لا يمكن الوقوف متفرجين على هذه المنازلة المستمرة، والتي قد لا تنتهي إلا بنهاية الوجود البشري، فالفساد حالة موجود، وأهل الفساد موجودون وعاملون، متناسين أو ناسين العواقب التي تقف بانتظارهم، لهذا يجب التصدي لهم عبر الوقوف صفا واحدا وراء علماء الإصلاح الذين يواجهون علماء الشر بقوة الفكر والإيمان ودحض المخططات والأفكار التي يروج لها علماء التضليل...
(العالم الصالح هو الذي يوجه الأمم إلى الخير والصلاح، بينما العالم الفاسد هو الذي يوجه الأمم إلى الشر والفساد).
سماحة المرجع الشيرازي
تكمن قيمة الإنسان العالِم في قدرته الكبيرة والمتميزة على التصدي للعلماء الفاسدين، وكشف أهدافهم وأساليبهم وتعرية أغطية التضليل والخداع التي يتخّفون وراءها، فالبشرية برمتها تعيش حالة من الصراع بين الخير والشر، وعلماء الإصلاح هم من أهل الخير ومن المدافعين عنه، أما علماء الإفساد والفساد فهم من أهل الشر والمتمسكين به والمروجين له.
لذلك فإن المنازلة بين الطرفين مستمرة وستبقى كذلك طالما كانت البشرية على قيد الحياة، فهو صراع أزلي انبثق في اللحظات الأولى للخلق، أي منذ المنازلة التي انتهت بأول جريمة بين قابيل وهابيل، حيث ترصّد الشر وتربص للخير وسعى للإطاحة به، فبدأت رحلة هذا الصراع الأزلي المستمر بين الناس، وهم بالطبع يتوزعون على طرفي الخير والشر.
لهذا نهض علماء الخير والإصلاح، وتصدوا لعلماء الشر والإفساد، وهذا ما يدل بلا أدنى ريب على قوة التأثير الإيجابي للعالِم الصالح، وإمكاناته الكبيرة في توجيه الناس وتغذيتهم بالأفكار والتجارب والمضامين الصالحة، لكي يلتفوا حوله ويقفوا إلى جانبه في المنازلة المستمرة بين الخير والشر، ويحدث هذا بسبب القوة الهائلة التي يمتلكها العلم كونه أعظم قوة على وجه الأرض، وهذا ما جعل العلماء الصالحين يشكلون قوة عظيمة ضد الفساد والفاسدين.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في سلسلة نبراس المعرفة ضمن المحاضرة الموسومة بـ (العلماء الصالحون والفاسدون):
(العالم الصالح الواحد يكون له تأثير إيجابي كبير، وللعالم الفاسد تأثير سلبي بنفس المستوى،
ومن هنا تأتي قوّة العلم في إحداث التغيير، لأنه طاقة جبارة وقوة كبيرة، بل العلم أقوى من كل قوة على وجه الأرض، ويمكنه أن يحرك الجماهير ويحرك الأمم ويوجهها).
ويستل لنا المرجع الشيرازي دام ظله نموذجا خالدا للعلماء الصالحين، ألا وهو (أبو ذر الغفاري)، هذا العالم الذي تصدى للعلماء الفاسدين، وأتقن مهمة تقديم النموذج الكبير للخير، فكان له تأثيره العظيم على الناس الذين احتكوا به أو جاورهم، أو التقى بهم، وبدا تأثيره على ما حدث لهم من تغيير وقدرة كبيرة على التصدي لعلما الإفساد والفساد.
الموقف العلمي الإيثاري
وهذا ما جعل أبا ذر يحتل مكانة عظيمة في التاريخ، كعالم صالح أفشل جميع المخططات الشريرة التي خطط لها علماء الفساد الخبثاء الذين اصطفوا إلى جانب الطواغيت المرضى، وهذا الموقف العلمي الإيثاري المتفرّد الذي تحلى به هذا العالم العظيم خلّده في سجل التاريخ الإسلامي والإنساني بحروف من ذهب، وليس أدل على ذلك من وصف أمير المؤمنين عليه السلام لأبي ذر بأنه (خير الخلق).
حيث يقول المرجع الشيرازي دام ظله:
(استطاع ابو ذر الغفاري هذا العالِم الصالح أن يحتلّ مرتبة رفيعة بعد مرتبة أئمة الهُدى، وعلى حد قول أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان خير الخلق).
والشيء الذي يمكن أن نثبته هنا، هو أن التاريخ يثبت ويؤكد بلا أدنى شكل، على أن علماء الإصلاح لم يتسببوا مطلقا بسفك دماء الناس، ولا بإيقاع الظلم على أحدهم، بل كانوا دائما دعاة سلام ومحبة وتقارب بين الناس، ولم يسمحوا لأنفسهم أن يكونوا سببا في إلحاق الظلم بأحد مطلقا، بل كانوا دائما إلى جانب الناس ومساعدين لهم في تحصيل الخير وتجنب الشر.
