إن قرار وزارة الصحة باعتبار الحوانيت المدرسية خاضعة لنظام الإجازة الصحية أسوة بالمطاعم والأفران يبدو في جوهره جباية مالية أكثر منه حرصاً صحياً. فالجميع يعلم أن أغلب هذه الحوانيت ليست أبنية نظامية بل أكشاك بسيطة لا يملك مستأجرها قرار بناء بناية مستوفية للشروط؛ لأن هذه مسؤولية المؤجر المتمثل بالمدارس ووزارة التربية...
أصدرت وزارة الصحة مؤخراً توجيهات باعتبار الحوانيت المدرسية خاضعة لنظام الإجازة الصحية أسوة بالمطاعم والأفران، في خطوة تبدو جباية مالية أكثر منها حرصاً صحياً. والجميع يعلم حقيقة هذه الحوانيت. فأغلبها ليس بناية نظامية، بل غرفة من (الجينكو) أو كشك صغير في ساحة المدرسة، والسبب ليس تقصير المستأجر، بل عدم توفر بناية خاصة للحانوت أصلاً رغم أنه مستأجر بمبالغ ليست قليلة من إدارات المدارس. ثم إن العاملين في هذه الحوانيت لديهم بطاقة صحية، ويخضعون للفحص الدوري، وهذا كافٍ للغرض الصحي.
والمنطق يقول إنه لا يمكن معاملة حانوت مدرسي محدود العمل، مرتبط بدوام المدرسة لبضع ساعات، ويبيع بسكويتاً وماءً وعصيراً، معاملة مطعم يعمل 12 ساعة أو فرن ينتج الخبز للمدينة كلها. من جهة أخرى، فإن توفير بناية مستوفية لشروط الإجازة الصحية ليس مسؤولية المستأجر البسيط، بل مسؤولية المؤجر المتمثل بالمدرسة ووزارة التربية.
فكيف تفرض الصحة على المستأجر شروط بناء لا يملك قرارها؟ إن فرض إجازة صحية بمبالغ عالية فوق قدرة مستأجري الحوانيت سيربك ميزانياتهم الضعيفة أصلاً. فهؤلاء مواطنون وجدوا في تأجير الحانوت المدرسي فرصة عمل محدودة وموسمية، فوجدوا أمامهم أبواباً جديدة من الرسوم والضرائب تفوق قدراتهم. والأخطر من ذلك ما يترتب على الإجازة من تبعات مستقبلية، من فتح سجلات ضريبية وضمان وغيرها، لحانوت لا يتجاوز ربحه اليومي بضعة آلاف من الدنانير.
لذلك نرجو من وزارة الصحة إعادة النظر بهذا القرار، والاكتفاء بالبطاقة الصحية للعاملين، ومراعاة الواقع الميداني للحوانيت المدرسية، وعدم تحويلها من مصدر رزق بسيط للعوائل إلى عبء مالي يغلق أبوابها.
توصيات ختامية لمعالجة الأزمة
لتفادي تحويل هذا التنظيم إلى عبء معيشي، ولموازنة المعايير الصحية مع متطلبات العدالة الاجتماعية، تبرز الحاجة الملحة إلى اتخاذ حزمة من التدابير الموحدة من قبل الجهات المعنية:
إلى وزارة الصحة: تعديل القرار التنظيمي باستثناء الحوانيت المدرسية من شرط الإجازة الصحية الإنشائية، والاكتفاء بالبطاقة الصحية والفحص الدوري للعاملين، مع مراعاة اقتصار البيع على الأغذية المغلفة والمشروبات الجاهزة.
إلى وزارة التربية وإدارات المدارس: تحمل المسؤولية الإنشائية في تأهيل مباني الأكشاك والحوانيت لتكون منافذ نظامية مستوفية للشروط قبل إعلانها للاستئجار، وتوحيد ضوابط السلامة ضمن بنود عقد الإيجار الرسمي.
إلى الهيئة العامة للضرائب ووزارة العمل: إعفاء مستأجري الحوانيت من متطلبات فتح السجلات الضريبية وتأسيس ملفات الضمان الاجتماعي، واعتبار عملهم نشاطاً كفافياً موسمياً لا يتحمل الأعباء المالية المركبة.
إلى اللجان الرقابية المشتركة: تحويل الجولات التفتيشية من منهجية الفرض المالي والجباية إلى أدوار التوجيه والإرشاد الصحي، لضمان سلامة الطلبة والتغذية المدرسية دون التسبب في إغلاق مصدر رزق الكسبة.



اضف تعليق