامية، فالعلاقة القانونية بين المقترض والمصرف غير عادلة حيث يتيح المركز الاقتصادي للمصرف تحديد مبلغ القرض وشروطه وضماناته ولا يكون أمام المقترض إلا الإذعان لذلك، وأكثر من ذلك إذ تحدد فئات كالموظفين أو التجار أو الصناعيين أو المزارعين، ويحرم الآخرين من فرصة إحداث تغيير في نشاطهم أو توفير متطلبات المعيشة الضرورية.

 ومن ثم يحدد المصرف عدد سنوات سداد القرض وكيفية التسديد والإجراءات التي تتخذ بحال التأخر في التسديد والتي قد تصل إلى وضع اليد على المساكن أو مصدر الرزق كالراتب بدعوى ان ديون المصرف ممتازة وتقدم على بقية الديون، بل يصل الأمر إلى تطلب تقديم كفالة شخصية والتصرف إزاء الكفيل والحجز على أمواله عند تلكؤ المدين، ما تسبب بأزمة ثقة في المجتمع امتدت إلى العلاقات الإنسانية المقدسة داخل الأسرة والصداقة وغيرها.

 ولا يخلو الأمر من تسلل شبح الفساد والمفسدين الذين دأبوا على قضم المال العام حيث يشبههم أمير المؤمنين عليه السلام بقوله ((وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللهِ خَضْمَ الإبل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ)) للدلالة على الجشع والطمع فوجدوا ضالتهم بهذه القروض يأخذون منها ما يشاؤون ليتأخروا بسدادها أو يتم إطفاءها وفق ما ورد بالمادة (46) من قانون الإدارة المالية والدين العام رقم (6) لسنة 2019 ((لوزير المالية التنازل عن حق الحكومة في استحصال مبلغ مستحق الدفع أو تقسيطه)) في حين ان الناس الفقراء يتم مطالبتهم ولو كانوا معسرين بالمبلغ الكامل وتعريضهم لشتى صور المضايقة عند تلكؤهم ولأي سبب كان خلافاً لقوله تعالى ((وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)).

ولما تقدم يمكننا القول ان رأس المال هو المتحكم بالفقراء في العراق وحتى الحكومة والقابضين على السلطة إلى اليوم لا يملكون القدرة على وضع استراتيجية حقيقية لمحاصرة الفقر والحاجة لدى الناس، وما تقوم به من سياسات تدعم فيها الاقتراض بدل ان توفر هي الحلول الناجعة فيه الكثير من التقصير والإهمال في أداء وظيفتها المالية والاجتماعية، فعدم القيام بالمشاريع التي تمكن الأفراد من الاعتماد على الذات كإيجاد فرص عمل ودعم القطاع الخاص، وإيجاد المدن الصناعية ومشاريع البنية التحتية ودعم حصول الفقراء على الوحدات السكنية في المجمعات الاستثمارية، أو الحصول على وسائط نقل، أو تجهيز ورشهم ومشاريعهم الشخصية بمتطلبات النجاح والعمل المستدام.

 ولو أخذنا المجمعات السكنية التي تعد اليوم بالمئات في محافظة كربلاء وغيرها بيد أنها ليست بمتناول الفقراء حتى مع القروض العقارية الكبيرة التي يرهنون بها كل مقدراتهم لعشرات السنين ما يعمق أزمة الفقر والسكن في العراق، وتجعل من الاستدانة لدى الفئات الأشد فقراً أو الأشد ضعفاً خياراً إستراتيجيا بيد أنه صعب المنال، فعدم النهوض بالواقع الريفي لمنع الهجرة إلى المدينة عند إيجاد الخدمات الأساسية والقرى النموذجية ودعم الزراعة والمشروعات الصغيرة فاقم من الأزمات المستفحلة أصلاً، وما اضطر هؤلاء إلى الاعتماد أكثر وأكثر على الاستدانة ورهن مستقبلهم ومستقبل أبناءهم بيد المؤسسات المالية التي لا يهمها إلا الربح ولو على حساب الألم والحرمان، وهذا يؤشر تقصيراً حكومياً فالدولة يفترض بها المسؤولة عنهم وهي السند في الأزمات التي يتعرضون لها ومنها الكوارث الطبيعية التي تحل بهم فتفقدهم الكثير من قدراتهم الذاتية.

ويمكننا ان نؤشر منحنى خطير آخر في العراق إلا أنه غير مرئي حقيقة الأمر حيث يجري التعامل مع التغيير الثقافي وكأنه أمر واقع لا يمكن مقاومته أو الحد من مخاطره، فتغيير النظرة إلى الحياة في المجتمع من التضامن والوحدة في المصير إلى الفردانية المدقعة التي تنذر بخطر كبير يتمثل في اهتزاز وشائج الأخوة والتكافل.

 وهذا ما يظهر بوضوح في الترويج لثقافة الاستهلاك المفرط في كل شيء لاسيما في الأمور الكمالية والترفيهية ما يسبب في تعميق الفوارق الاجتماعية ويتعاظم معها مخاطر الانحراف عند البعض والجنوح إلى الجريمة وغيرها بسبب ضعف الوازع الديني والتربوي لغلبة الشعور بالتمييز الاجتماعي إزاؤهم فهم ضحاياً أكثر من كونهم جانحين، فحين يتحول المجتمع من الفضيلة إلى المادية لا يمكن التنبؤ بعواقب الأمور.

 والعبودية الناتجة من التبعية الاقتصادية والمالية إلى المؤسسات الربوية أشد قسوة من سابقتها القائمة على أساس الغلبة في الحرب لكونها قائمة على أساس استثمار الأموال المتأتية من الفساد ونهب المال العام وغسيل الأموال المكتسبة من التجارة القذرة كالاتجار بالمخدرات أو الجنس أو البشر أو غيرها في قروض تقدم إلى الفقراء أو إلى الدول لتتحول إلى أغلال تحكم قبضتها على القرار الفردي أو الحكومي وتجعله أسير رغبات الفاسدين.

.........................................

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق