قلبُ الأم كأنّه ضميرٌ مُعلِّمٌ للروح، لا شيء في الوجود يمنحُ الحياةَ أجملَ معانيها كقلبِ الأم. الأمُّ تحبُّ بلا شروط، هي القلبُ النابضُ الذي تلتقي فيه كلُّ حالات الحُبّ والرحمة والإيثار والعطاء اللامحدود بكلّ أشكاله؛ الإنسانُ الذي يعطي بلا امتنان، وبلا أيِّ حسابٍ للعوائد مقابل العطاء...

يقول الشاعر الألماني هولدرلين عن الأم وهو يخاطب السيدة العذراء: "إلى السيدةِ العذراءِ، إلى الأُمِّ، حين يفعلُ ذلك يشهدُ على ما هو موجود، لأنَّه ورثَ عنها، وتعلَّمَ منها، أوفرَ ما فيها من الألوهيَّة، أيِ الحُبَّ الذي يحفظُ الكونَ". هيدجر، مارتن، ما الفلسفة؟ ما الميتافيزيقا؟ هولدرلين وماهية الشعر، ترجمة: فؤاد كامل عبد العزيز، محمود رجب، وراجعها على الأصل الألماني وقدم لها: عبد الرحمن بدوي، ص 147، 1964، دار النهضة العربية، القاهرة.

الأمومةُ هي الحالةُ الوحيدةُ في الكائن البشري التي تتكوّن من الرحمة الحُبّ الخالص. لا يعرف منزلةَ الأم إلا من ذاق مرارةَ فقدانها، واختبر الحرمانَ من حنانها. في الأمومة تطغى العاطفةُ إلى الحدّ الذي يحجب هشاشةَ الأبناء وأخطاءهم وخطاياهم، فتغدو الأمُّ كأنها ترى أبناءها بعين الرحمة لا بعين الحساب.

الأمومةُ تخفف من صرامة أحكام العقل حيال مواقف الأبناء وسلوكهم، وتخفي كلَّ ما هو مزعج في شخصياتهم وحياتهم. نادرًا ما يلتقي التفكيرُ النقدي بالأمومة، لذلك يظلّ الأبناءُ يتعلّقون بالأم ويحتمون بها، مهما تقلبت حياتهم وتقدّمت أعمارهم. أما الآباءُ فيميلون غالبًا إلى تقويم سلوك الأبناء، والتنبيه إلى أخطائهم، والإنسان ينفر بطبيعته من النقد. لذلك يبدو حضورُ العقل النقدي والتفكير الواقعي في الأبوة أوضحَ وأوثقَ من حضوره في الأمومة.

الأمومةُ والأبوةُ حاجةٌ إنسانيةٌ أصيلة، إنهما أعمقُ تعبيرٍ عن شغف الإنسان بالخلود. كلّما تقدّم عمرُ الإنسان استفاقت في حياته الحاجةُ إلى العودة للطفولة، بوصفها تعبيرًا عن توقه الأبدي لاستئناف الحياة والعودة إلى البدايات. حُبُّ الأبناء هو في أحد تعبيراته العميقة حُبٌّ نرجسي لذواتنا، لأن في الأبناء ما ينبئ بديمومة حياة الإنسان عبر امتداده في حياة أبنائه وأحفاده، وهكذا. 

الأطفالُ مرآةٌ لصورة الإنسان يوم كان صغيرًا، كأنهم يستأنفون للكبار مرحلةَ طفولتهم، وكلَّ ما تختزنه ذاكرةُ الطفولة من جمال. يضاف إلى ذلك أن الأبناء يُشبعون حاجةَ الإنسان العميقة إلى الكمال، فكلُّ شيءٍ أخفقَ الإنسانُ في إنجازه أمس، يحلمُ بأن يُنجزه الأبناءُ غدًا. هكذا يمكن أن يُشبع الأبناءُ ولعَ الإنسان الذي لا ينطفئ بالاعتراف، بوصفه الحافزَ الأعمق للإنجاز. لذلك يحلم كثيرٌ من الآباء بأن ما خسروه من اعتراف الغير بمواهبهم ومنجزهم، يمكن أن يستوفوه باعتراف الغير بمنجز الأبناء.

الأطفالُ أكثرُ براءةً وعفويّةً وحيويّةً وغبطةً بالأشياء من الكبار. نتعلّمُ من الأطفال الاحتفاءَ بما نحسبه بسيطًا وعفويًا وهامشيًا. الأشياءُ التي يحسبها الكبارُ منطفئةً وليست ذاتَ معنى، تتبدّل بلمسات الطفولة العفوية إلى أشياءَ مضيئةٍ آسرة، تكشفُ عن وجوهٍ متعدّدةٍ لمعانٍ متوهّجة، لا تتبدّى معانيها إلا عبر تعاطي الأطفال معها واهتمامهم بها. هكذا نستأنفُ مع الطفولة رحلةَ اكتشاف وجوه المعنى فيما حولنا، التي نفتقدُ الكثيرَ منها كلّما تقدّم عمرُنا.

عقلُ الأبوين لا يتحدّث لغةَ عقل الابن، لكن قلبَ الأبوين يتحدّث لغةَ قلب الابن، وذلك ما يمنح الحياةَ أجملَ معانيها. قلوبُ الأبناء ليست كقلوبِ الآباء، قلوبُ الآباء تلبث مشغولةً بالأبناء ما داموا في الحياة، أما قلوبُ الأبناء فتنظر غالبًا إلى مستقبلهم الشخصي ومستقبل أبنائهم، وقلّما تلتفت إلى الوراء. الحياةُ دائمًا تنظرُ إلى الأمام، ولا تلتفتُ إلى الوراء، لذلك يمضي الإنسانُ في دروبها وهو منشغلٌ بما ينتظره أكثرَ من انشغاله بما مضى. 

غير أن القلبَ لا يخضع دائمًا لمنطق الحياة، إذ تقيمُ فيه ظلال الوجوه التي أحبّها، والأصواتُ التي صنعت دفءَ أيامه، والذكرياتُ التي شكّلت معناه. هكذا يبقى الإنسانُ معلّقًا بين نداء المستقبل وحنين الذاكرة، بين ما يدعوه إلى المضيّ، وما يشدّه إلى البدايات الأولى في حياته.

كلُّ حُبٍّ يمكن أن ينطفئَ في القلب، إلا إذا كان تجربةَ وجود، كحُبِّ الأمِّ والأب. يتعذّرُ على مَن هو خارجَ تجربةِ الوجود هذه أن يتذوّقها، وربما يصعبُ عليه كثيرًا قبولُها وتفسيرُها. التجربةُ الروحيةُ تجربةُ وجود، كأنها حُبُّ الأبوين للأبناء، هذا الحُبُّ لا يتحسّسُ جذوتَه المتّقدة إلا الآباء. يقولُ ولدي إبراهيم: "لم أتحسّسْ قوةَ حُبِّ الآباء للأبناء، وتذوّقَهم لهذا الحُبّ، وشغفَهم بالأبناء، إلا بعد ولادةِ ابنتي".

تفرضُ على المرأة طبيعتُها البيولوجية والسيكولوجية نوعًا من الارتهان العاطفي، تخضعُ فيه بمتعةٍ للأبناء، من دون شروطٍ أو مكافأة. الأمومةُ ضربٌ من التفاني الطوعي للأبناء، نتحسّسه لدى كثيرٍ من الأمهات، ويتعدّد بتعدّد الأبناء، عبءُ الأمومة تُبدّده متعتُها البهيجة. عاطفةُ الأم وشفقتُها ليستا فائضتين، ولا عبثيتين، ولا مجنونتين، وإنما تنبعان من صلةٍ وجوديةٍ عميقة، تجعلُ الأمَّ ترى أبناءها امتدادًا لحياتها، وتعيش أفراحَهم وآلامَهم كأنها أفراحُها وآلامُها الشخصية. 

