عام 1853 وصف القيصر الروسي نيقولا الأول الدولة العثمانية بالرجل المريض لضعفها وتشتت رأيها والمديونية والدول المنتظرة لتقاسم تركتها. اليوم، تنطبق مواصفات "الرجل المريض" على أوروبا بعد تداعيات حرب روسيا وأوكرانيا، حيث باتت القارة بلا جيش وبلا ذخيرة واعتمادها تام على واشنطن التي تدير ظهرها لشركائها متى ما اقتضت مصالحها...
عام 1853 وصف القيصر الروسي نيقولا الأول الدولة العثمانية بالرجل المريض، مستنداً إلى ضعف الجيش وتشتت الرأي والمديونية المالية ودول تنتظر أن تنال حصتها من أراضي الدولة العثمانية الشاسعة. أوروبا اليوم تنطبق عليها صفات الرجل المريض إذا ما نظرنا لوضعها بعد حرب روسيا وأوكرانيا من جهة، وحرب أمريكا وإيران من جهة أخرى نجد أن أوروبا الخاسر الأكبر من تداعيات ذلك.
باتت ديون الدول الأوروبية كبيرة أوضحتها تظاهرات شعبية في عدد ليس بالقليل في أوروبا مضافا لذلك ألمانيا القوة الاقتصادية الأكبر توقفت مصانعها منذ انقطاع الغاز الروسي الرخيص مما أثر على النمو الاقتصادي، فضلا عن زيادة الإنفاق العسكري على حساب الخدمات المهمة وفي مقدمتها التعليم والصحة. مواصفات الرجل المريض تنطبق الآن على أوروبا مع اختلاف إن الدولة العثمانية كانت تدرك أنها مريضة وبدأت تعالج أمورها متأخرة فكانت نهايتها، أما أوروبا لا تريد أن تعترف بذلك وتحاول أن تقول للآخرين ما زلت قوية وهي لم تدرك أن احد أهداف حرب روسيا على أوكرانيا هي تقويض أوروبا والإسراع بانتشار الأمراض في اقتصادها وقوتها العسكرية وصولا لتفتيت وحدتها التي انعكست على الكثير من الانتخابات بوصول قوى اليمين في العديد منها.
إذن مرضها الأول اقتصادي ذو أبعاد كبيرة جدا عكستها كما أشرنا موجة التظاهرات في أغلب العواصم الأوروبية، أما المرض الثاني ديموغرافي بانخفاض نسبة المواليد بما يجعلنا نقول إن القارة تشيخ بسرعة وهي فعلا قارة عجوزة بدرجة كبيرة جدا.
والمصانع والمستشفيات تعمل بالمهاجرين وسط دعوات إيقاف الهجرة وهو الأمر المستغرب فإن اقتصادها لا ينمو بدون هؤلاء المهاجرين ومع هذا يصوتون لليمين، الذي يعدهم بمحاربة الهجرة والحد منها على أقل تقدير دون إدراك عواقب هذا الإجراء على مستوى الخدمات المقدمة للناس في أكثر من مفصل حياتي مهم.
المرض الثالث أفرزته حرب أوكرانيا بأن هذه القارة بلا جيش وبلا ذخيرة، وكل اعتمادها بما في ذلك القرارات السيادية على أمريكا واكتشف الأوروبي انه لا يستطيع التفاوض مع موسكو إلا عبر واشنطن التي أدارت ظهرها لأوروبا من أجل مصالحها وتجلى ذلك بوضوح بالسماح لروسيا بتصدير النفط والديزل رغم العقوبات. مما انعش اقتصاد موسكو وزاد من زخم حربها ضد أوكرانيا، وبالتالي تزايد مخاوف الأوروبيين من حرب قادمة نحوهم تلتهم الأخضر واليابس على مرأى ومسمع من واشنطن في عهد تارمب، التي فضلت مصالحها الخاصة على مصالح الشركاء التقليدين.
المرض الرابع هو الخوف من أزمة المناخ لكنها تخشى تكاليفها. تخاف من روسيا لكنها ترفض التجنيد الإجباري وزيادة الإنفاق العسكري تخشى من امريكا لكنها لا تمتلك القدرة على اخذ قرار الاستقلال التام عنها. مضافا لذلك وجود فجوة رقمية كبيرة بينها وبين الصين وأمريكا، ما يجعلها عرضة لهجمات سيبرانية بين الحين والآخر وهذا ما حدث أكثر من مرة في المطارات ومحطات المترو في أكثر من دولة فيها.



اضف تعليق