بينما نلاحظ العكس تماما من علماء الفساد والإفساد، فهؤلاء دائما يلهثون وراء مصالحهم، خانعين للطواغيت، ومؤيدين لهم، يحيكون الشر لجميع الناس ويوقعون الجميع في شراك الشياطين، وكل هذا لا لشيء إلا للخبث والشر الذي يسكن نفوسهم وقلوبهم ورؤوسهم، فيخدعون الناس البسطاء ويدفعون بهم بشتى الأساليب نحو التصديق بوسائل التضليل المختلفة كي يكسبوا تأييدهم، ويجعلوا منهم أدوات بيد الطغاة الفاسقين، لهذا فإن هؤلاء العلماء الفاسدين هم ممن سوّد وجه التاريخ بالمظالم التي يشهد عليها التاريخ حتى يومنا هذا.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(إذا استقرأ أحدنا التأريخ لا يجد دماً حراماً ولا مظلمة واحدة وقعت بسبب العلماء الصالحين التابعين لرسول الله صلوات الله عليه وآله، بينما یرى وقوع ذلك بسبب العلماء الفاسدين الذين سوّدوا وجه التأريخ بملايين المظالم التي لازالت آثارها باقية إلى هذا اليوم).
ولذلك فإن عالمنا اليوم يعج بالظلم، ويمتلئ بأساليب التعذيب الجسدي والنفسي، بسبب المواقف الصادقة أو الرأي الحر، أو المعارضة الواضحة للسلطان، وهذا ما يجعل قائل الحق وصاحب الرأي المعارض والجريء هدفا للتعذيب أو الاعتقال، أو التشريد والملاحقات القضائية وسواها، وكل ذلك يكون مخططا له، ويكون لعلماء الفساد اليد الطولى فيما يحدث للناس الأبرياء.
وكل ما يحدث اليوم من مظالم وتجاوزات وحالات هضم لحقوق الناس سببه علماء الفساد والفاسدين، لكونهم لا يتورعون ولا يفكرون ولا يترددون في إلقاء التهم الباطلة، وتزييف الحقائق وتلميع الوجوه الكالحة لسلاطين الشر والطغاة الذين يبحثون عن هؤلاء العلماء الفاسدين ويغدقون عليهم من العطايا والأموال حتى يوقعوا بالناس ويخربوا عقولهم ونفوسهم بالأفكار التخريبية الشريرة من دون وازع من ضمير أو عقل أو تفكّر.
الانتصار لعلماء الإصلاح
وقد امتهن هؤلاء العلماء الفاسدون مهنة التضليل والخداع والتزييف، طمعا بما يمنحهم الحكام الطغاة، والتاريخ يقدم لنا من هذه النماذج عبر صفحاته الموثوق بها، ولذلك فإن كل ما تعاني منه البشرية من ويلات، وغمط للحقوق وتحجيم للحريات وتكميم للأفواه، سببه هذا النموذج الفاسد والفاشل من العلماء الذين يحابون الطغاة على حساب حقوق الناس وآرائهم وحرياتهم وممتلكاتهم وتوجهاتهم الرفضة للظلم والإقصاء.
ولعلنا عشنا وعايشنا مثل هذه النماذج من العلماء الفاسدين الذين يؤيدون الحكام الطغاة، سواء في العراق أو في إيران، أو في البلاد العربية الأخرى، حيث ينحني العالم الفاسد أمام جبروت الطاغية ويؤيده في قراراته وسياساته وتجاوزاته على الشعب، في مقابل هبات بائسة سرعان ما تزول ليبقى العار يلاحقهم في حياتهم وبعد مماتهم، فكل حالة تعذيب زهد للحقوق يقف وراءها هذا النوع من العلماء الفاشلين الغاطسين في مستنقعات الفساد.
لهذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(ما نراه اليوم في العالم، ولاسیّما العالم الإسلامي من تعذيب جسدي وهضم للحقوق وغيرها هو نتيجة إدارة العلماء الفاسدين للبلاد في هذا الزمان وقبله).
وفي هذا المنازلة التي لا تزال قائمة بين علماء الإصلاح وبين علماء الإفساد، لابد أن يفهم الناس جميعا طبيعة هذا الصراع ومخاطره الكبيرة عليهم، لأن نتائجه سوف تعود عليهم سلبا في حال تفوق علماء الفساد على علماء الإصلاح، من هنا يجب الانتصار لعلماء الخير والوقوف إلى جانبهم، وتمكينهم بقوة التأييد والأساليب المتاحة لكي ينتصروا في هذه المنازلة، أملا في صنع حياة عادلة للبشرية كلها.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(ولأن العالِم الصالح هو خير الخلق بعد أئمة الهدى، والعالم الفاسد هو شرّ الخلق بعد إبليس وفرعون، لذا على كل إنسان مؤمن أن يشعر بمسؤوليته سواء كان كبيراً عالماً أو جاهلاً، غنياً أو فقيراً ـ أن يضم صوته ويعبّئ إمكاناته وطاقاته بمقدار ما يستطيع إلی العلماء الصالحين لمواجهة العلماء الفاسدين).
فلا يمكن الوقوف متفرجين على هذه المنازلة المستمرة، والتي قد لا تنتهي إلا بنهاية الوجود البشري، فالفساد حالة موجود، وأهل الفساد موجودون وعاملون، متناسين أو ناسين العواقب التي تقف بانتظارهم، لهذا يجب التصدي لهم عبر الوقوف صفا واحدا وراء علماء الإصلاح الذين يواجهون علماء الشر بقوة الفكر والإيمان ودحض المخططات والأفكار التي يروج لها علماء التضليل دعما لحكام الفساد وأهله.



اضف تعليق