رغم خطورة الملفات الخلافية الممتدة من تايوان وسلاسل توريد الرقائق إلى شكل القيادة الدولية ورسم ملامح النظام العالمي، إلا أن واشنطن وبكين لم تصلا إلى مرحلة التصادم المباشر أو كسر طاولة الحوار. فالاعتماد الاقتصادي المتبادل، والرهانات في أمن الطاقة، وإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، واستقرار الشرق الأوسط والعراق، تظل نقاط التقاء تحكّم معادلة إدارة الصراع وتمنع انزلاقه...
من يتابع العلاقات الأمريكية الصينية يكتشف أن هنالك نقاط التقاء كثيرة تجمعهما، أولها الاقتصاد، حيث يشكل حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من 500 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعني شراكة متبادلة بينهما من خلال حاجة أمريكا للسوق الصيني وحاجة الصين للدولار والتكنولوجيا الأمريكية.
وهذا الأمر بحد ذاته دفع واشنطن لخفض الرسوم الجمركية للحد الأدنى ولمدة تسعين يوماً قابلة للتمديد. نقطة الالتقاء الثانية هو النووي الإيراني، كلاهما لا يريد إيران نووية، لكن الخلاف في الطريقة، واشنطن تفضل القوة العسكرية، وهو ما تم بالفعل يوم 28 شباط الماضي وصولاً للحالة الحالية وتداعياتها على إمدادات الطاقة العالمية، فيما نجد أن بكين تفضل الحل الدبلوماسي، وهو الأمر الذي تطرحه أكثر من مرة في الأشهر الأخيرة.
الملف الثالث هو ملف المناخ والطاقة، حيث إن أمريكا والصين لهما نصيب الأسد من انبعاثات العالم بحدود 40 بالمئة، ومن جانب الطاقة بكين تريد الترويج لبيع ألواحها وبطاريتها التي بدأت تنتشر في العالم بفعل أسعارها المناسبة، فيما واشنطن ترغب باستقرار أسعار الطاقة. الملف الرابع، هو الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الأمن العالمي، وهو ما يجعل كلاهما يبحث ذلك بطريقة تجنب سيطرة الذكاء الاصطناعي على القرارات المهمة، لاسيما في مجال القدرات النووية وسوء استخدامها، وهو ما يعني إدارة الخطر الناجم من الذكاء الاصطناعي.
والملف الخامس يخص استقرار الشرق الأوسط وخاصة العراق، حيث تسعى كل منهما لاستقراره وكلاهما يدعم العراق وحكومته، فواشنطن تجد في العراق فرصاً استثمارية كبيرة للشركات الأمريكية، فيما تجد بكين فيه ثالث أكبر مزود للنفط ومحوراً مهماً في مشروع الحزام والطريق ومشاريع التنمية، وفي مقدمتها مشاريع الكهرباء.
أما نقاط الاختلاف فأهمها تايوان التي تسعى بكين لإعادة توحيدها دون أي تصادم مع واشنطن. والنقطة الأخرى هي من يقود العالم، حيث ترى أمريكا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن مضافاً لذلك صندوق النقد الدولي كقوة اقتصادية وحلف الناتو قوة عسكرية على أن تبقى هي القائد للعالم. فيما ترى بكين أن هذا النظام أداة هيمنة، مما دفعها لبناء نظام موازٍ عبر بريكس وبنك التنمية الجديد ومنظمة شنغهاي وطرح شراء النفط بعملة اليوان. مما يعني تشكيل حلف بين بكين وموسكو ومن يختلف مع واشنطن في الرؤية، لا سيما في عهد ترامب حيث زادت الدول المتضررة من السياسة الأمريكية.
ويعد ملف التكنولوجيا من أبرز الملفات الخلافية، حيث منعت واشنطن تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين وتضغط على حلفائها لمنع تيك توك وهواوي، فيما كان رد الصين بمنع تصدير (الغاليوم والجرمناليوم) والتي تمتلك 80 بالمئة منه. وهذه النقطة تؤكد أن لا أحداً يريد التفريط بما لديه من عناصر القوة في هذا الملف الحيوي. مع هذا لم يصلا لمرحلة التصادم أو كسر طاولة الحوار بينهما، فهنالك قواسم مشاركة كثيرة بينهما.



اضف تعليق