يتسع حضور القلق في حياة الشباب يوماً بعد آخر، ليصبح جزءاً من تفاصيلهم اليومية في الدراسة والعمل والعلاقات والتخطيط للمستقبل، في هذا الاستطلاع الذي أجرته شبكة النبأ المعلوماتية، تتنوع القراءات حول أسباب تصاعد القلق لدى الشباب، وتلتقي الآراء عند مجموعة من العوامل النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيد تشكيل وعي الجيل الحالي....
يتسع حضور القلق في حياة الشباب يوماً بعد آخر، ليصبح جزءاً من تفاصيلهم اليومية في الدراسة والعمل والعلاقات والتخطيط للمستقبل. تتداخل الضغوط الاقتصادية مع التحولات الرقمية المتسارعة، وتتصاعد المقارنات الاجتماعية عبر الشاشات، بينما تتراجع مساحات الدعم الاجتماعي المباشر داخل الأسرة والمجتمع. بين هذا التشابك، يعيش جيل كامل حالة من الترقب الدائم لمستقبل تتعدد ملامحه وتغيب عنه الطمأنينة.
في هذا الاستطلاع الذي أجرته (شبكة النبأ المعلوماتية)، تتنوع القراءات حول أسباب تصاعد القلق لدى الشباب، وتلتقي الآراء عند مجموعة من العوامل النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيد تشكيل وعي الجيل الحالي.
الضغوط الاقتصادية وغياب الاستقرار
يرى غياث ربيع علي أن تصاعد مستويات القلق لدى جيل الشباب يعود نتيجة تداخل عوامل متعددة أبرزها الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وعدم الاستقرار الوظيفي والمالي.
إضافةً الى ذلك تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تعزيز المقارنات الاجتماعية والشعور بعدم الكفاية وفقدان الثقة بالنفس.
كما أن تراجع العلاقات الاجتماعية المباشرة وضعف الدعم الأسري يزيد من الإحساس بالعزلة والوحدة فأن أغلب الناس قاطعت صلة الرحم بشكل ملحوظ مؤخراً.
تلعب الأزمات العالمية مثل الحروب وتدفق شباب العراق الى روسيا او أوكرانيا والانخراط في هذه الجيوش وخوض المعارك العبثية بغية المال دوراً في تعزيز الشعور بعدم الأمان تجاه المستقبل.
المقارنة الرقمية وتآكل الثقة بالنفس
توضح أم البنين علي عبد العزيز أن التحولات الرقمية والاقتصادية المتسارعة أسهمت في تعميق حالة عدم الاستقرار النفسي لدى الشباب بعدة أشكال مترابطة. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت الإنسان في حالة مقارنة دائمة بين حياته وحياة المشاهير أو الآخرين، مما يولد شعورًا بالقهر النفسي والهوس بالمظهر الخارجي وفقدان الرضا عن الذات.
كما أن ضغط الزمن وسرعة التحولات الاقتصادية تخلق لدى الشباب إحساسًا مستمرًا بأنهم متأخرون عن تحقيق النجاح، وكأن من لم ينجز في سن مبكرة قد فاته القطار، وهذا الشعور بالاستعجال يقود إلى الإحباط والاحتراق النفسي.
ومع استمرار هذا الضغط، قد يلجأ بعض الشباب إلى العزلة داخل المنزل والإدمان على الهاتف، حيث يظهرون جسديًا مع عائلاتهم لكنهم ذهنياً في عالم آخر. هذا الانفصال النفسي يضعف الروابط الأسرية ويقلل من التفاعل الاجتماعي الحقيقي.
يساهم هذا الهروب الرقمي وضعف العلاقات الواقعية في زيادة مشاعر الاكتئاب وعدم الاستقرار النفسي لدى الشباب بشكل واضح.
سوق العمل واستنزاف الطاقات
تلفت علا محسن المعموري إلى أن سوق العمل اليوم يضغط على الشباب بمطالب تعجيزية كأن يطلب من "خريج" خبرة سنوات مما يشعره بالفشل قبل أن يبدأ وبسبب التكنولوجيا صار العمل يلاحقنا للبيت عبر "الواتساب" فما عاد العقل يجد فرصة للراحة الحقيقية أو فصل التفكير في الهموم المهنية هذا السباق المستمر والمقارنة مع نجاحات الآخرين على السوشيال ميديا يجعل الشاب يشعر أنه "آلة" مطلوب منها الركض دائماً دون توقف والنتيجة هي انطفاء مبكر واحتراق نفسي حيث يفقد الشاب طاقته وشغفه ويشعر أن حياته كلها ضاعت في مطاردة لقمة العيش.
القلق الوجودي وغموض المستقبل
تؤكد رسل لؤي النعيمي أن القلق الوجودي الذي يواجهه الشباب اليوم ليس مجرد توتر أو تفكير عابر، بل هو أعمق من ذلك.
هناك قلق من المستقبل؛ فالشاب اليوم يشعر بأنه لا يرى طريقاً واضحاً أمامه، وفرص العمل قليلة، وحتى إذا حصل على عمل فإن الرواتب غالباً لا تكفي لمتطلبات المعيشة، وهذا يدفعه إلى التساؤل المستمر: ما مستقبلي؟ وماذا سيحدث لي؟
كما يشعر بغياب الأمان، ليس من الناحية المادية فقط، بل من الناحية النفسية أيضاً. فلا يوجد استقرار حقيقي، وكل شيء قابل للتغير بسرعة، وهذا ما يجعله يعيش حالة دائمة من التوتر.