الإنسانُ بلا عواطفَ يتحوّلُ إلى كائنٍ متوحّش. ليس في المجتمعات البشرية كلِّها، منذ أول إنسانٍ على الأرض إلى اليوم، أكاديمياتٌ علميةٌ لتعليم الأمهات الأمومةَ، أو الحنانَ، أو الشفقةَ، أو العواطف. ذاكرةُ الأم تمحو كلَّ ما يصدر عن الأبناء، مهما كان بشعًا مقيتًا.

أعذبُ حُبٍّ يتذوّقه الإنسان في حياته إشراقاتُ قلبِ أمّه. قلبُ الأم كأنّه ضميرٌ مُعلِّمٌ للروح، لا شيء في الوجود يمنحُ الحياةَ أجملَ معانيها كقلبِ الأم. الأمُّ مرآةٌ تتجلّى فيها أجملُ صور المرأة. الأمُّ تحبُّ بلا شروط، هي القلبُ النابضُ الذي تلتقي فيه كلُّ حالات الحُبّ والرحمة والإيثار والعطاء اللامحدود بكلّ أشكاله. الأمُّ هي الإنسانُ الذي يعطي بلا امتنان، وبلا أيِّ حسابٍ للعوائد مقابل العطاء.

لا يرى الإنسانُ صورتَه الأجملَ إلا بقلوبِ المُحبّين. الإنسانُ يتذوّقُ معانيَ الجمال في العالم ويبتهجُ بها، ولا يجدُ ما هو أجملُ في معناه من المحبّة والرحمة. لولا حنانُ الأمهات والآباء، وعطفُهم، وشفقتُهم على الأبناء، وتضحيتُهم بكلِّ شيءٍ من أجلهم، لانقرض البشرُ وتعطّلت الحياةُ على الأرض. الألمُ العاطفيُّ للأبوين على نكبات الأبناء من أقسى الآلام وأمضاها. بعضُ الآباء، وكثيرٌ من الأمهات، عندما يمرضُ أحدُ الأبناء، لا يستطيعون الرقادَ حتى الصباح.

أتذكّر أمَّ محمد، حين كان يمرض أحدُ أبنائنا في طفولته، لا تطيقُ النومَ. تلبث حتى الصباح تتململ في غرفة المريض مستيقظةً, تراقب تنفّسه، وحرارة جسده، والأعراضَ الأخرى، وتحرص على الالتزام بتوصيات الأطباء ومواعيد الدواء كأنها فرائض دينية. وحين يشتدّ المرض، تواصل سهرَ الليل بالنهار، فلا تسكنُ إلى النوم إلا حين يتغلّب عليها النعاس، كأن قلبَ الأمِّ لا يعرف الراحة ما دام الألمُ يسكن جسدَ أحد أبنائها. 

اللافت في أيام الامتحانات أنها كانت تعيش مع الأبناء تفاصيلَ الامتحان كلَّها، تسهر معهم الليلَ، وهي تراقبهم بخفاءٍ حين يقرأون ويستعدّون للامتحان، حتى عندما ينامون ليس بالضرورة أن تنام، تمكث تراقب الساعة لئلا يضيع الوقتُ على مذاكرتهم. شهدتُ لها مواقفَ مثيرة؛ إذ كانت تظلُّ واقفةً خلف الباب كلَّ يوم، حين يذهب أحدُ الأبناء لأداء الامتحان النهائي في المدرسة، تترقّب عودته بقلقٍ ولهفة. وربما تلبث في مكانها لساعات، وهي في حالٍ من الوجل والترقّب لما سيخبرها به ولدُها عن كيفية إجابته بعد أداء الامتحان، كأنها هي مَن دخلت الامتحان، لا ابنُها.

اضف تعليق