ويزداد هذا القلق بسبب المقارنة والضغط الاجتماعي؛ إذ يواجه باستمرار نماذج توحي له بأن الآخرين أفضل حالاً وأكثر نجاحاً، مما يولد لديه شعوراً بالنقص والفشل.
فإن القلق الوجودي الذي يعيشه الشباب اليوم في العراق، أو في كثير من البلدان، ناتج عن ظروف اقتصادية ضاغطة، وضغط اجتماعي متواصل، وغموض يحيط بالمستقبل، إضافة إلى فقدان الإحساس بالقدرة على السيطرة على مجريات الحياة.
التحولات الاجتماعية وتراجع العلاقات المباشرة
تشير نهى حسين إلى أن تداخلت التغيرات الاجتماعية في بلدنا العزيز مع الأزمات المتراكمة لتخلق ضغوطاً إضافية على الشباب، حيث أدى التوسع الرقمي إلى استبدال التجمعات الواقعية (كالمقاهي والمجالس العائلية وغيرها) بعلاقات افتراضية تفتقر للأمان العاطفي. وزاد هذا التحول من حدة "القلق الاجتماعي" نتيجة المقارنة الدائمة بين واقع الشباب الصعب وما يُعرض من حياة مثالية على المنصات التواصل الاجتماعي، كما ساهم تراجع دور الأسرة الممتدة في إضعاف شبكات الدعم التقليدية، مما جعل الشاب يواجه تحديات الهوية والبطالة بمفرده عاطفياً هذا الانقطاع عن الجذور الاجتماعية العميقة ولّد شعوراً بالاغتراب وزاد من التوتر المرتبط بالمستقبل المجهول.
ضغط الإنجاز وتسارع الإيقاع الحياتي
توضح شذى رحيم الصبيحي أن متطلبات سوق العمل اليوم لم تعد مجرد شروطٍ للتوظيف، بل تحوّلت إلى عبءٍ نفسي ثقيل يحمله الشباب بصمت. فكلما حاول الشاب أن يصل، وجد أمامه قائمةً أطول من التوقعات؛ خبرة لا يملك فرصة لاكتسابها، ومهارات تُطلب بسرعةٍ تفوق قدرة الإنسان على التكيّف. فيبدأ بالشعور أن جهده مهما كان كبيرًا لا يكفي.
ومع كثرة المقارنات والخوف من التأخر عن الآخرين، يصبح القلق جزءًا من يومه، ويغدو المستقبل فكرةً مرهقة بدل أن يكون حلمًا جميلاً. وهذا الضغط المستمر يسرق من الشباب طاقتهم النفسية تدريجيًا، حتى يفقد بعضهم الشغف بما أحبوه يومًا.
ولا يقتصر الأمر على الجانب المهني فقط، بل يمتد إلى الجانب الإنساني؛ إذ يصبح الوقت مكرّسًا للنجاة لا للحياة، فيفقد الشباب التوازن بين العمل والراحة، وبين تحقيق الذات والطمأنينة النفسية. لذلك فإن قسوة سوق العمل لا تُرهق الجسد فحسب، بل تستنزف الروح أيضًا، حين تجعل الإنسان يشعر أن قيمته مرتبطة فقط بقدرته على الإنتاج.
الفضاء الرقمي وتشكّل الوعي
يبيّن مصعب صالح كاظم أن الكثير من الشباب العراقي يواجه ضغوطات عالية خصوصا في عالم اتسم بالسرعة واغلب مصادر المعلومات تكون من عالم افتراضي غير نسيطر عليه تتعدد في الآراء والاتجاهات ومستويات الفهم مما يشكل وعي الشباب وفي اغلب المواقع الالكترونية في العالم الافتراضي تغذي افكار الشباب والاجيال بمعلومات مغلوطة وهشة تخضع لهوى وفكر منتجها حيث نلاحظ انتشار التفاهة وعدم الجدية وانتشار النقد على اي امر يطرح وبصورة ساخرة ومتنمرة والذهاب ابعد من ذلك الى شتم الناس بدون اي سبب فقط لمخالفتهم أفكارنا والطعن بالأعراض في كل مناسبة. هذا كله ادى الى الهروب من مواجهة الواقع والمسؤولية، واللجوء إلى أمور قد تكون غير أخلاقية او غير قانونية او مضرة بالصحة او تسبب التفكك الاسري وانهيار العلاقات الاجتماعية، على سبيل المثال اللجوء إلى مرافقة أصدقاء السوء وما يجره من انحراف سلوكي وأخلاقي بداية من عقوق الوالدين الى اهمال الدراسة وأحيانا ينجرف باتجاه أمور يظن الشاب والمراهق انها تنسيه وتحجب عنه واقعه مثل المخدرات وما تجره من ويلات أخرى.
الخلاصة
تكشف آراء المشاركين في هذا الاستطلاع عن مشهد تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والتقنية في صناعة مستوى متصاعد من القلق لدى الشباب. تتجه الضغوط نحو سوق العمل ومتطلباته العالية، فيما تعيد المقارنات الرقمية تشكيل صورة الذات، وتضيف التحولات الاجتماعية شعوراً متزايداً بالعزلة وضعف الدعم المباشر.
يتضح من مجمل الطروحات أن القلق لدى الشباب لم يعد مرتبطاً سبب واحد، وإنما نتيجة شبكة معقدة من المؤثرات التي تمتد من الواقع المعيشي إلى الفضاء الرقمي، ما يجعل فهم هذه الظاهرة خطوة أساسية نحو قراءة أعمق لتحديات الجيل الحالي.



اضف تعليق